Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليون سبيليار رسام الكآبة والقلق الوجودي في معرض استعادي

متحف أورسيه الباريسي يستعيد مراحل باهرة من مسيرته الفنية في مئوية ولادته

الرسام ليون سبيليار كما رسم نفسه (الخدمة الإعلامية في المعرض)

منذ معرضه الاستعادي في "القصر الكبير" (باريس) الذي نظمته "جمعية المتاحف الوطنية" بمناسبة حلول مئوية ولادته، لم يلق الفنان البلجيكي ليون سبيليار (1881 - 1946) أي اهتمام من قبل المؤسسات الفنية الفرنسية مقارنةً بمعاصره الأميركي إدوارد هوبر، على الرغم من أهميته القصوى والتقارب المدهش في بعض أعمالهما وموضوعاتهما. وهذا بالتأكيد ما دفع القائمين على متحف "أورسيه" إلى تبديد هذا الإهمال عبر تنظيمهم حالياً معرضاً ضخماً له يتناول السنوات الأكثر خصوبة من مسيرته الفنية (1900- 1919) التي أنجز خلالها أعمالاً تشكل تنويعات حول موضوع أو تساؤل واحد، وتسمح للمتأمل فيها بولوج المناخ الحاد والفريد لهذا المبدع الذي حددت معالمه هواجس تشكيلية ووجودية على حد سواء.

وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن سبيليار فنان عصامي تغذى خصوصاً من قراءته الثابتة لفلاسفة وشعراء ومسرحيين، وتحديداً: نيتشه، لوتريامون، فرهايرين وماترلينك. ومن هذه القراءات انبثقت داخل لوحاته تلك الشخصيات الشبحية المعزولة وتلك الوجوه - الأقنعة ذات العيون الشاردة والمهلوسة التي تستحضر أحياناً عوالم إدوارد مونخ. ومثل بعض الفنانين الذين نشطوا مثله في نهاية القرن التاسع عشر، هجس سبيليار في استكشاف اللاوعي والقلق الوجودي للفرد في الفترة التي شهدت العلوم الإنسانية خلالها تطوراً لافتاً في فهم النفس البشرية. وفي هذا السياق، مزج داخل أعماله تقنيات فنية مختلفة ولجأ لإنجازها إلى قلم الرصاص، وإلى أقلام الفحم، وإلى الألوان المائية والغواش، علماً أن الحبر الصيني بقي مادته المفضلة التي استثمر بشكل حاذق شفافيتها، سيولتها ولونها الأسود من أجل ترجمة عالمه الداخلي المرسخ في موطن ولادته "أوستند".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الرمزية والتعبيرية

وبالنتيجة، أبدع لوحات يصعب تصنيفها لنسجها روابط مع الجماليتين الرمزية والتعبيرية، وفي بعض مشاهده الأكثر راديكالية، مع التجريد الهندسي. أعمال تصبغها كآبة عميقة نستشعرها فوراً ما أن يقع نظرنا على تلك الفضاءات الفسيحة الفارغة داخلها (شواطئ، آفاق بحرية) أو على بورتريهاته الذاتية التي حفر فيها خطوط وجهه بدلاً من رسمها، وعموماً على التدرجات اللونية التي تمد أعماله بجانب إشعاعي مقلق. وفي بعض الأحيان، نستشف مناخاً كابوسياً ومأساوياً، أو على الأقل، شعوراً عميقاً بتيه وعزلة.

الصالة الأولى من المعرض مرصودة للصداقة العميقة التي ربطت سبيليار بمواطنه الشاعر إميل فرهايرين الذي شكل أباً روحياً له وشجعه في بداياته بشرائه لوحات كثيرة منه، وفتح له أبواب الساحة الأدبية الفرنسية عام 1904. تحضر في هذه الصالة أيضاً أعمال إيحائية وملغزة من بدايات الفنان يطغى عليها الموت ويتبين فيها مدى تأثره بالمناخ المعتم لمسرحيات مواطنه الآخر موريس ماتيرلينك التي زين بعض نصوصها بطلب من الناشر إدمون دومان.

