Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أندري غورتز كتب رسائل حب إلى دورين في الثمانين قبل انتحارهما

المفكر النمساوي الفرنسي تأثر بسارتر رفيق دربه وأدخل الفلسفة إلى العمل الصحفي

منزل أندري غورتز الذي انتحر فيه هو وزوجته عام 2007 (غيتي)

يبدو غريباً ولافتاً على نحو خاص، أن يتوجه الرجل إلى زوجته برسالة حب طويلة وجميلة، بعد أن تجاوزا معاً عتبة الثمانين. أندري غورتز، المفكر النمساوي الفرنسي مؤسس مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور"، ومحرر "الأزمنة الحديثة" مع رئيس تحريرها جان بول سارتر، فاجأ قراءه بذلك، واختار أن يختم حياته وحياة زوجته برسالة حب مطولة صدرت في كتاب عام 2006، ثم انتحرا بعدها معاً في العام التالي.

ظلت قصة انتحار غورتز مع زوجته البريطانية المسرحية، دورين كير، مبعث تعاطف كبير من لدن قرائه، خصوصاً في فرنسا، وبلده الأصلي النمسا، فضلاً عن سويسرا، التي قضى فيها سنوات شبابه طالباً يدرس مادة الكيمياء قبل أن يجذبه تيار الفلسفة، ويتحول إلى أكبر متخصص في فكر جان بول سارتر. وصرح غورتز مراراً بأنه مدين لسارتر، وبأنه ما كان ليصير ذا شأن لولا لقاؤه أبا الوجودية في لوزان السويسرية التي جاء إليها محاضراً عام 1946.

كتابه "رسالة إلى د" واحد من أجمل الأعمال التي تندرج في خانة أدب الرسائل في العصر الحديث. وقد عرف انتشاراً واسعاً تجاوز بكثير تداول كتبه الفلسفية. والجديد في رسالة غورتز هو أن نقلها إلى اللغة العربية لم يتم إلا حديثا على يد المترجم التونسي أشرف القرقني؛ فصدر الكتاب عن دار النشر "صفحة 7" بغلاف يضم صورة غوترز ودورين وهما ينظر بعضهما إلى الآخر نظرة تمزج بين الحب والمرح. ويبدو أن ترجمة القرقني هي ثاني ترجمة لأعمال غورتز إلى العربية، بعد ترجمة سعيد أبو الحسن لكتابه "الاشتراكية الصعبة". ولعل ما جعل المترجم/ الشاعر يجنح إلى هذا الكتاب بالضبط هو جانبه الأدبي والوجداني.

شيخوخة الحب

يستهل غورتز رسالته بجمل قصيرة يقول فيها تقريباً كل شيء "توشكين على بلوغ الثانية والثمانين. لقد تقلص جسدك ستة سنتيمترات. ولا تزنين سوى خمسة وأربعين كيلو غراماً. وما زلت جميلة، جذابة ومثيرة. مرت ثمان وخمسون سنة على حياتنا معاً، وأحبك أكثر من أي وقت مضى".

تأتي هذه الرسالة كنوع من الاعتراف المتأخر بما قدمته له دورين طيلة ستة عقود من الحياة الزوجية. وهو اعتراف يصاحبه ما يشبه الندم. فغورتز يحس بأن دورين التي التقاها أول مرة عام 1947، لم تكن حاضرة في كتاباته بالشكل الذي يليق بها، لذلك خصص لها هذا الكتاب، وجعله خاتمة أدبية لمؤلفاته التي تفرقت على مجالات أخرى خارج الأدب كالفلسفة والاقتصاد والاجتماع والسياسة والترجمة.

يبدو أن رسالة غورتز محاولة لقراءة أو مراجعة الحياة المشتركة، لذلك يقول لدرورين: "أكتب لكِ كي أفهم ما عشناه معاً". يؤثر أن يعود إلى اللحظة الأولى، لحظة ذلك الحب الذي بدأ كي لا ينتهي، فيصف حبيبته في اللقاء الأول على هذا النحو: "كان شعرك مسترسلاً كستنائياً، بشرتك لؤلؤية، وصوتك صوت الإنجليزيات ذا النبرة العالية". يستعيد اللقاءات الأولى، حيث ذهبا معاً لمشاهدة فيلم سينمائي فرنسي، ومحاولة تمثيل أحد مشاهده، وما صاحب ذلك من سخرية. ثم يتوقف عند أول لقاء جسدي يجمعهما. غير أنه يؤثر أن تكون البلاغة أو الشعر قناة للتعبير عن ذلك: "اكتشفت - يا للقاء المعجز بين الواقع والخيال - أفروديت ميلوس، وقد صارت لحماً ودماً. كان لمعان اللؤلؤ في حنجرتك يضيء وجهكِ".

 

يتوقف عند قوة شخصيتها، وعند ما كانت تتمتع به من "هيمنة"، ثم يتساءل بعد أن رفعها إلى مقام أعلى "فيمَ كان بإمكانه أن يثير اهتمامك يهودي نمساوي مفلس؟". لقد كانت حياته متقشفة، فهو يصف غرفته الفقيرة التي تتوسطها أريكة قديمة محطمة وكتب متناثرة، ثم يتساءل كيف أمكنه أن يبقى مع دورين منذ ذلك العهد إلى آخر حياتهما، هو الذي لم يسبق في شبابه أن استمرت علاقته مع امرأة أكثر من ساعتين. إن هذا التساؤل له ما يبرره، فدورين كانت شابة مطلوبة ومرغوباً فيها من الأوساط الراقية.

