Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكرملين يرفض المشاركة التركية في حفظ السلام وعلييف ينقذ الموقف 

موسكو تؤكد أن لا حديث عن مقايضة بين ناغورنو قره باغ وسوريا ورئيس أذربيجان يصف الاتفاق بأنه "وثيقة استسلام أرمينيا"

في حين انصرف كثيرون من الساسة والمراقبين عن المعارك التي كانت تدور بين أرمينيا وأذربيجان للشهر الثاني على التوالي بتدخل تركي حول مقاطعة ناغورنو قره باغ، لمتابعة آخر تطورات الانتخابات الرئاسية الأميركية، فاجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العالم في وقت متقدم من مساء الاثنين الماضي بإعلان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين المتنازعين وقبولهما بعودة اللاجئين النازحين إلى مقار إقامتهم تحت رعاية أممية، وقوات روسية لحفظ السلام تنتشر عند خطوط التماس التي حددها الاتفاق.

وكان بوتين كشف عن اتصالات دورية مكثفة مع زعيمي البلدين، ما أسهم في وضع التصورات المناسبة لهذا الاتفاق تمهيداً لتسوية سلمية شاملة للنزاع الذي طال أمده لما يزيد على 30 سنة.
 

تفسيرات

 

وما أن ذاع الخبر وتلقّفته المصادر الأذرية والأرمينية والتركية بكثير من التفسيرات المتباينة، حتى عاد الكرملين ليكشف عن نص البيان الذي وقّع عليه الرئيس الأذري إلهام علييف ورئيس الحكومة الأرمينية نيكول باشينيان برعاية الرئيس بوتين. 

ونقلت وكالة "نوفوستي" البنود الرئيسة لهذا البيان الذي كشف عن بنود الاتفاق حول وقف كامل لإطلاق النار اعتباراً من منتصف ليل العاشر من نوفمبر (تشرين ثاني) الجاري بتوقيت موسكو، على أن يبقى كل من الطرفين عند النقاط الموجود فيها، مع التعهد بتبادل الأسرى.

وحدّد البيان المناطق التي يجب أن ترحل عنها القوات الأرمينية وهي كيلي بجار قبل الأحد المقبل، ومنطقة لتشين في وقت أقصاه أول ديسمبر (كانون الأول) 2020، مع الإبقاء على سيطرة القوات الأرمينية على ممر لتشين بعرض خمسة كيلومترات، تأميناً للتواصل بين أرمينيا وقره باغ.

كما حدّد البيان عدداً من المناطق التي يجب أن ترحل عنها القوات الأرمينية، ومنها منطقة أغدام وجزء من منطقة غازاخ الأذربيجانية، إلى جانب توفير ممرّ آمن للتواصل بين غرب الأراضي الأذربيجانية وجمهورية ناخيتشفان الأذربيجانية ذات الحكم الذاتي.

 

"وثيقة استسلام"

 

 واعتبر علييف الاتفاق الموقّع مع رئيس الحكومة الأرمينية "وثيقة استسلام" وقّعها الجانب الأرميني، فيما أكد أن تركيا ستشارك في قوات حفظ السلام بموجبه، ما أثار الكثير من اللغط الذي أسهم في تأجيج مشاعر الجماهير التي خرجت إلى شوارع يريفان احتجاجاً على توقيع الاتفاق، داعية إلى ضرورة التراجع عنه، فضلاً عن اقتحامها مقر الحكومة الأرمينية ومطالبتها بالرحيل وتولّي العسكريين مقاليد السلطة في البلاد. كما اعترضت الجماهير سيارة رئيس البرلمان الأرميني أرارات ميرزويان وحاولت إخراجه منها بالقوة، فيما أوسعه بعض المحتجين ضرباً، ولم ينقذه منهم سوى أفراد حراسته بدعم من بعض الضباط الذين هرعوا لحمايته.
كما كشف باشينيان عن أنه تشاور مع قيادات القوات المسلحة قبل توقيع الاتفاق، مشيراً إلى أن الظروف "أرغمته على توقيعه بتوصية من قيادات القوات المسلحة الأرمينية، التي أبلغته وجود مشكلات كثيرة على مختلف الجبهات، وأنه لم يكن أمامه سوى التوقيع على وقف الحرب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

وأضاف في كلمة عبر "فيسبوك" أن "الجيش قال بضرورة التوقف، نظراً إلى وجود مشكلات معيّنة يتعذر العثور على حلول واضحة لها، فضلاً عن نضوب الموارد اللازمة لمواصلة الحرب".