في الصالة الثانية، نشاهد رسوماً رصدها سبيليار لتزيين مسرحية ماتيرلينك "فضاء داخلي" (1894) وتقطنها شخصيات معزولة بالكاد مجسدة وغالباً كئيبة داخل فضاءات مغلقة ومعتمة. لوحتا "بؤس" و"فتاة معزولة"، مثلاً، تستحضران عالم إدوارد مونخ التعبيري المعذب، بينما تبدو شخصية "شريبة الإفسنت" بنظرتها الهلسية المخيفة وكأنها خارجة تواً من المقبرة لمص دماء المتأمل فيها. وفي رسوم أخرى، تحضر الشخصيات بلا عيون، كتلك الشابة الطيفية الجالسة أمام جدار في غرفة يبدو السرير الأبيض فيها وكأنه كفن.

ولأن سبيليار عثر في نفسه على موديل جاهز للرسم وأنجز بورتريهات ذاتية عديدة بين عامي 1902 و1908، تتجاور في الصالة الثالثة بورتريهاته الأولى التي سعى فيها إلى التقاط الجانب القاسي والفج من ملامح وجهه. وسواء في هذه الأعمال أو في تلك التي تبعتها، مثل نفسه دائماً في سترة داكنة وياقة بيضاء، وليس كفنان بوهيمي، واختار تارةً تأطيراً ضيقاً لوجهه يبرز حدة نظرته وهو يشخص بنفسه، وتارةً فضاءً أكثر سعةً لكنه ضاغط بفعل تداخل أطر عديدة داخل اللوحة وتكرار خطوط مستقيمة تحاصر جسده. أعمال يحضر فيها محاطاً دائماً بأشياء مألوفة لكن مقلقة، مثل ساعة جدار أو روزنامة تذكران بالعبور المحتوم للزمن، ومرآة تتراءى كهوة على وشك ابتلاع صورته الهشة... ومع أنه يظهر أحياناً إلى جانب مسند الرسم، لكنه لم يهتم بتمثيل نفسه كفنان بقدر ما اهتم باستكشاف هويته العميقة، في الصمت والعزلة. وقاده هذا البحث عن الذات إلى إلقاء نظرة مشوهة على نفسه تقترب من الهلوسة الليلية أو إلى استحضار لشخصه في حالة سرنمة.

ولا عجب في تخصيص الصالة الرابعة من المعرض للعلاقة الفنية الحميمة التي ربطت سبيليار بأوستند، إذ شكلت هذه المدينة واحدة من شخصياته الرئيسة، إضافةً إلى توفيرها له فضاءً مثالياً لـ"دراماتورجيته" الفريدة. فمن نزهاته الليلية الطويلة على شاطئها، استوحى مشاهده البحرية الغامقة التي أنجزها بالحبر ويعزز خط الأفق العالي فيها شسوع البحر. مشاهد تعكس حالته النفسية الكئيبة والمعذبة. وفي لوحات أخرى، اهتم بالتضارب بين مشهد المدينة ومشهد البحر، الخاص بأوستند، وتحديداً بين التشييدات الهندسية المستقيمة والجامدة (السد، مصد الأمواج...) عند الساحل، التي أدخلت على لوحته الخط المستقيم والنموذج الهندسي الذي يعزز مناخ العزلة والقلق فيها، وبين الخطوط الحيوية للبحر وعناصر الطبيعة المتحركة. أما اللوحات التي رصدها لمشهد المدينة الداخلي والليلي، فتتحلل فيها الأبنية المعتمة داخل الأضواء الباهتة لمصابيح الشوارع، ما يخلق إحساساً بدوار ناتج عن تلاشي نقاط الاستدلال.

وفي الأعمال التي تملأ الصالة الخامسة، يتبين لنا أن فورة الحياة في أوستند خلال ساعات النهار وظروف العمل القاسية فيها لم تلفت انتباه سبيليار، بل فقط نساء الصيادين اللاتي رسمهن ببساطة شكلية راديكالية تحولن فيها إلى رموز للانتظار. نساء يحضرن كظلال، غالباً من الخلف، وفي وضعية من يشخص في البحر انطلاقاً من رصيف المرفأ. وسواء حضرن بشكل منفرد أو كمجموعة، يبدون دائماً منغلقات في كآبتهن وعزلتهن.

وتختم المعرض سلسلة رسوم "الدفئيات الحارة" التي أنجزها الفنان بين عامي 1917 و1920 انطلاقاً من ديوان ماتيرلينك الشعري الذي يحمل هذا العنوان، نظراً إلى تشكيلها رابطه الأخير مع العالم الإيحائي والقلق الخاص بالمدرسة الرمزية، وانحرافه بعدها من الرسم المعتم والحاد في اتجاه رسم أكثر بهجة وألواناً.

المزيد من ثقافة