Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأسد حاول مقايضة عودة النازحين برفع العقوبات فازدادت

موسكو تريد تجنب إضعاف ورقة رئيس النظام السوري إذا انهار اقتصاد دمشق قبل التفاوض مع واشنطن

الأسد يلقي كلمة عبر الفيديو في افتتاح مؤتمر اللاجئين السوريين (أ ف ب)

بدا رئيس النظام السوري بشار الأسد يتجاهل الأسباب الحقيقية لتهجير السوريين من بلدهم في كلمته خلال مؤتمر عودة النازحين إلى سوريا في دمشق الأربعاء 11 نوفمبر (تشرين الثاني)، حين قال إن "قضية اللاجئين في سوريا مفتعلة"، مستنداً إلى أن "تاريخ البلاد يخلو من هجرة جماعية".

وتحول المؤتمر الذي رعته موسكو وحضره ممثلو عدد قليل من الدول، إلى منصة روسية تهدف إلى تعويم رئيس النظام السوري لتكريس حضوره في أي حل سياسي تسعى إليه بهدف استثمار تدخلها العسكري منذ 30 سبتمبر (أيلول) عام 2015، من دون أن تفلح في ترجمة التفوق الذي أمنته للنظام ضد معارضيه، إلى تكريسه في اتفاقات سياسية، لغياب أي تفاهم مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. 

ورمى ممثل الرئيس الروسي في المؤتمر ألكسندر لافرينتييف مسؤولية إعادة إعمار سوريا على الدول الغربية حين قال في الافتتاح، إن حل هذه المشكلة يستوجب توفير الظروف المعيشية الكريمة لملايين السوريين، ما يحتاج إلى المشاركة الفعالة من قبل المجتمع الدولي بأكمله، في وقت تشترط الدول الغربية خطوات جدية من قبل النظام السوري لتنفيذ الحل السياسي وفق قرار مجلس الأمن رقم 2254 الصادر عام 2012. فالقيادة الروسية تسعى إلى إنقاذ النظام من الانهيار الاقتصادي الذي تعانيه سوريا بقسوة قل نظيرها، عن طريق استدراج أموال إلى السوق السوري تحت شعار إعادة الإعمار بحجة مساعدة الدول التي تستضيف ملايين السوريين النازحين على التخلص من العبء الاقتصادي عليها بفعل هذه الاستضافة، وحتى لا يحرق التدهور المالي والاقتصادي ورقة حكم الأسد قبل ولوج الحل السياسي الذي تسعى جاهدة إليه. ولذلك امتدح لافرنتييف في كلمته أمام المؤتمر "بدء العمل على إعادة إعمار المناطق السورية التي حُررت من التنظيمات الإرهابية". إلا أن المعارضة السورية اعتبرت أن تعويم الأسد من خلال المؤتمر مستحيلة وغير مقبولة من الشعب السوري.

ولأن أحد أهداف المؤتمر دعم اقتصاد سوريا المتهالك في وقت تمتنع الدول الغربية والعربية عن مساعدته مشترطة ولوج الحل السياسي للأزمة، تجاوز الأسد ما سببته عملياته العسكرية من قتل ودمار واستخدام السلاح الكيماوي، الذي تحضر كل من "بريطانيا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأميركية" ملفات بحقه تتهمه بارتكاب مجازر ضد الإنسانية، حين رد استمرار التهجير في سوريا إلى "دول أخرى في الغرب وفي المنطقة باستغلال اللاجئين أبشع استغلال من خلال تحويل قضيتهم الإنسانية إلى ورقة سياسية للمساومة".

وفي وقت كانت ممارسات النظام السوري ضد المدنيين، سبباً للنزوح إضافة إلى المخاطر الأمنية جراء المعارك على مدى 9 سنوات، فامتلأت سجونه بالمعتقلين الذين امتنع عن الإفراج عنهم على الرغم من أوضاعهم المأساوية، فإن الأسد لم يجد حرجاً في القول في افتتاح مؤتمر دمشق إن "الضغوط التي يتعرض لها اللاجئون السوريون في الخارج لمنعهم من العودة، وإن العقوبات الاقتصادية اللاشرعية والحصار المفروض من قبل النظام الأميركي وحلفائه تعيق جهود مؤسسات الدولة السورية". فالعقوبات فرضت عليه من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة (عبر قانون قيصر الشهير) تحديداً بسبب ممارساته حيال مواطنيه. والسجون السورية امتلأت بالمعتقلين الذين امتنع عن الإفراج عنهم على الرغم من أوضاعهم المأساوية، في كل مرة كان يُطلب منه ذلك من قبل الأمم المتحدة وسائر الدول، خلال جولات التفاوض السابقة التي انعقدت في جنيف من دون نتيجة.

