Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حزب الله" يترك لباسيل مهمة تأخير الحكومة بالنيابة عنه

الموفد الفرنسي لم يأخذ بانتقادات رئيس "التيار الوطني الحر" للحريري

رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل (غيتي)

بات الوسط السياسي اللبناني يتصرف على أساس أن لا حكومة في القريب المنظور، بحكم الانسداد في أفق التوافق بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف بتأليفها سعد الحريري، على خلفية تبني الأول مطالب صهره رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل بتسمية معظم الوزراء المسيحيين، والحصول على حقائب الطاقة والداخلية والعدل والدفاع، ورفضه بالتالي تسمية الحريري لهؤلاء الوزراء.

وعلى الرغم من الضغوط الفرنسية والدولية من أجل تسريع ولادة الحكومة، لأنها حجر الرحى في مسار مساعدة لبنان من قبل الهيئات المالية الدولية والدول الغربية والعربية، وفق مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن ترجيح تأخير التأليف هو السائد، إلى درجة أن سياسيين مطلعين على جهود تشكيلها يعتبرون أن كل ما سبق من محاولات لإنجاز تركيبتها كان أقرب إلى المناورات لعرقلة قيامها، سواء نتيجة حسابات داخلية تتعلق بالمحاصصة، أو نتيجة ظروف خارجية تتصل بحسابات "حزب الله" في شأن عدم التسليم بتقدم النفوذ الفرنسي في لبنان، لأنه سيكون على حساب تأثير الحزب، وبالتالي إيران، في القرار السياسي اللبناني.

الالتزام مناورة 

حتى تجديد الحزب، مثل سائر الفرقاء، خلال اللقاءات مع الموفد الرئاسي الفرنسي ومستشار ماكرون لشؤون الشرق الأوسط باتريك دوريل في 12 و13 نوفمبر (تشرين الثاني)، تأييد المبادرة الفرنسية وخريطة الطريق الإصلاحية التي يفترض أن تنفذها حكومة "المهمة" على مدى أشهر قليلة، جاء في إطار المناورة، وفق مصادر سياسية مواكبة. 

ولم تستبعد مصادر دبلوماسية فرنسية احتمال المناورة من قبل الفرقاء اللبنانيين الذين زار دوريل بيروت لسؤالهم عما إذا كانوا على تعهداتهم بتأييد خريطة الطريق الفرنسية، وتسريع ولادة الحكومة. وظهر ذلك من خلال قول المصادر الدبلوماسية الفرنسية إن دوريل حصل على التزامات من القوى السياسية كافة، لكنه ليس متفائلاً ولا متشائماً، بل هو ينتظر الأفعال أن تظهر على الأرض خلال الأيام المقبلة. 

وفي المقابل، أكد استمرار ماكرون بالتزامه إنقاذ لبنان من الأزمة التي يغرق فيها، بالدعوة إلى مؤتمر دولي لمساعدته على إعادة الإعمار، وتقديم الدعم الإنساني، فيما تتوقف الدعوة إلى المؤتمر الدولي لدعم الاقتصاد اللبناني على تشكيل حكومة تنفذ الإصلاحات.

"حزب الله" والحسابات الإقليمية مجدداً 

إلا أن الأوساط السياسية والنيابية المشككة بإمكان إزالة العقبات من أمام تأليف الحكومة ترد تشاؤمها إلى أسباب خارجية، لأن "حزب الله" ينظر إلى لبنان من زاوية تصاعد الضغوط الأميركية عليه عبر عقوبات واشنطن ضده أو ضد حلفائه، مثلما حصل لباسيل في 6 نوفمبر، ويتجنب إضعاف نفوذه عبر حكومة من المستقلين غير الحزبيين، في وقت يشترط الأميركيون عدم تمثيل الحزب في الحكومة، بينما يزداد قلق الأخير من أن تنفذ إدارة دونالد ترمب مع إسرائيل عملاً عسكرياً ما ضد إيران وضده في الفترة الفاصلة عن حسم فوز جو بايدن بشكل رسمي، وتبوئه الرئاسة في 20 يناير (كانون الثاني) المقبل.

فالأمين العام للحزب حسن نصرالله عبر عن هذا القلق، ودعا إلى الحذر والجهوزية إزاء احتمال كهذا في خطاب له في 11 نوفمبر. ومن الطبيعي أن يطمح إلى حكومة مطواعة في يده، وألا يفضل استمرار الفراغ الحكومي.

