Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"استاند" عرض إيمائي سوري عن ثورة النمل وتمرد الدمى

ورشة مسرحية بإدارة محمد زكية تستعيد تقاليد فن البانتومايم ومفرداته

من مسرحية "استاند" الإيمائية في دمشق (اندبندنت عربية)

قلما قدمت العروض السورية مسرح "البانتومايم"، الذي يعتمد لغة المحاكاة والإيماءة لإيصال أفكاره وقصصه للجمهور. فعلى امتداد أكثر من نصف قرن يمكن ذكر أسماء لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، ممن عملوا في المسرح الصامت. لعل أشهرهم كان الفنان عمر حجو (1931-2015)، الذي باءت كل محاولاته لتأسيس مسرح للإيماء بالفشل. كان ذلك في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يتمكن الكاتب والمخرج رياض عصمت (1947-2020) من تأسيس "مركز إيماء دمشق" عام 1986، وتقديم أول عرض إيمائي احترافي من إخراجه وتمثيله، بعنوان "برج الحمام الأخير". بعده حقق الفنان عماد عطواني عرضه "أسود وأبيض" (1987) كأول عروض فرقة "إيماء" التي تأسست في المسرح القومي. وبدورهما قدم كل من زهير العُمر "غفوة" (2004) ورأفت الزاقوت "نشاز" (2006). آخر عرضين تابعهما الجمهور السوري لمسرح "الإيماء".

اليوم يعود هذا النوع من الأداء على يد الفنان محمد زكية مع عرض "استاند". التجربة التي أنتجتها مديرية المسارح والموسيقى، بدت محاولة طموحة لإعادة التفكير جدياً بمسرح إيمائي، ومغامرة لإحياء لحظة تلق شبه منقرضة عند أغلبية جمهور اعتاد متابعة العروض الناطقة. هكذا جاء "استاند" نتيجة لورشة عمل أدارها "زكية" على مدار شهرين مع ثمانية من المؤدين الهواة، خارجاً بنص من إخراجه، وتمثيل كل من مريانا حداد، وفيصل سعدون، ومادونا حنا، وعبير بيطار، وفراس سلوم، ووسام صبح، وحسام تكلة، وبثينة ياسين.

خلال أربعين دقيقة قدم هؤلاء جهداً طيباً، مستعيدين التقاليد والمفردات في مسرح البانتومايم عبر لوحات منفصلة. تنوعت بين الإيماء الحَرْفي والإيماء التجريدي. ففي البداية أتت لوحات "مُصلح المصباح الكهربائي" و"مطلوب موظف" و"فتاة الكازينو"، وركزت على الفكرة السعيدة المرحة عبر أداء (الصولو) الكوميدي، أو الأداء الثنائي (الدويتو). بينما في الإيماء التجريدي جاءت لوحات من قبيل "ثورة النمل" و" الإدمان على الإنترنت" و"تمرد الدمى".

أداء جماعي

تمحورت اللوحات حول تقنية الأداء الجماعي، وعملت على تكوين بؤرة للحركة، والاقتصاد في زمن "النمرات" التي حاكت إذعان الحشود وتمردها على السلطة والأيديولوجية، ومحاولة تحررها من الخيوط التي تحركها يدا لاعب الماريونيت السياسي والعقائدي والاجتماعي، فقد حاول زكية تمرير رسائل قوية عن رفض سيطرة الأفكار الرجعية والتسلطية على حرية الفرد والجماعة، والحق في أن يُنظر إلى الإنسان بعيداً من انتماءاته الضيقة، للخلاص إلى مجتمعات معافاة من أمراض التطرف والقمع وإلغاء الآخر.

