Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاقتصاد الجزائري يطرق أبواب المنطقة الحمراء

الجمهورية المنتجة للنفط تدفع ثمن إنفاق لا يتوافق مع قدراتها المالية

الدولة النفطية تتوقع بروز أزمات اقتصادية جراء تراجع أسعار النفط (أ ف ب)

كشف صندوق النقد الدولي عن أرقام صادمة تتعلق بالاقتصاد الجزائري، قائلاً إن درجة الخطورة بلغت ذروتها في ضوء تراجع صادرات النفط بنسبة 41 في المئة عام 2020.

أرقام صادمة

وأطلقت الهيئة المالية تحذيرات في شأن المؤشرات الاقتصادية للبلاد، وأبرزت أن التوقعات ليست جيدة في ظل ترقب انخفاض الناتج المحلي الإجمالي 5.5 في المئة العام الحالي، إضافة إلى توازن سلبي للعجز الخارجي بلغت نسبته 17 في المئة، مشيرة إلى أن حجم عوائد الضرائب الحكومية البالغ 5328.1 مليار دينار (41.32 مليار دولار)، بالكاد يغطي نفقات التشغيل العادية، وأن تلك الأرقام السيئة أثرت بشكل كبير في مشروع قانون المالية لعام 2021.

وشدد صندوق النقد الدولي على أن نقاط الضعف في الاقتصاد الجزائري تفاقمت بسبب الأزمة الصحية العالمية، وكذا استمرار الاعتماد المفرط على الهيدروكربونات لعدم تطوير اقتصاد متنوع، بينما "حان وقت اتخاذ قرارات صعبة للرئيس عبدالمجيد تبون، لكن يبدو أن الحراك الشعبي والهشاشة السياسية للنظام تجعلانه يتردد، فالامتناع الهائل عن التصويت خلال الاستفتاء يبدو عاملاً غير ملائم".

وفي سياق التراجع الاقتصادي الحاصل، أبرزت مجلة بيتروسترات المتخصصة في النفط والغاز، أن الاستهلاك الداخلي للغاز الطبيعي فاق الكميات المصدرة خلال العام 2019 للمرة الأولى في تاريخ الجزائر، مشيرة إلى أن حصيلة الطاقة تراجعت تحت تأثير الارتفاع المستمر للاستهلاك الداخلي، في وقت شهد فيه إنتاج بعض فروع الطاقة تراجعاً على غرار الغاز الطبيعي، موضحة أن استهلاك الطاقات الأولية ارتفع بواقع ثلاثة في المئة، في حين أن الانتاج تراجع بنحو 4.8 في المئة.

توجه خاطئ

ويعتبر أستاذ الاقتصاد أحمد الحيدوسي، أن المتتبع لملف استهلاك وتصدير الغاز في الجزائر لم يتفاجأ من تحذيرات صندوق النقد الدولي، لأن الاستهلاك المحلي ينمو سنوياً بمقدار سبعة في المئة، في حين أن كمية الإنتاج في انخفاض مستمر بسبب عدم اكتشاف حقول جديدة ذات طاقة إنتاجية كبيرة.

واعتبر أن "المشكلة الكبيرة التي وقعت فيها الجزائر هي اختيارها الاعتماد على الغاز في توليد الطاقة الكهربائية بنسبة 95 في المئة، لتصبح بذلك مصنفة في خانة تسمى بحسب الاستشراف الاستراتيجي بـ "علامة الاستفهام"، فشركة إنتاج وتسويق الكهرباء الحكومية تتحصل على الغاز بسعر رمزي قدره 0.26 دولار، في حين أن السعر الحقيقي في السوق الدولية يتراوح بين أربعة وخمسة دولارات للوحدة، كما تسوق الكهرباء بسعر مدعم بأقل من ستة دنانير للكيلوواط، أي حوالى نصف دولار أميركي، علماً بأن الكلفة الحقيقية تقدر بـ 12 ديناراً، أي ما يعادل دولاراً أميركياً".
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتساءل الحيدوسي إن كان بإمكان الحكومة التخلي عن هذا الدعم أو البحث عن بدائل أخرى، ثم يرد بأن "الخطوة مستبعدة بسبب ضعف القدرة الشرائية أيضاً، لأنه من غير المعقول أن تستثمر مليارات الدولارات في محطات توليد الطاقة الكهربائية بأكثر من حاجاتك، ثم تقرر فجأة تغيير المورد بالاتجاه مثلاً إلى الطاقة الشمسية"، مضيفاً أن هناك مشكلة أخرى بالنسبة لتسويق الغاز الجزائري، وهي المنافسة الشرسة.

