Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الفستان الأحمر" يروي قصة اللاجئات والمعنفات حول العالم

نفذته فنانة بريطانية واستغرق 10 سنوات في 28 دولة وطرز بأنامل 202 سيدة

الثقافة العربية كان لها حضور قوي في الفستان الأحمر ( صفحة الفستان الأحمر على فيسبوك، الصور خاضعة لحقوق الملكية الفكرية)

في واحدة من المبادرات التي تسعى إلى التقارب بين الثقافات ومد جسور التواصل بين الشعوب يأتي مشروع "الفستان الأحمر"، الذي نفذته فنانة بريطانية على مدار عقد كامل من الزمن جابت خلاله العالم للحصول على قطع القماش الأحمر لتعود محملة بقصص وثقافات متنوعة حيكت بأنامل النساء ليشكل الفستان في النهاية بعد اكتماله هذا العام معزوفة فنية يعزفها العالم أجمع تخلق حواراً فنياً بين الثقافات، وتزيل الحدود بين الدول بمزج مفرداتها الثقافية في تناغم على الفستان.

ليس فقط حب التطريز هو ما دفع الفنانة البريطانية كريستي ماكليود إلى تبني فكرة "الفستان الأحمر"، ولكن رغبتها في منح النساء، خصوصاً المهمشات اللاتي يواجهن ظروفاً صعبة، صوتاً يسمعه العالم وفرصة للتعبير عن أنفسهن من خلال الخيوط والإبرة اللتين أبدعن بهما حكايات مستوحاة من حياتهن والبيئة التي يعشن فيها، فبحسب تعبيرها، فقد رغبت أن يمثل هذا الفستان منصة للنساء من كل أنحاء العالم للتعبير عن أنفسهن، فشاركن في تطريز الفستان ناجيات من الحرب الأهلية في كوسوفو ورواندا، ولاجئات فلسطينيات، ومتعافيات من العنف، ونساء فقيرات شكل الأجر الذي حصلن عليه مقابل التطريز محاولة للتحسين من وضعهن.

جاب الفستان القارات في رحلة العشر سنوات فمن جنوب شرقي آسيا إلى قلب أفريقيا، ومن أميركا اللاتينية إلى دول عربية، ومن أوروبا إلى أستراليا، طُرز الفستان في 28 دولة تمثل الثقافات المختلفة للعالم بأيدي 202 سيدة، وعرض في عدة معارض فنية حول العالم منها معارض في "باريس، ولندن، والمكسيك، ودبي".

 

 

البداية

استمرت رحلة الفستان حول العالم على مدار عشر سنوات ليعود في النهاية محملاً بتجربة فنية ثرية وبقصص وحكايات لنساء من بلدان مختلفة فرقتهن اللغة والثقافات وجمعهن حب التطريز، تقول الفنانة كريستي ماكليود "تنقلت وأنا طفلة بين بلدان مختلفة وعشت بين ثقافات متناقضة شكلت جزءاً من تكويني وشخصيتي، وجعلتني أتساءل كيف سيكون شكل قطعة فنية يشترك فيها كل ثقافات العالم وتتنقل بين البلدان لتعكس هويات وثقافات متنوعة. ومن هنا جاءت الفكرة، ولم أجد أفضل من النساء ليعبرن عن ثقافات الشعوب؛ أردت أن يقول الفستان للعالم: إننا جميعاً واحد، ويمكن أن يكون لنا صوت مشترك على الرغم من أنه لا تزال هناك حدود، ولا يزال التحيز والتمييز سائدين على مستويات عدة في كل أنحاء العالم".

تضيف "في النهاية كل البشر لديهم الاحتياجات الأساسية والرغبات والغرائز ذاتها، كما تجمعنا الحاجة لأن نشعر بالحب والأمان، وأن يُستمع إلينا، ومع انتهاء الفستان شعرت بأني نجحت في ذلك، وأنه يمثلني، ويعكس جزءاً من تكويني الذي يجمع بين ثقافات متنوعة".