القفازات البيضاء، والدهان الأبيض على الوجوه، وعيون المؤدين المطلية بالماسك (القناع) الأسود الضاحك أو الباكي. جميعها تجلت في عرض "استاند"، جنباً إلى جنب مع الأزياء البسيطة من سراويل وأفرولات وفساتين بسيطة. إذ وقع العبء الأكبر على مواهب المؤدين وخيالهم، وقد ساندتهم تقنيات الفنان بسام حميدي في توفير بيئة بصرية ملازمة لأحداث العرض، لا سيما الإضاءة الفوسفورية في اللوحة الافتتاحية، ومشاهد التاكسي والشارع ومحلات السهر وحقول الورد، واليد التي تحرك المؤدين بخيوط وهمية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على مستوى آخر استطاع مخرج "استاند" الإفادة من مدرستي البانتومايم الإيطالية والفرنسية، منسقاً بين تعاليم تشارلي شابلن (1889-1977) في الأولى، ومارسيل مارسو (1923-2007) في الثانية. المعلمان الكبيران اللذان كان لهما كبير الأثر في إرساء وتكريس نمطين عالميين من المايم سينمائياً ومسرحياً. لعل العرض السوري استوحى منهما خبرات أدائية متقدمة في السيطرة على الذاكرة الانفعالية للممثلين، وتطويعها لصالح توزيع الطاقة الفردية والجماعية. من هنا تمكن زكية من إنعاش تقنيات خفية لدى ممثليه، ودفعهم إلى اللعب الحر البريء، من غير الاستغناء عن العالم الداخلي للمؤدين، فقد رفع "استاند" سقف التوقعات لمزيج من فرجة معاصرة قوامها أكروبات مهرجي السيرك وبهلواناته، وذلك من دون التخلي عن مضمون فكري واضح ومتعدد في قراءاته، ومن غير الانجرار إلى الاستعراض الحركي المجاني، أو الاكتفاء بحذافير مسرح الإيماء، بل بالتعويل أكثر فأكثر على تكوينات جسدية متصاعدة ورشيقة.

تنويع إيقاعي

وتضمن العرض تنويعاً إيقاعياً لافتاً واكبته موسيقى حية (صممها أحمد حلاق)، كما زاوج بينها وبين مؤثرات صوتية، لطالما اعتمدت عليها هذه النوعية من العروض، كأصوات الأشياء والأشخاص والحوادث، والقفشات المضحكة. فعلى صعيد الحرفة كان واضحاً أن "ستاند" ركز على الحبكات البسيطة، والصراع الكاريكاتيري والإمتاع البصري. أما على صعيد التجريد فقد اتكأ العرض على الصور والرموز والشخصيات والأصوات الرمزية، موآلفاً بين عالمي الخشبة والشاشة. وصفة قد تكون ملائمة لجذب الجمهور، وجعله مشدوداً إلى فقرات المسرحية الصامتة، وذلك بغية تحقيق أكبر قدر من التواصل مع شرائح متعددة من المتفرجين في صالة ومسرح الحمراء الدمشقي.

من جهة أخرى تغلب العرض على صعوبات تقديم مسرحية إيحائية متكاملة، لعل أبرزها كان في جعل إيماءات الممثلين قادرة على التعبير عن الأشياء المتخيلة وحجمها، وذلك عبر حركات اليدين والذراعين، وبدرجة أقل بالقدمين والساقين. يحتاج المؤدي في هذا النوع من العروض إلى مشاعر ميكروسكوبية (مجهرية) للإيحاء بالحجم والوزن ودرجة حرارة الأشياء، إضافةً إلى استنفار الخيال للإيحاء بالمساحة والارتفاع والحركة. دون أن يتخلى المؤدي عن التشويق والتلقائية في الانتقال من حركة إلى حركة، ومن شخصية إلى أخرى.

شجاعة الخيار الفني في "استاند" جعلت المؤدين والمؤديات يواجهون أحد مصيرين على الخشبة، فإما نجاح منقطع النظير، أو إخفاق مؤلم في المحاكاة والتجسيد. فخلافاً للمسرحية الدرامية التي يخفي ممثلوها أنفسهم خلف الحوارات المطولة والأزياء والديكور الضخم، ويحتمل أداؤهم المناقشة والتأويل في نجاحهم من عدمه، تتفرد مسرحيات البانتومايم برد فعل مباشر ولحظوي عن كل مشية و خطوة وإشارة يقوم بها المؤدون على المسرح. هذا ما يجعل البنية الإيمائية بنية حساسة وصعبة، تمكن ممثلو "استاند" من نقلها بعفوية أوضحت الصدق الفني لتجربتهم، وأعادت من جديد التفكير بالمسرح الصامت كأداة تعبير استثنائية.

واحتل عرض "استاند" مكاناً وسطاً بين الرقص والتمثيل، محاولاً التوفيق بين مناخين على الخشبة، حاله في ذلك حال شتى عروض المايم. لكن في المقترح السوري نجد هنات الاقتباس من لوحات مشهورة، مع تطعيمها بأجواء محلية، ربما كمحاولة لاجتراح خصوصية فنية، أو بصمة إبداعية ظلت عصية على صُناع العرض، لما يتطلب هذا الأمر من مراكمة في التجارب، واعتراف بالمسرح الإيمائي كضرورة في الريبرتوار الوطني المعاصر.

المزيد من ثقافة