تعويض عن العقوبات

وأضيف إلى هذه الحسابات، أن العقوبات الأميركية على باسيل لتعاونه مع "حزب الله" واتهامه بالفساد، شكلت ضربة لدوره السياسي والفريق الرئاسي، في وقت يمر فيه عهد الرئيس عون بأصعب الظروف التي أضعفت موقفه بعد الانفجار الشعبي السنة الماضية، ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية المالية التي بقيت بلا معالجة. وازدادت النقمة على العهد الرئاسي إثر الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) الماضي، الذي حول العاصمة مدينة منكوبة تحتاج إلى المساعدات الدولية من أجل إعادة الإعمار.

وبات عون وباسيل يتمسكان بنفوذهما في السلطة وبتشكيل الحكومة وفق معايير الاحتفاظ بهذا النفوذ، لا سيما أن مشروعهما يقوم على توريث باسيل الرئاسة بعد انتهاء ولاية الأول في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، على الرغم من تعرضه لانتكاسة كبرى بسبب تركيز شعارات الانتفاضة الشعبية في أكتوبر 2019 على فساده وهدره المال العام، وفشله في تحقيق وعوده بإعادة التيار الكهربائي 24 على 24 ساعة، في سياق نقمة المتظاهرين ضد الطبقة السياسية برمتها.

يرد بعض الفرقاء ومنهم محيط الحريري العراقيل أمام ولادة الحكومة إلى شروط ومطالب باسيل، في حين تتهم أوساط سياسية أخرى الحزب بذلك، وتعتبر أن حلفه مع رئيس "التيار الوطني الحر" يخوله، بحسب التجارب السابقة، ممارسة الضغط عليه من أجل تسهيل ولادة الحكومة إذا كان فعلاً يريد ذلك، لكنه بات بعد تعرضه للعقوبات الأميركية يؤيد مطالبه التوزيرية ضمنياً كتعويض له عن معاقبته بسبب تحالفه معه، ويلوذ الحزب بالصمت طالما أن غيره يتولى وضع الشروط على قيام الحكومة بالنيابة عنه. 

إنقاذ باسيل

ومع أن الحريري سعى عند تكليفه تأليف الحكومة إلى إقناع رئيس الجمهورية بأن قيام حكومة برئاسته من غير الحزبيين، تطبق خريطة الطريق الفرنسية وتنقذ البلاد ومعها السنتين الباقيتين من عهده، فإن عون تمسك بأسلوبه السابق في الحكم، وبالاستئثار بالتمثيل المسيحي في الحكومة، تبعاً لممارسات صهره باسيل على قاعدة أنه الأقوى مسيحياً، واستناداً إلى تحالفه مع الفريق القوي بسلاحه، أي "حزب الله"، على الرغم مما سببه الأخير من عزلة عربية ودولية للبلد كأداة للتوسع الإيراني في المنطقة، بتغطية من الرئاسة و"التيار الوطني الحر". 

فالسنوات الأربع الماضية استنزفت رصيد عون والشعارات التي رفعها لجهة محاربة الفساد وقيام دولة المؤسسات، ووعده بتسليم البلد في نهاية ولايته أحسن مما كان، في وقت باعدت تحالفاته الإقليمية بينه وبين الدول العربية والغربية، وبات في غربة حتى عن قاعدته المسيحية، وفي حال خصام مع معظم الفرقاء السياسيين. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سعى عون في مناقشاته مع الحريري إلى الالتفاف على صيغة الحكومة التي التزم الثاني اعتمادها، وانقلب على اتفاقه مع الحريري بأن يطبقا الدستور في تشكيل الحكومة بحصر العملية بينهما بدلاً من الأسلوب السابق الذي كان يعتمد على استرضاء القوى السياسية والأخذ بمطالبها، التي كانت تؤخر قيام الحكومات أشهراً في كل مرة، فأصر على الحريري أن يأخذ برأي باسيل في وقت كانت الاتصالات بينهما منقطعة، بل هو انقلب على صيغة المستقلين وغير الحزبيين، التي كان جرى التفاهم عليها وفق مبادرة ماكرون الذي ألحّ على حكومة من أشخاص يتمتعون بالنزاهة والصدقية والكفاءة، على أن يكونوا قادرين على تنفيذ الإصلاحات الواردة في خريطة الطريق، ليستعيد لبنان ثقة المجتمع الدولي الذي وعد الرئيس الفرنسي بتجييشه في حال إنجاز الإصلاحات لتأمين الدعم المالي للبنان.

بدا للوسط السياسي اللبناني أن عون فضّل العمل على إنقاذ باسيل سياسياً بدل إنقاذ البلد من أزمته الاقتصادية. والانطباع الذي عاد به الموفد الرئاسي الفرنسي دوريل أن فرض الشروط من قبل رئيس "التيار الوطني الحر" يسهم بشكل رئيس في تأخير الحكومة. 