 

 

تناغم بين الثقافات

ليست مجرد وحدات زخرفية وخيوط متشابكة، ولكن كل منها يحمل قصة ويمثل جزءاً من العالم، فوحدات الزهور الهندية التي تناغمت مع الطيور الزاهية الألوان التي طرزتها نساء كمبوديا، لتدمج مع وحدات زخرفية نفذتها أفريقيات، وزهور بخيوط مذهبة طرزت بأنامل نساء فرنسيات، كلها في النهاية أصبحت وحدة واحدة وكأنها لغة عالمية يتحدثها الجميع، فكيف أمكن دمج كل ذلك في وحدة واحدة ليظهر بهذا التناغم، تشير ماكليود، إلى أن هناك خيوطاً مشتركة بين المشاركات على الرغم من اختلاف خبراتهن وظروفهن، فبعضهن يعشن في فقر أو يتعافين من آثار الحرب والانتهاكات، بينما أخريات يواجهن أجيالاً من القمع وعدم المساواة، فالنساء المشاركات لم يجمعهن حب التطريز فحسب، ولكنهن على المستوى الأساسي لديهن الاحتياجات والرغبات ذاتها، فهن يعبرن عن قصصهن كأمهات وزوجات وبنات وزميلات وأصدقاء يخضن تحديات الحياة.

تضيف، "لم يكن هناك حدود للإبداع أو توجيهات تفرض عليهن، الخط العريض الوحيد الذي كان مطلوباً منهن هو أن يخلقوا شيئاً يحمل جزءاً من هويتهن سواء الثقافية أو الشخصية، فالبعض ابتكر قطعاً فنية تروي أجزاء شخصية من ماضيهن، والأخريات اعتمدن على التصميمات الزخرفية، بينما اعتمدت أخريات على نمط معين من التطريز تم توارثه لمئات السنين في عائلاتهن أو قريتهن أو بلدهن، والنتيجة كانت مذهلة؛ فبعض النساء أذهلتني مهاراتهن، الفنية والآخر اختياراتهن للألوان والتصميمات. كنت في حالة من الذهول بسبب قدرتهن على سرد قصة من خلال التصميم".

 

 

بدو سيناء

حضور قوي للثقافة الشرقية في الفستان، فمنذ آلاف السنين شكل التطريز أحد أهم الفنون التراثية الشعبية في العالم العربي وأكثرها تفرداً بما يحمله من وحدات زخرفية تعكس هوية ثقافية متميزة، وفي مصر تم تطريز الجزء الأكبر من الفستان بواسطة نساء قبيلة "الجبالية"، التي تسكن عند سفح جبل سانت كاترين منذ مئات السنين، ويعرف عنها رعايتها للدير في مظهر من مظاهر التسامح والتعايش، كما يميزها نمط خاص من التطريز يعود لمئات السنين، ولا يزال قائماً ومتوارثاً حتى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول ماكليود عن رحلتها إلى بدو سيناء، "تمكنت من زيارة سيناء مع الفستان بالكامل قضيت الوقت مع النساء البدويات المشاركات في التطريز من قبيلة "الجبالية" بمنطقة سانت كاترين نرتشف الشاي بالنعناع ونتحدث عن التطريز والأمومة وعن عملهن، الذي لا يقدر بثمن. وفي الخلفية جبال سيناء التي كانت مبهرة، فحقيقة رحلتي إلى مصر كانت مذهلة، ومن أجمل ما فيها مقابلة سليمة الجبالي التي تدير مؤسسة اجتماعية تحمل اسم "فنسينا"، التي تعني "فن سيناء"، وقامت النساء هناك بتطريز أكبر جزء من الفستان".

تضيف، "تدعم المؤسسة النساء الفقيرات من خلال الحرف اليدوية المطرزة الجميلة التي تباع الآن في جميع أنحاء العالم، وقد عملت في تطريز الفستان 20 سيدة لمدة شهر كامل، وأبدعن تصميمات مستوحاة من النباتات التي تنمو عند سفح الجبل في بيئتهن المحيطة، وتهدف المؤسسة إلى تمكين النساء من خلال حصولهن على دخل خاص وإلى دفعهن نحو الشعور بالاستقلالية والأمن، إضافة إلى تقديم الدعم وزيادة الشعور بالانتماء لمجتمعهن الصغير".

