Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خرافة المثقف: من سلطة الإبداع إلى سلطة المعجبين والمعجبات  

اهتزت صورته في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والعصر الرقمي

كان المثقف في القرن الـ 20 هو ذلك الملاك المترفع عن السياسة (غيتي)

تشكلت لدينا صورة محددة عن المثقف، صورة بعض مكوناتها عائدة إلى أوهام اجتماعية وبعضها الآخر من تصوراتنا الشعبية عن قداسة الكتابة والمكتوب والحبر والقلم، وارتباط هذا "المقدّس" الشعبي بطبقة "الفهماء" أي بـ "المثقفين"، ألَم يطلق عباس محمود العقاد على واحد من كتبه عنوان "حياة قلم"!

حين يحاول الواحد منا، رسم ملامح صورة المثقف، فإن أول ما يتبادر إلى ذهنه، هو ذلك الشخص الذي يقضي سحابة يومه في التفكير، وحين نريد أن نسترجع شخصية حقيقية وواقعية تعكس صورة المثقف بـ "أمانة" نسبية طبعاً، فإن صوراً لمجموعة من الأسماء التي ترك مرورها في الثقافة ظلاً معيّناً تحضرنا، متجلية ما بين الواقعي والوهم، ما بين الحقيقة والخيال، أنا متأكد أن الكثير منا سيفكر في شخصية طه حسين في المشرق وكاتب ياسين في شمال أفريقيا، حين نفكر في طه حسين، فهذا لا يعني مطلقاً شخص حسين نفسه أو بعينه، إنما هي صورة لجيل كامل على الرغم من تناقضاته وصراعاته واختلافاته السياسية والدينية والمنهجية والمعرفية واللغوية.

فصورة طه حسين هي في الوقت ذاته، صورة عباس محمود العقاد وأحمد أمين وميخائيل نعيمة ومعروف الرصافي ونازك الملائكة وشوقي ضيف وعبد الوهاب البياتي ومهدي الجواهري والأخطل الصغير وسعيد عقل ورئيف خوري...

وحين أقول كاتب ياسين في شمال أفريقيا، فهذا لا يعني شخص ياسين في حد ذاته، إنما من خلاله صورة هذا الجيل من أمثال محمود المسعدي، ومولود معمري، ومحمد ديب، وعلي الدوعاجي، ومحمود العريبي، ومفدي زكريا، وعبد المجيد بن جلون، وأبو القاسم الشابي، وعبد الكريم غلاب، وعبد الله العروي، وعبد الكبير الخطيبي، ومصطفى الأشرف...

وكانت صورة المثقف إن في المشرق أو في شمال أفريقيا، خلال القرن الـ 20، الذين يكتبون باللغة العربية أو الفرنسية، هي صورة مرتبطة أساساً بسلطة الإبداع، أو الفكر والتفكير في الإبداع أو نقده، وبما أن "الإبداع" هو حالة ثقافية ارتبطت بالوهم بالشيطان ووادي عبقر وبالوحي والإلهام والزوابع والتوابع، فقد انعكس ذلك على تشكيل صورة محددة للمثقف في المخيال الجمعي، وهو ما أثر لاحقاً في تشكيل صورة المثقف عن نفسه بنفسه.

ونلاحظ أن الصور الفوتوغرافية أو "البورتريهات" التي كانت تنشر لهؤلاء المثقفين هي صور مأخوذة في لحظة تأمل، فالأصبع على الصدغ أو مرتبطة بالعصى أو وسط ركام من الكتب أو في لحظة الكتابة أو القراءة أو مع القلم، وهي حالات مشهدية تكرّس باستمرار صورة المثقف "العزلة"، مثقف "البرج العالي"، مثقف "المتنبي"، مثقف مكرّس لسلطة "الإبداع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت هذه الصورة الرائجة قريبة في رمزيتها ودلالاتها من فكرة "الأخلاق" أكثر منها من ميدان "السياسة"، قريبة من "الفقيه" أكثر منها من "الثوري"، من "الفكر" أكثر منها من "الواقع".

كان المثقف في القرن الـ 20، كما صنعناه في رؤوسنا، هو ذلك الملاك المترفع عن السياسة، أو هكذا يبدو، والبعيد من صراعات السلطة، أو هكذا يبدو، فهو حارس "القيم" فقط، هكذا كان يريد أن يكرّس وجوده.

وإن زهده في السلطة السياسية، كما كان يبدو لنا، لا يحرمه من سلطة أخرى وهي "سلطة المعرفة"، "سلطة الإبداع" التي من خلالها يحتل موقعاً اجتماعياً نافذاً، فهو "باشا" تارة و"خواجة" تارة أخرى، وهي سلطة تعرف كيف تحدّد جغرافيتها حتى لا تتعارض في نهاية الأمر مع سلطة "السياسي" ومع سلطة "الفقيه".

حين كانت سلطة المعرفة والإبداع لها مكانتها الخاصة والفاعلة والفعلية، كانت الجرائد لا تتردد في أن تفتح صفحاتها الأولى بقصائد للشعراء كما حدث ذلك مع أحمد شوقي وحافظ إبراهيم ومعروف الرصافي والأخطل الصغير وسعيد عقل والشابي وغيرهم.