ويتابع الحيدوسي بأنه لا يمكن الخروج من دائرة الخطر إلا بوضع تصور واستراتيجية واضحتين على المدى المتوسط، تعتمدان على مفاتيح عدة، أولها الصناعة التحويلية بحكم أن الجزائر تمتلك أراضي شاسعة صالحة للزراعة، "فمن غير المعقول أن فاتورة السلع الغذائية تفوق الثمانية مليارات دولار سنوياً، في حين أن هذه المنتجات يمكن الحصول عليها بسهولة لو توافرت الرؤية الواضحة والتخطيط الجديد والإرادة السياسية"، إضافة الى مفاتيح أخرى مثل الاهتمام بالمؤسسات الناشئة بخاصة في مجال التكنولوجيا.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

ومن أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، واستغلالاً لفرصة ترؤسها منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، وعلاقتها الجيدة مع باقي الأعضاء، تحصلت الجزائر على موافقة من روسيا من أجل تمديد اتفاق خفض الإنتاج خلال 2021، لمواجهة الوضع العام السائد في السوق النفطية مع استمرار تداعيات فيروس كورونا، إذ يأتي التأييد الجزائري لفكرة تأجيل الزيادة المزمعة في إنتاج "أوبك+" اعتباراً من يناير (كانون الثاني) 2021، متوافقاً مع إثارة وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك احتمال استمرار الاقتطاع في الإنتاج بالتنسيق مع شركات النفط في البلاد، لتجنب انهيار آخر في أسعار النفط، على الرغم من أن التوقعات تشير إلى بقاء الانعكاسات السلبية قائمة بالنظر إلى تداعيات انتشار فيروس كورونا، مما يعني أن سوق النفط تواجه وضعاً خطيراً على المدى المنظور.

في الاتجاه ذاته، عادت الجزائر لموقعها كمزود أول بالغاز الطبيعي لإسبانيا، بعد تراجعها خلال الأشهر الماضية لمصلحة منافسين، وهو وضع جاء بعد اتفاق مراجعة الأسعار بين مسؤولي البلدين قبل أسابيع، والذي تضمن خفض أسعار الغاز في مقابل مرونة أكبر في الكميات المصدرة، مع تمديد فترة العقد الموقع بين الطرفين، وفق ما كشفت عنه هيئة تسيير ومراقبة مخزونات الطاقة الإسبانية.

وبحسب ما تضمنته بيانات الهيئة الإسبانية، فإن نيجيريا حلت في الصف الثاني بين موردي الغاز إلى إسبانيا بعد الجزائر وروسيا، مما يعني أن الموردين المنافسين للجزائر خلال الأشهر السابقة، أي الولايات المتحدة وقطر، غادرا المراتب الثلاث الأولى".

إقصاء الكفاءات وتهميش النخب

ويعتقد الإعلامي المهتم بالشأن الاقتصادي، وليد مدكور في تصريح للصحيفة، أن تحذيرات صندوق النقد الدولي منطقية ومبنية على مؤشرات سلبية للاقتصاد الجزائري الريعي المعتمد على الجباية النفطية، وقال إن "الجزائر تكبدت خسارة تجاوزت العشرة مليارات دولار أمريكي خلال الأشهر التسعة الأولى من 2020، بسبب تراجع سعر النفط الجزائري "صحاري بلند"، وإن ضعف الطلب وأزمة كورونا أثرا في أسعار النفط، كما أن نسب النمو تراجعت في الدول المستهلكة للنفط، لتجد الحكومة الجزائرية نفسها في مأزق حقيقي دفع بها الى توسيع الوعاء الضريبي".

 ورأى أنه لتجاوز هذا المأزق يجب تقليص موازنة التسيير الحكومية إلى النصف، ورقمنة القطاعات بشكل يجنب إهدار المال العام، ويضبط المداخيل ويحسن مردودية التحصيل الجبائي، إضافة الى "البحث عن رؤوس الأموال الأجنبية لتمويل المشاريع، والكف عن تمويل المشاريع الكبرى من احتياطات الصرف، مثلما حدث مع المطار الدولي والمسجد الأعظم"، وختم أن ما يعوق خروج الجزائر من الأزمة هو إقصاء الكفاءات وتهميش النخب الحقيقية.