واعترف الزعيم الأرميني بوجود عدد من المشكلات في عمل القوات المسلحة ومنها رفض سكان عدد من المناطق لإعادة نشر وحداتها، فضلاً عن تلك المتعلّقة بالتجنيد والمستوى المتدني للقدرات القتالية لفصائل المتطوعين وحالات الفرار من الخدمة".

ومضى رئيس الحكومة الأرمينية ليدلي بمزيد من الاعترافات التي تقول إن قرار وقف القتال ليس في صالح الجانب الأرميني، لكن عدم توقيعه لم يكن يعني سوى سلبيات أكثر  كان لا بد من أن تؤثر في القدرات القتالية للجيش، وإنه لم يكن هناك بديل عن توقيعه.

ولم تقتصر الاعترافات الرسمية للجانب الأرميني على ما أقرّ به رئيس الحكومة، إذ أصدرت وزارة الدفاع بياناً مشتركاً مع هيئة الأركان العامة دعت فيه "إلى تجنّب الأعمال التي من شأنها زعزعة أسس الدولة ومن أجل استخلاص الدروس اللازمة من مختلف الأخطاء، بغية إنشاء جيش أقوى وأكثر كفاءة يستحقه شعب بطل"، بحسب نص ذلك البيان الذي خلص إلى أن الوقت قد حان لوقف إراقة الدماء في قره باغ.

 

تسلّم العسكريين لمقاليد السلطة

 

في المقابل، عقد رئيس أركان القوات المسلحة اجتماعاً مع قيادات الأحزاب المعارضة التي ناشدته بتسلّم العسكريين مقاليد السلطة، معلنين دعمهم غير المشروط للقوات المسلحة، بعدما كان رئيس الحكومة توجّه إلى الرئيس بوتين طلباً لحماية بلاده.

وتقول مصادر أرمينية أن الارتباك ساد الأنساق العليا للسلطة في يريفان، إلى الحدّ الذي اعترف فيه رئيس الجمهورية أرمين سركسيان بأنه لم يعلم بنبأ الاتفاق على شروط وقف إطلاق النار إلا من الصحف.

وأشار في بيان نشره على الموقع الإلكتروني للرئاسة إلى "أنه لم يشارك في أية مناقشات أو مفاوضات حول هذا الموضوع، وأنه وللأسف لم تكن هناك مشاورات معه حول الوثيقة، بوصفه رئيساً للجمهورية". ووعد بسرعة البدء في نقاشات سياسية تستهدف إنقاذ الوطن وحماية مصالحه القومية، مشدداً على ضرورة الالتزام بالإجماع الوطني شرطاً للتوصل إلى تسوية النزاع حول قره باغ بوصفها قضية ذات أهمية قومية.     

وعمّا كشف عنه الرئيس علييف حول مشاركة الوحدات التركية في قوات حفظ السلام إلى جانب القوات الروسية، فقد سارعت موسكو إلى نفي هذه الأخبار، فيما نشر الجهاز الصحافي للكرملين النص الكامل للبيان على موقعه الإلكتروني.

وأعلن ديميتري بيسكوف، الناطق الرسمي باسم الكرملين أن البيان الثلاثي لزعماء روسيا وأذربيجان وأرمينيا الصادر حول وقف القتال في مقاطعة قره باغ لا يتضمن أية إشارة إلى إمكانية نشر قوات حفظ سلام تركية فيها.

وقال إنه "لا توجد كلمة واحدة حول ذلك في البيان وإن الأطراف الثلاثة لم تتفق على وجود جنود أتراك في قره باغ"، لكنه اعترف ضمناً وبحسب إشارة "نوفوستي" بأنه "في الحقيقة كان هناك حديث عن إنشاء مركز الأراضي الأذربيجانية لمراقبة وقف إطلاق النار" بما قد يعني احتمالات وجود القوات التركية في هذا المركز.