 

 

الثقافة العربية حاضرة بقوة

تتنوع مفردات التطريز باختلاف البلدان العربية، ولكنها تشترك في أنها تعكس موروثاً شعبياً في غاية الثراء كان له حضور قوي وسط ثقافات العالم المختلفة على الفستان، فكانت هناك مشاركة متميزة من السعودية، ووجدت الموتيفات الفلسطينية الشهيرة المتوارثة منذ أجيال.

تذكر الفنانة البريطانية، "لم أتمكن من الذهاب إلى كل البلدان المشاركة في الفستان، فأحياناً كنت أرسل القماش الأحمر إلى الجهة التي ستتولى التطريز، وهو ما حدث بالفعل في حالة السعودية ليصلني بعدها طرد ثقيل يحتوي على قماش مزخرف مرصع بالجواهر بشكل رائع لا يشبه أي شيء رأيته في حياتي، وطُرز في جدة بواسطة مشغل سيدة سعودية اسمها ميساء، متخصصة في صناعة وتطريز الثوب التقليدي والعباية، وميساء سعودية الجنسية نشأت بالقاهرة، ودرست الطب وتخصصت في جراحة التجميل، ولكنها اختارت مجال الأزياء بعد ذلك لرغبتها في قضاء وقت أطول مع أسرتها وأطفالها لتحول الطابق السفلي من منزلها إلى مشغل".

تضيف، "تطريز ميساء مستوحى من الفساتين البدوية المطرزة التي تُرتدى في الاحتفال الذي يسبق يوم الزفاف ويسمى "غمرة"، وتكون مطرزة بخيوط من الذهب والفضة، وهناك إضافة عربية أخرى قامت بها نساء من اللاجئات الفلسطينيات في لبنان؛ فبعد أكثر من 50 سنة من بدء تدفق اللاجئين إلى لبنان لا يزال التطريز يلعب دوراً مهماً في التواصل، وفهم المزيد من ماضيهم. وبالفعل نفذت فلسطينيات جزءاً من الفستان ليصل صوتهن إلى العالم من خلال الزخارف التقليدية تحت إشراف برنامج البادية، وهو برنامج لجمعية النجدة يمكن اللاجئات الفلسطينيات من كسب دخل صغير من خلال خياطة التطريز التقليدي".

 

 

خطط مستقبلية

بعد انتهاء رحلة الفستان في 28 دولة استغرقت عقداً كاملاً من الزمان، وتحوله بالفعل إلى منصة لعرض ثقافات العالم بأنامل النساء وحصول المشروع على الإشادة والتقدير من الجميع فنياً وإنسانياً في كل بلد ارتحل إليها كقطعة صغيرة صماء من القماش تتحول إلى لوحة فنية إنسانية تحكي قصة، وتقدم دعماً مالياً ومعنوياً لسيدة تواجه ظرفاً صعباً، وحصول المشروع على الجائزة الأولى في ملتقى  Premio Valcellina للمنسوجات في مانياغو بإيطاليا، فماذا ستكون الخطة المستقبلية؟

تشير ماكليود "تلقيت قدراً هائلاً من العروض من المعارض، والمتاحف، والمساحات الفنية بجميع أنحاء العالم لديها الرغبة في عرض الفستان، والأمر الآن متعلق بتأمين التمويل لجعل كل ذلك ممكناً، إضافة إلى تحسن الأحوال بسبب ظروف فيروس كورونا؛ حيث دُعم العام الأول من قبل المجلس الثقافي البريطاني، وكان هناك أيضاً متبرعون شاركوا في دعم الفكرة، بخاصة في مصر والسعودية، بخلاف ذلك كان المشروع ممولاً ذاتياً، وقد عملت عليه جنباً إلى جنب مع عملي كفنانة، ومدربة يوغا وكذلك أم لطفلين".

توضح، أنه "جارٍ العمل على إعداد فيلم وثائقي يحكي رحلة الفستان في البلدان المختلفة وقصص النساء المشاركات في التطريز وتوصيلها للعالم، فهذا هو الهدف الرئيس الذي يسعى إليه المشروع، وهو أن أنقل قصص النساء للعالم وأخلق شيئاً يجمع ولا يفرق من خلال الفن وأنامل النساء".

المزيد من منوعات