المقاطعة الغربية والعربية

وبينما أعلن معاون وزير الخارجية السوري أيمن سوسان أن 27 دولة و12 منظمة دولية شاركت في المؤتمر، فإن حقيقة الأمر أن الأمم المتحدة حضرت كمراقب، وأن بعض الدول التي حافظت على علاقتها بالنظام السوري وأبقت بعثاتها الدبلوماسية شاركت عبر دبلوماسييها، في وقت بدا واضحاً أن الدول التي رفعت مستوى التمثيل إلى مستوى وزاري أو إلى موفدين دبلوماسيين، تعد على أصابع اليد، نتيجة تموضعها السياسي. فإضافة إلى الثقل الروسي في حضور المؤتمر، شاركت "إيران، فنزويلا، والعراق" بحكم علاقة الدول الثلاث مع طهران حليفة الأسد، بينما شارك لبنان والأردن بحكم وجود أعداد هائلة من النازحين على أراضيهما، لا سيما أن الأردن يراقب عن كثب حركة النازحين في الجنوب السوري المحاذي لحدوده ومدى تغلغل "داعش" في صفوفهم من جهة، ومدى تقدم الميليشيات الموالية لإيران في مناطق درعا المقلق لعمان. أما حضور لبنان، فله خلفية أخرى إذ أخذت طابعاً سياسياً بحكم نفوذ "حزب الله" وعلاقتها بالرئيس اللبناني ميشال عون وضغوط الحزب التي لم تتوقف من أجل الانفتاح على الأسد، وسط خلاف داخلي كبير حول هذا الخيار. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إصرار واشنطن على الانتقال السياسي

دولة الإمارات العربية المتحدة شاركت بحكم عودة سفارتها إلى دمشق، في سياق سياسة تهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني في بلاد الشام. أما الدول العربية الفاعلة الأخرى، وخصوصاً السعودية ومصر، فقاطعت المؤتمر. 

منذ أن سعت موسكو إلى عقد المؤتمر الشهر الماضي، ووجهت الخارجية السورية رسائل إلى السوريين في الخارج لحضوره، أبلغت واشنطن الجانب الروسي رفضها حضوره. وكانت إحدى حججها أن عقده في دمشق برئاسة النظام السوري مستحيل ما دام موقفه في عرقلته الحل السياسي مستمراً، الذي يبدأ بالانتقال السياسي وفق قرار مجلس الأمن، في وقت يواصل العنف ضد السوريين. وكذلك فعل الاتحاد الأوروبي الذي قال وزير خارجيته جوزيف بوريل إن "هذا المؤتمر سابق لأوانه لأن العودة يجب أن تكون بما يتماشى مع معايير عودة النازحين". وأضاف أن "الظروف الحالية في سوريا ليست مواتية للعودة الطوعية والآمنة بكرامة على نطاق واسع"، مشيراً إلى "العوائق والتهديدات التي ستواجه اللاجئين السوريين الراغبين في العودة حالياً، والتي كشفتها عمليات العودة المحدودة التي حدثت، أخيراً".

حاولت موسكو اقتراح مكان آخر لانعقاد المؤتمر بناء على الحجة الأميركية، وتردد أن من بين العواصم الممكنة مدينة أستانا في كازاخستان. كما أنها جست النبض خلال زيارة وفد روسي رفيع برئاسة لافنتييف وعضوية دبلوماسيين وعسكريين معنيين بالأزمة السورية إلى بيروت آخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إمكان عقد المؤتمر في بيروت، لكن هذه الفكرة كانت متعذرة التطبيق لأن الجانبين السوري واللبناني لم يتحمسا لها. لكن الكرملين أصر على عقد المؤتمر على الرغم من مقاطعته من دول فاعلة لأسباب عدة. فإن الامتناع الأميركي ومعه الأوروبي والعربي عن الاستجابة كان عائداً فعلياً إلى رفض إكساب الأسد الشرعية الدولية في حال حضور هذه الدول.

