Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مركز بول كلي" لرنزو بيانو: فنون عربية وسط الطبيعة السويسرية

مجمع ثقافي متعدد الفنون وملتصق بالبيئة ونورها الساطع

مشهد عام لمركز بول كيلي في بيرن (غيتي)

ربما يكون "مركز بول كلي" في مدينة بيرن السويسرية أضخم وأحدث متحف فني يخصص لفنان واحد في أوروبا. وهو بالتأكيد واحد من الأعمال العمرانية الأساسية التي أنجزها المعماري الإيطالي رنزو بيانو الذي تضم لائحة أعماله "مركز جورج بومبيدو" في باريس و"مبنى صحيفة نيويورك تايمز" في الحاضرة الأميركية الكبرى. وهذا المتحف يعتبر منذ إنجازه قبل سنوات قليلة، واحداً من المعالم العمرانية الأساسية في العاصمة السويسرية الفيدرالية، تلك المدينة التي ولد بول كلي نفسه في إحدى ضواحيها حتى وإن كان كثر في العالم يعتقدون أنه ألماني لأسباب ستتضح بعد سطور.

ألوان دافئة وخطوط حميمة

والحال أنه إذا كان قد أثر عن الكاتب الإنجليزي غراهام غرين قوله إن "الديكتاتوريات والحكم الشمولي كانت وراء إعطاء العالم بعض أعظم الإبداعات، أما ديمقراطية سويسرا التي لا تزال مستمرة منذ ثلاثة قرون فإنها لم تستطع أن تنتج سوى ساعة الكوكو"، فإن هذا القول غير صحيح، بل ربما يكفي بول كلي وحده لتكذيبه هو الذي لم تمنعه سويسريته من أن يكون دافئ الألوان حميم الخطوط في لوحاته، ومن أن يبدع رسوماً يمت بعضها إلى التراث العربي/ الإسلامي بصلات أكيدة لم تلدها الصدفة على أي حال، بل كانت وليدة دراسة معمقة وزيارات لبلدان إسلامية وانبهار بالزخارف التي شاهدها كلي فيها.

والحقيقة أن زيارة معمقة للمركز المخصص لكلي اليوم في بيرن بالقطع المعروضة فيه والبالغ عددها أربعة آلاف قطعة بين لوحة ورسمة ومنحوتة ووثيقة ودمية ومخطوطات في شتى الفنون بينها ما يمت إلى الموسيقى بصلة، من شأنها أن تؤكد هذا الواقع مع أنها لا تشكل سوى أربعين في المئة من مجموع تراث كلي البالغ عشرة آلاف قطعة والموزع على شتى متاحف العالم. زيارة من هذا النوع تكفي لإعطاء فكرة أولية عن ذلك الفنان الذي نهل من كل الفنون والعلوم واحتك بعدد كبير من الحضارات بينها الحضارة العربية التي التقاها في شمال أفريقيا وطبعت أعماله حتى النهاية سواء ما ارتبط منها بالمناظر الطبيعية أو بالفنون الحروفية.

تلال وشمس وطبيعة

هذا كله من الواضح أن رنزو بيانو قد أخذه بعين الاعتبار خلال تشييده هذا المبنى الفريد. المبنى الذي يحيط بعدد كبير من جوانب نشاط كلي وإبداعاته، وليس فقط مما هو معروض ويتبدل عرضه بين الحين والآخر مداورة، بل أكثر من هذا من السمة التي يتخذها المبنى نفسه.

فالمبنى مقام في منطقة تعلمها ثلاثة تلال ضخمة ومخضرة عند طرف مشمس من أطراف مدينة بيرن. ولقد صممه بيانو أصلاً على شاكلة تلك التلال الثلاثة المتموجة في تلاصقها ولكن أيضاً في انفتاحها الدائم على الشمس والمحيط الطبيعي بألوانه الخلابة. والحقيقة أن حكاية هذا المتحف الذي يمكن اعتباره أوسع كثيراً من مجرد أروقة تعرض أعمالاً لكلي، بدأت في عام 1990 حين توفي فليكس ابن الرسام الوحيد فقرر الحفيد الكسندر أن يوافق على مشروع كان يراوح منذ فترة يستهدف إقامة مركز ثقافي ضخم في بيرن يعكس تطلعات بول كلي الفنية والفلسفية والحرفية والعلمية والموسيقية في تنوعها المدهش. وفي عام 1997 تعلن أرملة فليكس تقديمها جزءاً كبيراً من تركة بول الفنية لسلطات كانتون بيرن ليضيف الكسندر نحو 700 قطعة من عنده على سبيل الإعارة المستدامة. وهنا وبالتواكب مع إعلان مؤسسة بول كلي التي كانت مستقرة في متحف الفنون الجميلة في المدينة، استعدادها لنقل ما تملك من أرشيفات الرسام، تدخل طبيب ثري من المدينة هو إريك موللر وزوجته ليعلنا تبرعهما بثمن الأرض وتكاليف البناء شرط أن يصمم المشروع رنزو بيانو، ويقام المركز في منطقة كان بول كلي يقيم فيها آخر سنواته. وهكذا ولد هذا المركز الذي يعتبر اليوم فريداً من نوعه بتوزع قاعاته بين صالات العرض والمتاحف المؤقتة ومتحف للصغار وحديقة هي متحف للمنحوتات ناهيك عن قاعات المحاضرات وقاعة للموسيقى، ونحن نعرف أهمية الموسيقى في عمل كلي.... وكل هذا تحت نور طبيعي شامل يضفي على فرادة المركز فرادة تذكر بما فعله الفنان يوماً حين قصد الشمال الأفريقي بحثاً عن النور واللون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ابن المدينة يعود إليها