من جانبها، أكدت وزارة الخارجية الروسية في بيانها الصادر حول المسألة أنه لن يتم نشر أية قوات حفظ سلام غير القوات الروسية.

وقالت ماريا زاخاروفا، الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية "نقطة مهمة أودّ لفت انتباهكم إليها تتعلق بقوات حفظ السلام. نحن نتحدث عن قوات حفظ السلام التابعة لروسيا"، وذلك يفتح الباب عملياً أمام مختلف التأويلات التي قد تحتمل وجود قوات تركية في مواقع أخرى في الأراضي الأذربيجانية.

وقد يدحض ذلك أيضاً ما تردّد حول اتفاق غير معلن بين الرئيسين بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان حول احتمالات الاتفاق ووجود قوات تركية في المنطقة، مقابل تنازلات يمكن أن يقدم عليها الجانب التركي في سوريا.

وفيما أشارت الخارجية الروسية إلى اتصال هاتفي صباح الثلاثاء (10 نوفمبر الجاري) بين وزير الخارجية سيرغي لافروف ونظيره التركي مولود تشاويش أوغلو أعرب فيه الجانب التركي عن تأييده للاتفاق، أعلن بيسكوف أن البيان الذي صدر عن الزعماء الثلاثة هو بيان "ثلاثي" لم تشارك فيه لا الولايات المتحدة ولا فرنسا بوصفهما من الرؤساء المناوبين لمجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي بشأن التسوية في قره باغ.

كما أوضح المتحدث الرسمي الروسي أن موضوع إنشاء مركز في أذربيجان لمراقبة وقف إطلاق النار في الإقليم يخضع لاتفاق منفصل، قد ينص على وجود القوات التركية.

ونقلت الوكالات الروسية عن بيسكوف ما قاله حول إن "ذلك ليس في قره باغ ـ ذلك في أذربيجان"، ما دفع إلى تأويلات بعيدة المغزى، قد تتضمن محاولة التشكيك بقره باغ كأراضٍ أذربيجانية.

وذلك يمكن استنتاجه أيضاً من الخبر الذي أذاعته وكالة "سبوتنيك أذربيجان" حول الاتصال الهاتفي بين الرئيسين علييف وأردوغان وقالت إنهما "أشادا بفكرة إنشاء مركز حفظ سلام تركي روسي لمراقبة وقف إطلاق النار في قره باغ، وأعربا عن ثقتهما بأن المركز سيسهم في ضمان السلام الدائم في المنطقة".

وأوردت الوكالة أن علييف قال في إشارة إلى بند في الاتفاق ينص على إنشاء المركز المذكور، إن "هذا المركز سيعمل فيه عسكريون روس وأتراك وسيكون لأنقرة دور رسمي في الجهود المستقبلية لتسوية النزاع ومراقبة وقف إطلاق النار". وهذا ما أكده أيضاً تشاويش أوغلو الذي شدد على مشاركة بلاده في الرقابة على وقف إطلاق النار وأنها ستبقى إلى جانب أذربيجان. 

أما عن وضعية قره باغ، فقال بيسكوف إن البيان الصادر عن الزعماء الثلاثة لم يتضمن شيئاً في هذا السياق، إذ اكتفى بالإشارة إلى أنهم وفي اللحظة الراهنة، ينطلقون من القرارات والوثائق القانونية الدولية ذات الصلة، وبالدرجة الأولى من قرارات مجلس الأمن وغيرها من الوثائق.

وكان علييف أكد أكثر من مرة أن بلاده تنطلق في مطالبها الشرعية بسيادتها على قره باغ من هذه القرارات الصادرة عن مجلس الأمن التي تعترف بتبعية قره باغ لجمهورية أذربيجان.

وقال في خطاب إلى الشعب الأذري إنه يسعده التوصل إلى وضع النقطة الأخيرة في تسوية النزاع حول قره باغ، فيما وصف الاتفاق حول وقف القتال وإنهاء الحرب بأنه "اتفاق تاريخي".  

المزيد من متابعات