تجاهل واشنطن ورقة موسكو

فموسكو أرادت المؤتمر للدلالة على استمرار إمساكها بالورقة السورية، في ظل استمرار تجاهل واشنطن دعواتها إلى الانفتاح على النظام والتفاوض على الحل السياسي. وهي ضغطت قبل أشهر على الأسد كي يخفف العقوبات عن العائدين من الشباب السوري النازح لتخلفهم عن الخدمة العسكرية الإلزامية عبر إصدار قانون بإعفاء المتخلفين مدة سنة قبل تسوية أوضاعهم، وطالبته بتسهيل حصول بعض النازحين على أوراق ثبوتية للولادات خارج الأراضي السورية، وبتقديم المساعدات لهؤلاء عند العودة بدلاً من حصرها للمناطق والفئات الموالية له، خصوصاً أن سوريا تتلقى مساعدات كثيرة من منظمات الأمم المتحدة الموكلة بذلك. وأقرت القيادة الروسية، منذ إطلاقها مبادرتها لإعادة النازحين في عام 2018 ، بأن العائق أمام ذلك يكمن في بناء ما تهدم في مناطقهم، خصوصاً أن البنية التحتية فيها مدمرة بالكامل ولا تتيح لهم البقاء. وأملت موسكو ومعها الأسد بأن يكون الاهتمام الغربي بعودة هؤلاء النازحين إلى بلادهم حافزاً من أجل تقديم الدعم المادي لإعادة الإعمار. 

كما أن الجانب الروسي يتخوف من عودة التطرف إلى أوساط السوريين النازحين داخل بلادهم وانتعاش "داعش" و"هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقاً) باستقطاب الشباب العاطل عن العمل في المخيمات. وهو ما جعل قائد المركز الوطني لإدارة الدفاع بوزارة الدفاع الروسية ميخائيل ميزينتسيف في كلمة خلال المؤتمر يقول "لا بد من ضمان تفكيك جميع المخيمات للنازحين داخلياً، التي تمثل مصدراً للموارد البشرية بالنسبة للتشكيلات المسلحة غير الشرعية". ولفتت دعوة المسؤول العسكري إلى "وقف سياسة العقوبات المتبعة إزاء سوريا، وفك تجميد حساباتها المصرفية". 

مقايضة عودة النازحين برفع العقوبات

إلا أن الأسد ينطلق من هاجس آخر في التعاطي مع مسألة عودة النازحين. فالجزء القليل الذي عاد من بعض الدول ومنها لبنان، فضلاً عن أن جزءاً منهم تعرض للمساءلة الأمنية ووجد أملاكه قد صودرت، فإن الأجهزة التابعة للنظام تقر بأن إمكانياتها في استيعاب هؤلاء منعدمة في ظل الوضع الاقتصادي المتدهور سواء بسبب تدهور سعر صرف الليرة السورية، أو بفعل شح المواد الأساسية حيث تضج مواقع التواصل الاجتماعي بصور طوابير الانتظار من قبل المواطنين أمام محطات المحروقات، والأفران، وتعبئة الغاز، إضافة إلى نقص المواد الغذائية بعد تعثر مد دمشق بكثير من المواد الأساسية عبر لبنان الذي يعاني الشح في العملة الصعبة ويسعى إلى مكافحة التهريب للمواد المدعومة من مصرف لبنان. وينقل عن مسؤولين سوريين قولهم، إنهم لا يتمكنون من الإيفاء بالحد الأدنى من متطلبات العيش للسوريين الموجودين في مناطق النظام، فكيف يمكنهم تأمين متطلبات الحياة للنازحين إذا عادوا؟

روسيا تشجع الدول على الحضور مقابل نفوذ إيران

ويراهن النظام على مقايضة إعادة النازحين برفع العقوبات عنه التي زادت الأزمة استفحالاً، في وقت لا تبدي الدول المعنية اهتماماً بذلك للأسباب السياسية المعروفة. 

لكن موسكو سبق أن أبلغت واشنطن ودولاً غربية وعربية، أن طلبها إنهاء النفوذ الإيراني في سوريا، وامتناعها عن تقديم الدعم للاقتصاد السوري المأزوم، لأن طهران ستستفيد منه من أجل ترسيخ نفوذها في دمشق، يعود إلى ترك هذه الدول الساحة السورية للجانب الإيراني، وأنه يفترض بها أن تؤمن حضوراً عبر ملاقاة معاناة السوريين المعيشية جراء الحرب.

فالكرملين يأمل في حال انخراط دول غربية وعربية في خطوات عودة النازحين من الناحية المالية، رفع العقوبات على نظام الأسد، الأمر الذي يخضع بالنسبة إلى هذه الدول إلى شرط انكفاء إيران عن الساحة السورية.

ولم تكن صدفة أن تصدر عشية المؤتمر دفعة عقوبات جديدة على النظام السوري في 10 نوفمبر، طالت 6 سوريين، و3 لبنانيين، وشملت 13 كياناً، في وقت تستمر العقوبات على إيران نفسها.

المزيد من سياسة