وكانت السلطة السياسية تحرص على أن يظل المثقف في هذا الإطار، أي أن يقبل بصورته هذه في عين المجتمع، صورة حارس "القيم" و"الأخلاق"، وألا يزحف على صلاحياتها وشؤونها وجغرافيتها، فالمثقف كلّما حفر في السياسة كان عدواً للنظام، وكلّما حفر في الديني كان معرّضاً للتكفير من قبل حراس اللاهوت.

وكان السياسي، في القرن الماضي، له أخلاق معينة، على الرغم من القهر والاستبداد الذي مارسته الأنظمة السياسية، لكنه كان يدرك أن عليه القبول بتقاسم السلطة مع المثقف ضمنياً ومن دون اتفاق مسبق، أو اعتراف علني، مع ذلك، فالسياسي الكلاسيكي كان يعترف بسلطة المثقف المعرفية التي لا تشكك في سلطته هو، ولا تطرح أسئلة مزعجة أو قد تشوّش النظام العام الذي هو حارسه ومهندسه.

وفي ظل تقاسم السلطة غير المعلن، كان المثقف حين يقترب من الحاكم، أي من السلطة السياسية، يعرف حدود العقل والاجتهاد أمام هذه السلطة، ويعرف حدّ القول وحدّ السيف أيضاً، والأمر ليس باليسير.

لذلك ظهرت أسماء ثقافية وفنية كبيرة بعضها عايش وعاش في ظل أنظمة سياسية مختلفة، بل انقلابية على بعضها، من عهد الملكية وعهد عبد الناصر وعهد السادات وعهد الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم وعهد الاستعمار التقليدي، مثقفون وفنانون عبروا مناطق سياسية كثيرة ومتعارضة وظلوا يحافظون على مكانتهم الاجتماعية والمعرفية والإبداعية: مهدي الجواهري، طه حسين، سعيد عقل، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب...

اليوم، ومنذ بداية الألفية الثالثة، ألفية التكنولوجيا المعقدة، تزحزحت المفاهيم وتحركت المواقع وتغيرت الاتجاهات، ومعها تغيرت صورة المثقف في المخيال الاجتماعي وفي الواقع أيضاً، وقع ذلك من جراء الهجوم على وسائل التواصل الاجتماعي، التي هي صورة جديدة لوسائل الإعلام الكلاسيكية في عهد صورة مثقف القرن الـ 20 صاحب السلطة المعرفية والإبداعية. هجوم مارسته وتمارسه مجموعة اجتماعية جديدة تتموقع في خطابها ما بين المثقف والسياسي، وهو ما أحدث تغييراً ملحوظاً في صورة المثقف وفي صورة السياسي أيضاً.

ومع اختلاط المواقع وتداخل الأدوار، لم يعد المثقف اليوم هو المحتمي بسلطة المعرفة، بل بسلطة الدعاية التي لا تُحترم فيها القيم وتُخترق فيها الأخلاق وتصبح سلطة المعرفة عرضة للبيع والشراء، بالتالي تتقاطع مع سلطة السياسي، بل وتزاحمها في كثير من المرات، وتغيرت أيضاً صورة السياسي الذي أصبح يخترق كثيراً سلطة المعرفة، وتغيرت العلاقة ما بين الحاكم والمثقف، إذ أصبحت مربوطة أصلاً بمصالح آنيّة وليست أخلاقية قِيَمية، ودخل المال في تحديد هذه العلاقة أكثر من فلسفة "الاعتبار".

وتغير مفهوم فلسفة "الطموح" عند الحاكم، إذ بدا له أنه يستطيع أن يكون مثقفاً وفيلسوفاً ومسرحياً وقصّاصاً وشاعراً وروائياً وراقصاً وعارض أزياء...

في المقابل، تغيّر طموح المثقف بأن أصبح يطمح أن يكون رئيساً (حالة ياسمينة خضرا وبرهان غليون...) أو رئيس حكومة أو سفيراً أو نائباً في البرلمان أو شيخاً في مجلس الشيوخ... وليس في ذلك شك، فهذا طموح إنساني، لكن أن يتحول إلى هاجس وظاهرة، فهنا يكمن المرض.

وجراء ذلك، تغير مفهوم النضال لدى المثقف، فأصبح من أجل الجوائز، وانتهى زمن النضال الثقافي الذي مثّلته مثلاً مجلة "أنفاس" المغربية أحسن تمثيل والتي قادها الشاعر والكاتب المغربي عبد اللطيف اللعبي الذي استطاع أن يميّز جيداً ما بين السلطة المعرفية الإبداعية والسلطة السياسية بشكل واضح.

لقد اهتزت صورة المثقف المعاصر، في ظل وسائل التواصل الاجتماعي والعصر الرقمي عن صورته الكلاسيكية في القرن الـ 20 والإعلام الورقي أو الراديو، وبذلك اختفت صورة الحكيم والمتأمّل وصاحب العصا لتظهر صورة "النجم" المرتبط بالأضواء والكاميرات والدعاية وسلطة المعجبين والمعجبات بدلاً من سلطة المعرفة والإبداع.

المزيد من آراء