Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ستموت في العشرين" أول فيلم سوداني يرشح   لـ"أوسكار" بقوة

الأيام الأولى للتصوير تزامنت مع انطلاق لحظات الأمل الشعبي

مشهد من الفيلم السوداني "ستموت في العشرين" (موقع الفيلم)

بعد جولة واسعة النطاق على المهرجانات الدولية (من تورونتو إلى روتردام)، غداة فوزه بجائزة "أسد المستقبل" المهيبة خلال موسترا البندقية في سبتمبر (أيلول) 2019، عاد الفيلم السوداني "ستموت في العشرين" ليصبح حديث هواة السينما بعدما رشّحته السودان لـ"أوسكار" في فئة أفضل فيلم أجنبي، وليصبح أول فيلم سوداني يُرسل إلى أكاديمية فنون الصور المتحركة وعلومها. هذا لا يعني دخوله إلى القائمة القصيرة التي سيتم الإعلان عنها في مطلع العام المقبل، إنما هي خطوة أولى في المسار الطويل الذي على الفيلم أن يسلكه لبلوغ حلم الحصول على التمثال الذهبي. ومَن يدري، قد يكون أول عمل عربي يفوز بهذه الجائزة المشتهاة التي ترشّح لها عدد من الأفلام العربية في السنوات الماضية. وهكذا، بفيلم واحد ووحيد تحوّلت السودان من دولة حاربت السينما والسينمائيين في عهد البشير، إلى بلد يرد الاعتبار إلى مبدع من مبدعيها، مقدرةً قيمتهم في المحافل الدولية. صفحة الفيلم الرسمية على "فيسبوك" كتبت: "هذه لحظة تاريخية لفيلمنا الذي يُعتبر ثامن عمل روائي طويل في تاريخ السودان. لحظة رائعة لكل صانع أفلام سوداني لطالما انتظر الفرصة لتوصيل رؤيته ورسالته وحكاياته للجمهور الدولي".

يكاد لا يوجد فيلم عربي نال ثناء كالثناء الذي ناله "ستموت في العشرين" في السنوات الأخيرة. هو واحد من ثلاثة أفلام سودانية أبصرت النور العام الماضي ونقلت السودان من مكان إلى مكان على الخريطة السينمائية. هذا أول فيلم روائي طويل ينجزه ابن الـ38 سنة أمجد أبو العلاء، بعد سنوات من العمل في التلفزيون وفي إنجاز وإنتاج أفلام قصيرة اكتسب عبرها خبرة لا بأس بها. الفيلم أفلمة لرواية "النوم عند قدمي الجبل" لحمور زيادة، كتب السيناريو كل من المخرج أمجد أبو العلا ويوسف إبراهيم، وقد استغرق التصوير شهرين في منطقة الجزيرة، جنوب السودان. 

الحقبة الجديدة

اللافت أن الأيام الأولى للتصوير تزامنت مع اندلاع شرارة الثورة السودانية التي أطاحت بالبشير وأدخلت السودان في حقبة جديدة من تاريخها بعد عقود من الديكتاتورية العسكرية. ما حصل ترك تأثيراً بالغاً في الفيلم. يذكر أبو العلاء تلك اللحظة التي أخبروه فيها عن حرق مقر حزب المؤتمر الوطني الحاكم في مدينة عطبرة، فشعر أنه يسهم بعمله هذا في صنع ثورة موازية بالتزامن مع الثورة التي تحدث في الشوارع والساحات. والأمر الإيجابي بالنسبة له هو أن التظاهرات والاحتجاجات شغلت السلطات عن فريق العمل، فما عادت تكترث بوجود فريق تصوير في إحدى القرى. يروي أبو العلاء: "كان الجو مشحوناً بسعادة غامرة، لا بين السودانيين فحسب، بل أيضاً بين الفريق الفرنسي المشارك في التصوير الذي كان قادماً من باريس حيث تظاهرات السترات الصفر، وفي كل الأحوال، أن تصنع فيلماً سينمائياً في بلد مثل السودان هو ثورة في ذاته".

كان النظام السياسي في عهد البشير يحارب الفنون بشكل عام والسينما بشكل خاص. أنتج ذلك بيئة لا تشجّع على صناعة أو مشاهدة السينما، وبدأ هذا منذ الحقبة التي كانت فيها الدولة الداعمة الوحيدة للسينمائيين في بلد لا توجد فيه سينما تجارية، وتالياً لم يتّسع الأفق للإنتاج المشترك ومفهوم السينما البديلة الذي أخذ وقتاً طويلاً حتى جاء جيل أبو العلاء ليتعامل معه بأريحية كواقع جديد مفروض عالمياً.