يعود إلى كتابه الأول "الخائن" الذي صدر عام 1958 بتقديم لسارتر، ويعتذر لها عن تلك الصورة المشوهة التي قدمها بها، والتي لم تتجاوز ستة أسطر أظهرها فيها كفتاة تثير الشفقة. في رسائل غورتز تظهر المرجعية القرائية المشتركة مع دورين: فرجينيا وولف، وجورج إليوت، وتولستوي، وأفلاطون، وألبير كامو الذي شرعا معاً في حفظ روايته "الغريب" عن ظهر قلب، ضمن مشروع مشترك يقوم على حفظ ثلاثين صفحة على الأقل من كل كتاب يقرآنه.

يتلمس معها نقطة مشتركة سماها "الإحساس بانعدام الأمان"، مؤكداً أن ما سيجمعهما هو صنع عالمهما الذي سيكون الأمان هو دعامته الأولى. وكان في ذلك انتقاد للعالم وما عرفه في تلك اللحظة من أهوال الحروب وهيمنة الديكتاتوريات. فقد أثرت الحرب سلباً على طفولة دورين، كما أنها حرمت غورتز من رؤية عائلته طيلة عشر سنوات. وحين عاد بعد الحرب إلى فيينا كان يريد العودة بسرعة إلى لوزان، وحين سألته أمه عما يشده إلى تلك المدينة أجاب دون تردد "غرفتي، كتبي، أصدقائي، وامرأة أحبها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العشق والفلسفة

بعد ثلاثة أشهر من لقائهما الأول عزما على الزواج، وإن كانا يريان فيه مؤسسة برجوازية قد تغطي الحب بغطاءات اجتماعية، لكن هذا الزواج تأخر بعد أن ابتعدت دورين عنه لفترة، غير أنه راح يراسلها باستمرار: "كتبت لكِ كل يوم بعناية أرملة حرب مسنة جداً، تعيش في لندن بنصف رطل في الأسبوع. وأحببت رسائلي. فقد كانت رقيقة. وكنت واعياً بحاجتي إليك حتى أعثر على طريقي، وواعياً بعدم قدرتي على حب امرأة أخرى غيرك". دفعته تجربة الحب مع دورين إلى البحث الفلسفي في موضوعه، محاولاً إيجاد تفسير لسبب ميل الإنسان عاطفياً إلى فرد دون سواه، متأملاً بذلك ما أفرده سارتر عن الحب في كتابه "الكينونة والعدم".

ومع نهاية الأربعينيات إنتقلا إلى باريس، فقد حصل غورتز على وظيفة براتب منظم في القسم الصحافي لمنظمة "مواطنو العالم"، فشرع في كتابة مقالاته باسمه المستعار ميشال بوسكي. وفي باريس ارتفعت وتيرة الكتابة لديه، وكانت زوجته تعرف أنها مرتبطة بشخص لا يستطيع الحياة دون أن يكتب، لذلك كانت تؤمن بقاعدة وضعتها لنفسها "أن تحب كاتباً، فهذا يعني أن تحب أنه يكتب".

تتوالى كتب غورتز ومقالاته الصحافية والفكرية، خصوصاً بعد انضمامه إلى مجلة "الأزمنة الحديثة" التي عمل فيها نائباً لرئيس التحرير، سارتر، وأيضاً مع تأسيسه مجلة "لو نونفيل أوبسرفاتور" التي أسسها مع جان دانييل، فضلاً عن عمله في جريدة "إكسبريس"، وصحيفة "باري بريس". وكانت مواضيعه الأثيرة تدور بين ثلاثة أقطاب في الغالب هي: الفلسفة، والتنظير السياسي، والنقد الاجتماعي. وبعد رحيل سارتر انسحب من تحرير مجلته، كما انسحب من مشروعه اللاحق، لكنه ظل وفياً لمبادئه الأولى، وهي الترافع من أجل مجتمع تسوده الكرامة والنزاهة.

في "رسالة إلى د" يكتشف القارئ أن غورتز لم يكن يحرر رسالة حب فحسب، بل كان يدون وثيقة تاريخية، هي من جهة سرد لسيرته الثقافية وسيرة دورين معه التي بدأت بسنوات الحب، وانتهت بسنوات المرض. ومن جهة أخرى، فرسالته شهادة على عصر بدأ مع الحرب العالمية الثانية، ومر بثورة 1968، وعرف تحولات متعاقبة في الفكر والسياسة والاقتصاد مع نهاية قرن وبداية قرن جديد.

في نهاية رسالته يبدو غير قادر على تقبل رحيل دورين بعد أن استبد بها المرض، وتبدو بالتالي البوادر الأولى لرغبته في الرحيل معها: "في الليل، أرى أحياناً شبح رجل يمشي، في طريق خاوية، وداخل مشهد خلاء، خلف نعش. إنه أنا هذا الرجل. وأنتِ التي يحملك النعش. لا أريد أن أشهد عملية حرقك. لا أريد أن أتلقى جرة فيها رمادك. إذا كانت لدينا، على وجه الاستحالة، حياة ثانية، فإننا نريد أن نحياها معاً".

صدر لغورتز 23 كتاباً بعضها ظهر إلى الوجود بعد رحيله، وكلها صادرة عن أشهر دور النشر في فرنسا: غاليلي، غاليمار ولوسوي. غير أن ثمة سؤالاً ينبغي طرحه الآن على الناشرين العرب وعلى المؤسسات الثقافية: إذا اسثتنينا "الاشتراكية الصعبة" لماذا لم تترجم أعمال غورتز إلى اللغة العربية؟

المزيد من ثقافة