بين القوات الأميركية و"الحشد الشعبي"... من يفضّل سكان الأنبار والموصل؟

يصطف معظم السكان خلف موقف واحد هو ضرورة بقاء الأميركيين

قوات أميركية في الموصل (رويترز)

ينقسم الموقف البرلماني في العراق بين مؤيد ومعارض لقانون خروج القوات الأميركية من البلاد، الذي تحاول كتلة الفتح وكتل أخرى مقرّبة من إيران إقراره. أما موقف المدن السنية، منها الأنبار حيث تتمركز أكبر قاعدة أميركية، فيختلف تماماً. إذ يصطف معظم السكان خلف موقف واحد هو ضرورة بقاء القوات الأميركية في المحافظة، التي حاربت تلك القوات سنوات طويلة. الوجود الأميركي في العراق يتركز في قاعدة عين الأسد الجوية، الواقعة في ناحية البغدادي غرب مدينة الأنبار، بينما يتمركز بعض المستشارين في ناحية القيّارة، جنوب الموصل، وعدد آخر في منطقة القصور الرئاسية في مركز المحافظة. أما مدينة تكريت فلا وجود فيها للقوات الأميركية. ولعل ارتباط محافظتي نينوى والأنبار بحدود مشتركة مع سوريا، هو السبب الأكبر الذي يضمن حرية حركة هذه القوات بين المدينتين، على النقيض من مدينة تكريت التي تمتاز بحدودها المغلقة بمدن عراقية أخرى.

الموصل تعترض

المعارضة التي من المتوقع أن يواجهها القانون لا تتركز في البرلمان فحسب، بل تمتد إلى تلك المدن بشكل مباشر من خلال حكوماتها المحلية وشيوخ عشائرها وسكانها المحليين، الذين بدأت تسود بينهم حالة تذمّر واضحة من وجود قوات "الحشد الشعبي" المقربة من إيران في مناطقهم. بعد حادثة غرق العبّارة في الموصل صار السكان يتحدثون بصوت مرتفع عن ضلوع بعض قادة عصائب أهل الحق في المدينة في عمليات فساد داخل المحافظة. وحتى بعد إقالة المحافظ بقيت الأحاديث تدور بين الناس على القضية ذاتها، ولا يبدو أنها ستهدأ في القريب العاجل. يقول حامد ريحان، وهو أحد سكان المدينة، "في السابق كنا نخشى الحديث عن القضية، وحتى عند وقوع مشكلات أمنية أو تفجيرات كنا نعرف أسبابها، وندري أن الصراعات داخل الموصل لن تنتهي. واليوم، بتنا أكثر جرأة في الحديث عما يدور في المدينة".

قبل أكثر من شهر انطلقت شائعة في مدينة الموصل مفادها أن الحكومة ستُقيل قائد عمليات نينوى نجم الجبوري، الذي يحمل الجنسية الأميركية وتقيم عائلته في الولايات المتحدة. فسادت حالة تذمّر وتحرك بعض وجهاء المدينة بغية إيقاف الأمر، ليتضح لاحقاً أنها محض شائعة ولم يصدر أي أمر رسمي بالإقالة. ويُعتقد أن القوات الأميركية التي لا يتجاوز عددها العشرات في مركز الموصل، هي التي أطلقت الشائعة لمعرفة مدى تمسك الأهالي بالجبوري المقرّب منها. يضيف ريحان "على الرغم من تذمري في بداية الأمر من وجود القوات الأميركية، فأنا اليوم أشعر بالارتياح حينما أرى المنطاد الكبير، الذي يحمل كاميرات كبيرة، معلّقاً في الهواء في منطقة القصور الرئاسية، لشعوري بوجود قوة توازنُ وجود الحشد في المدينة".

علاقة متغيرة وذكريات مؤلمة

مدينة الأنبار التي يتمركز فيها أكبر عدد من الجنود الأميركيين، يتناقل سكانها الحديث ذاته. إذ لدى هذه المدينة تاريخ طويل ومشترك مع القوات الأميركية، لكن الذكريات مؤلمة للجانبين. في العام 2004، كان التوتر الأول بينهما، حينما قتل أفراد من أهالي قضاء الفلوجة جنوداً أميركيين ومثّلوا بجثثهم، فتقدمت القوات الأميركية وحاصرت المدينة في عملية انتقامية راح ضحيتها المئات من المدنيين، وعرفت آنذاك بـ "أزمة الفلوجة". وخلال السنوات اللاحقة، تجددت الاشتباكات مرات عدة، ولم يهدأ التوتر حتى قررت القوات الأميركية أن تغير إستراتيجية قتال تنظيم القاعدة في العراق في العام 2007، من خلال تسليح العشائر السنية لمقاتلة التنظيم وشكلت مجالس الصحوة انطلاقاً من مدينة الأنبار.

هذه الخطوة فتحت صفحة جديدة في تاريخ العلاقة بين الأنباريين والقوات الأميركية، حتى أن قادة الصحوات في المدينة وأعضاء الحكومة المحلية كانوا ضد انسحابها من العراق في العام 2011. واليوم، هناك أكثر من 8000 جندي أميركي بين قاعدة الأسد وقاعدة الحبانيّة، والسكان لا يريدون مغادرة هذه القوات بسبب تذمرهم من وجود بعض تشكيلات "الحشد الشعبي". يقول الشيخ محمد علي سليمان، أحد القادة الميدانيين لقوات الصحوة والذي يعمل مستشاراً ضمن هيئة "الحشد الشعبي"، إن "عودة القوات الأميركية إلى محافظة الأنبار هي تصحيح للأخطاء التي ارتكبتها أثناء مغادرتها العراق. والسبب أن العراق لم يكن قد تعافى بعد لتخرج منه في العام 2011، كان ولا يزال بحاجة إلى قوات محايدة تتولى مهمة الملف الأمني".

يضيف "بحكم كوننا قوات عشائرية تصدت لتنظيم القاعدة، نجد في دعم القوات الأميركية لنا في مقاتلة تنظيم داعش أو أي جماعات مسلحة أخرى، دعماً جدياً يختلف عن دعم الحكومة العراقية، التي لا تزال تتعامل معنا على أننا مقاتلون من الدرجة الثانية، ولا تمنحنا أي صلاحيات أو تجهيزات. ووفق هذا، أسعى منذ سمعت بإمكان عودة القوات الأميركية إلى العراق، إلى التواصل معها للعمل معاً من أجل استقرار المحافظة". ويحمل معظم السكان الرؤية ذاتها، منهم ياسين إبراهيم الكبيسي، وهو رجل سبعوني يقطن في مدينة الفلوجة ويتابع بارتياح الأخبار التي تحدثت عن عودة القوات الأميركية من سوريا إلى العراق. إذ أصبح المواطنون في الفلوجة يرون أن تلك القوات بمنزلة بيضة القبان التي توازن بين القوى المختلفة في المدينة. يقول "كنت أرفض أي وجود أجنبي على أراضينا، لكن بعدما بدأت الميليشيات المسلحة والحشد الشعبي بتدخلان في كل صغيرة وكبيرة في الجوانب الأمنية والاجتماعية والدينية، أشعر أن القوات الأميركية هي القوة الوحيدة التي يمكن أن تحمينا".

المزيد من العالم العربي