فضلاً عن قيمته الفنية العالية، فإن "ستموت في العشرين" هو من هذه الأفلام التي تؤمن بأن السينما تستطيع الكثير وهي أحد أمضى الأسلحة من أجل التغيير في المجتمعات المتقدمة، والمقصود تغيير العقليات تحديداً. ولعل أجمل ما في الفيلم هو تلك المسافة التي ينظر منها إلى الأشياء، فهو داخلها وخارجها في آن واحد.

تخييل إنساني

يروي "ستموت في العشرين" الآتي: في قرية سودانية يعتنق سكانها المنهج الصوفي، يتنبأ أحد الحكماء بأن الطفل مزمل الذي ولد للتو لن يتسنى له العيش لأكثر من عشرين سنة. مصيره الموت حين يبلغ هذا العمر. الجميع يصدّق هذا التنبؤ الغريب، فيطلق على الصبي "ابن الموت"، لتصبح حياته بأكملها مرتبطة بهذه الفكرة. يمضي مزمل أيامه منتظراً تلك الآخرة، ليس لديه شيء آخر يفعله سوى ترقب الموت. في موازاة ذلك، يقحمنا الفيلم في حكايات وتفاصيل جانبية عن الأب الغائب وحبّه الأفلاطوني لفتاة جميلة وتعرضه للاضطهاد. أحد أهم الخيارات الدرامية للفيلم هو أنه لا يقدّم مزمل كضحية أو كشخصية تثير الشفقة. السيناريو يتجنب الوقوع في هذا الفخّ، بل نحن حيال كائن حيّ محكوم بالأمل، بات الموت يشغله أكثر من الحياة. معرفته بأنه على هذه الأرض لفترة غير طويلة، لا تمنعه من تلاوة القرآن. لا يقول الفيلم بوضوح تام إذا كان يفعل ذلك خوفاً أو إيماناً. فالفيلم لا يسمح لنا لأن نبلور مشاعر كبيرة تجاه مزمل، تاركاً لنا مساحة من الحرية نتحرك في نطاقها. يعود للمُشاهد اختيار نوع التفاعل الذي يرغب به. 

موضوعة الانتظار تخيم على الشق الأكبر من الفيلم، بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الإيقاع الأفريقي. كل شيء يسير كما لو كان نهرٌ يبحث عن مصب. إحساس يعززه عند المُشاهد بعض اللقطات ذات الطابع الميثولوجي، كإبحار القوارب على النيل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المعتقدات الدينية التي ترزح القرية تحتها، تبدو خارج إطار النقاش. لا أحد يطرح أسئلة حولها، ما عدا العمّ سليمان، الرجل الطيب الذي هو صديق والد مزمل، وهو للمناسبة عاشق سينما. يمتاز سليمان بكونه مختلفاً عن كل مَن عرفهم الشاب الذي ينتظر الموت. إنه البقعة التي يخرج منها النور ويمتد على مساحة الفيلم. أفكاره ستساعد مزمل على القفز فوق المسلّمات ومناقشة الأشياء التي من المفترض أنها لا تخضع لأي نوع من المساءلة. معه سيكتشف أيضاً حبّ السينما. وهنا يضع أبو العلاء بصمته. بالنسبة لكثيرين، لا يمكن تخيل فيلم لأبو العلاء من دون حكي عن الأفلام، فهو متأثر ببعض الكلاسيكيات وضمها البعض منها في باكورته كنوع من تحية. بعد خروجي من الفيلم في البندقية، سألتُ نفسي: مَن الأقرب للمخرج في الفيلم؟ مزمل أو العم سليمان؟ قبل أن يكشف لي أبو العلاء أنه يشعر بأنه حيناً مزمل وحيناً سليمان، متعمداً التأرجح بين الشخصيتين بحرية. في المقابل، كان واضحاً أن الفيلم من أب سينمائي مجهول، على رغم تأثيرات سينمائية ألقت بظلالها عليه، وهي واضحة في مَشاهد عدة تستحضر أسماء كبيرة في عالم الإخراج. 

يمكن تحميل "ستموت في العشرين" معاني كثيرة، لكن مَن أكثر من صانعه يستطيع اختصار مضمونه ببضع كلمات معبرة. يقول: "أتحدّث عن الموت والتحرر، عن الثورة على القيود والخروج من الصندوق ومن القوالب التي يجبرك المجتمع بعاداته وتقاليده أن تخضع لها وتقبع في داخلها".

المزيد من ثقافة