دوريل وباسيل 

وتفيد معلومات مصدر سياسي واكب زيارة دوريل أنه اضطر إلى مواجهة باسيل بوقائع اطلع عليها حين اتهم الأخير الحريري باستبعاد مشاركة الرئيس عون في تأليف الحكومة، وبأنه يأخذ بمطالب سائر الفرقاء التوزيرية من دون أن يأخذ بمطالبه، إذ أجابه دوريل بأن كلامه يناقض ما سمعه من شكاوى الفرقاء الآخرين بأن الحريري لا يتشاور معهم، استناداً إلى اتفاقه مع الرئيس عون على حصر تشكيل الحكومة بهما، وأن هؤلاء الفرقاء قالوا له إنهم يؤيدون قيام الحكومة بسرعة، على الرغم من عدم تواصل الحريري معهم. ودفعت هذه الوقائع إلى قول مصدر فرنسي في باريس لبعض وسائل الإعلام إن قيام حكومة بشروط "حزب الله" وباسيل خيار لن ينجح.

إلا أن حصيلة اختيار عون إنقاذ باسيل بدل إنقاذ البلد ستكون مزيداً من الانهيار الاقتصادي، (وصفه دوريل خلال محادثاته في بيروت بأنه العقوبة الذاتية التي يفرضها الفرقاء السياسيون على البلد)، بفعل تعطيل قيام الحكومة، ومزيداً من الإضعاف للعهد وباسيل، الذي تركزت الاتهامات ضده باعتباره العقبة الأساسية أمام الإفادة من المبادرة الفرنسية، خصوصاً أن الانقسام داخل قيادة تياره يتعمق أكثر، إذ تشير مصادر عدد من نوابه إلى تنامي الاعتراض على أسلوبه "التعطيلي" في التعامل مع المبادرة الفرنسية، وبالتالي في تأخير قيام الحكومة، الأمر الذي ينعكس تناقصاً في شعبية التيار في الوسط المسيحي. 

وتتوقع هذه المصادر أن يتفاعل الخلاف داخل الفريق العوني مستقبلاً، بعدما شكا بعض قادته لدى عون بأنه يترك لباسيل حرية الحركة في شكل يضر بالعهد والبلد.

اتهام واشنطن بالضغط على الحريري

في المقابل، ترد أوساط "حزب الله" وحلفائه تعطيل تأليف الحكومة إلى الموقف الأميركي، مستدلة على ذلك بالعقوبات. وتعزو هذه الأوساط إصرار الحريري على استبعاد إشراك "حزب الله" في تسمية الوزراء الشيعة، بأنه يخضع للضغط الأميركي والتهديد بمعاملة حكومته مثل حكومة حسان دياب المستقيلة، فالسفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا صرحت بأن الولايات المتحدة "ستستمر في الضغط على حزب الله" وأن "علاقة باسيل بحزب الله تشكل غطاء لسلاح الحزب في مقابل تغاضي حزب الله عن فساد باسيل". وهي أوحت بالموقف السلبي من حكومة يشكلها الحريري تأخذ بشروط الحزب، حين قالت إن واشنطن "لم تدعم حكومة حسان دياب لأن حزب الله هو الذي شكّلها، وسترصد ماذا سيكون عليه شكل الحكومة المقبلة لتحديد الموقف الأميركي".

وتستند بعض الأوساط إلى المعلومات عن أن المسؤولين الفرنسيين يشتركون في القلق من الدور الأميركي حيال تسهيل قيام الحكومة الجديدة. ويفترض هؤلاء أن هذا الأمر كان مدار بحث بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونظيره الفرنسي جان إيف لودريان والرئيس ماكرون خلال زيارة الأول للعاصمة الفرنسية في 16 نوفمبر، إذ قال المتحدث باسمه إنه ناقش مع لودريان "الحاجة إلى مكافحة العنف والتطرف، وركز على النفوذ الخبيث لحزب الله في لبنان، وعلى جهود أميركا من أجل قيام حكومة تحقق الإصلاح والاستقرار". فالمصادر الفرنسية تعتبر أن العقوبات الأميركية تؤدي إلى نتيجة معاكسة، فيما الخلاف واضح بين الدولتين حول العلاقة مع "حزب الله" الذي تحتفظ باريس بعلاقة حوار معه، خلافاً لسياسة واشنطن الضاغطة عليه، على الرغم من اتفاقهما على بنود المبادرة الفرنسية الإصلاحية. 

إلا أن هناك من يرى أن واشنطن تواصل التحذير من الأخذ بشروط الحزب الحكومية، نظراً إلى إشاعة أجواء في الإعلام اللبناني بأن الحريري قد يراعي بعض هذه المطالب، على الرغم من تأكيد تيار "المستقبل" ونوابه أن الرئيس المكلف متمسك بحكومة الاختصاصيين غير الحزبيين.

المزيد من تقارير