بول كلي، الذي توفي في يونيو (حزيران) 1940، ولد في ضاحية قرب مدينة بيرن قبل ذلك بواحد وستين سنة، ودرس في ميونيخ حيث استقر لفترة طويلة من حياته جعلت كثيرين ينظرون إليه باعتباره ألمانياً. بين 1908 و1910 اكتشف كلي أعمال سيزان وفان غوغ وماتيس، قبل أن يكتشف لوحات جماعة «الفارس الأزرق» ولا سيما أعمال كاندنسكي وفرانز مارك.

في 1913 توجه إلى باريس ومنها إلى تونس التي شكلت مرحلة أساسية في مساره، والتي بعد أن رسم فيها العديد من لوحاته ذات الألوان الشمسية الحارة والخطوط الزخرفية المستقاة مباشرة من المنابع العربية، والمواضيع التجريدية، قال إنه شعر بعد أن أقام فيها ردحاً من الزمن بأن تكوينه الفني قد اكتمل. ومنذ ذلك الحين لم تكف أعماله عن التراوح بين حساسية التجريدية الموسيقية، وتكرارية أنماط الرقش الإسلامي.

في عام 1920 عاد كلي إلى المانيا ليصبح أستاذاً في مدرسة «البوهاوس». وبعد ذلك بعقد من السنين بدأ يدرس في أكاديمية الفنون الجميلة في دوسلدورف، قبل أن يغادر ألمانيا هرباً من النازيين في عام 1933 ويستقر في سويسرا، حيث كرس كل وقته لفنه وللتعمق أكثر وأكثر في تاريخ الفنون، واستمر على تلك الحال حتى آخر سنوات حياته. إذا شئنا أن نختصر مسيرة بول كلي الفنية، قلنا إنه فنان عصي على التصنيف، إذ إن لوحاته تنتمي في الوقت نفسه إلى الفن التجريدي وإلى التيار السوريالي، كما أنها تمت بقرابة أكيدة إلى الفن التعبيري، كما ساد في ألمانيا خاصة عند العقود الأولى من هذا القرن، حتى وإن كان الموضوع قد غاب كلياً عن أعماله، علماً أن الموضوع يشكل أساس الفن التعبيري. من هنا ما يصل إليه معظم باحثي فن بول كلي من الاستنتاج بأنه ليس في نهاية الأمر سوى شاعر عبر بالألوان عن توقه إلى الحياة هو الذي كان يعتبر نفسه واقفاً على الدوام خارج الحياة.

تحرير الفن من ربقة الكلاسيكية

مهما يكن، فإن بول كلي يعتبر، كما هي حال كاندنسكي، الفنان الذي حرر الفن الحديث، بصورة نهائية، من ربقة الكلاسيكية. فإذا كان فنانون مثل "بيكاسو، وماتيس، وبراك" قد قتلوا الكلاسيكية قتلاً أوديبياً وعاشوا فنهم وحياتهم يحاولون انتزاع أأنفسهم منها ومن عقدة الذنب التي ولدها لديهم قتلهم لها، فإن كلي- وكاندنسكي إلى حد كبير- كانا الفنانان اللذان وضعا الكلاسيكية وراءهما بصورة نهائية وانطلقا في مغامرة حرة جديدة للفن الحديث. مغامرة عبر عنها كلي بقوله في مذكراته "إن الفن لا يزال بإمكانه أن يعيش بدايات بدائية، توجد في شطحات القبائل كما في رسوم الأطفال الصغار التي تزين غرف نومهم. إن لدى الأطفال هذه القوة والسلطة، وهم قادرون على تعليمنا دروس الحكمة والبراءة في كل لحظة. وهم كلما كانوا أكثر جهداً، كانوا أكثر قدرة على أن ينقلوا إلينا الأمثلة الغنية بالدروس، ونحن يتعين علينا أن نبقيهم بعيدين عن الفساد(!). إن الفن، انطلاقاً من هنا، لا يتعين عليه أن يعيد إنتاج ما هو مرئي، بل أن يجعل الأشياء مرئية".

لم يكن مرور بول كلي في تاريخ الفن حدثاً عادياً، بل كان بداية تحرر الفن من القيود التي كانت تكبله. وبالنسبة إلينا نحن العرب، كان بداية اندماج فنوننا العربية/ الإسلامية في مسار الفن، ليس كمادة للانبهار الاستشراقي بل كدرس في اللغة البصرية.

المزيد من ثقافة