Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

استطلاعات الرأي تفشل لكنها تستمر

على الرغم من التردد وهامش الخطأ الكبير إلا أنها تمثل مرتكزاً أساسياً في توجيه صانعي القرار والجمهور

تكررت النتائج الخاطئة في استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات الأميركية (غيتي)

يسأل الباحث في أمور استطلاعات الرأي الكاتب الأميركي ويل اوريموس السؤال التالي، "عندما تتلقى مكالمة على هاتفك المحمول من رقم غير مألوف، هل ترد عليها؟ إذا حاول الشخص الموجود على الطرف الآخر من الخط أن يؤكد لك على الفور أنه لا يحاول بيع أي شيء لك، فهل تصدقه؟ إذا أخبروك أنهم يجرون استطلاعاً للرأي العام لن يستغرق سوى بضع دقائق من وقتك، فهل تمضي قدماً وتبدأ في مشاركة آرائك"؟.

إذا أجبت بـ "نعم" على كل هذه الأسئلة، فتهانينا! أنت من بين 9 في المئة من الأميركيين الذين تؤيد آراؤهم آراء الأمة ككل في استطلاعات الرأي العام. 

على رغم هامش الخطأ

لو أجرينا استطلاعاً للرأي حول استطلاعات الرأي نفسها، فسنجد نسبة من المستطلعين لا تؤمن بنتائج تلك الاستطلاعات، ونسبة أخرى تعتبرها أساسية في تحديد النتائج. فالاستطلاعات هي بالنسبة إلى كثيرين كألعاب المراهنات، ونجاحها هو محض صدفة، بينما يقول آخرون إنها تسهم هي نفسها في التأثير في الرأي العام. ففي عدة دراسات أكاديمية أجريت في الولايات المتحدة وأوروبا حول المترددين في الإدلاء بآرائهم، تبين أنهم يتخذون موقفاً لصالح الرأي العام الأكثري، إذ إن الأفراد يميلون إلى الوقوف مع الموقف الجماعي خوفاً من الخسارة. 

لكن على الرغم من التردد وهامش الخطأ الكبير في نتائج استطلاعات الرأي، فإن كثراً من علماء الاجتماع والسياسيين يعتبرون أن قياس الرأي العام والوقوف على مؤشراته يمثل مرتكزاً أساسياً في توجيه صانعي القرار في عالمنا المعاصر في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولتفادي الاصطدام برأي بالجمهور ورفضه لتبعات قرار معين. لذا، أصبحت مراكز الاستطلاع وقياس الرأي العام في الغرب من الأدوات المهمة جداً لصانعي القرار في مختلف المجالات، ويعتقد البعض أنها، مع وسائل الإعلام المختلفة، باتت تلعب دوراً كبيراً إلى جانب قيم الديمقراطية والحرية في تفعيل دور المؤسسات في الدول الغربية. ويعتقد هؤلاء أن تطوير مراكز استطلاعات الرأي العام، وتطور الطرق المستخدمة لاستجلاء الآراء وتوجيهها وفق منهجيات علمية يمكن أن يؤدي إلى بلورة الرأي العام حول موضوع محدد.

أخطاء الاستطلاعات في الانتخابات الأميركية

على الرغم من النتائج الخاطئة التي تكررت في استطلاعات الرأي في الانتخابات الأميركية، لا تزال تستحوذ على الاهتمام الأول قبل كل انتخابات رئاسية، كما هو حال الانتخابات الأخيرة. وتتداول وسائل الإعلام نتائج هذه الاستطلاعات بعد كل مناظرة بين المرشحين، وربما قبل فترة من بدء هذه المناظرات، وفي مواضيع مختلفة حول كل مرشح، وليس بالضرورة حول من سيربح الانتخابات فحسب. فقد تتناول الاستطلاعات مواضيع تفصيلية يطرحها المرشح. ولكن هل كانت استطلاعات الرأي لتتوقف عن العمل أو عن قبول الرأي العام بها بسبب فشلها المتكرر؟ لا يبدو أن هذا الأمر سيحدث، وإلا لانتهى دورها في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1948، حين تنبأت بكل ثقة بفوز المرشح الرئاسي الجمهوري توماس ديوي بسهولة على الديمقراطي هاري ترومان. وكانت النتيجة مختلفة تماماً. وتكرر الأمر عام 1952، حين توقعت الاستطلاعات تقارباً في السباق الرئاسي بين دوايت أيزنهاور وأدلاي ستيفنسون، لكن الأول حقق نصراً ساحقاً. وعام 1960، توقعت أن المرشح الجمهوري ريتشارد نيكسون يتقدم منافسه الديمقراطي جون كينيدي بنقطتين مئويتين، غير أن الأخير اكتسح الانتخابات وفاز بالرئاسة. وفي عام 1980، توقعت استطلاعات الرأي سباقاً متقارباً بين الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر والمرشح الجمهوري رونالد ريغان، إلا أن الأخير فاز بفارق وصل إلى 10 نقاط مئوية.

طبعاً لن ننسى توقعات 2016 حين فاز دونالد ترمب على هيلاري كلينتون، بعدما كانت الاستطلاعات والتوقعات تعطي كلينتون فوزاً ساحقاً، بسبب ضعف الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، الذي كان ترشحه يبدو كطرفة كوميدية في الولايات المتحدة.

الجاذبية النفسية

إذاً ما الذي يبقي استطلاعات الرأي إحدى الأدوات الرئيسة في السباق الرئاسي الأميركي، طالما أن هامش خطأها يبدو كبيراً؟ 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هناك تحليلات كثيرة ومختلفة وبعضها مثير للدهشة، كما يقول بعض علماء النفس إن هذه الاستطلاعات تثير في نفس الجمهور نفس ما يثيره لعب القمار في المقامر، الذي دائماً يعتقد أنه سيربح على الرغم من أنه دائم الخسارة. هناك آخرون يفسرون الأمر على أنه حاجة بشرية طبيعية للشعور بالاطمئنان في الظروف العصيبة وقبل كل استحقاق كبير يؤثر في حياتهم، وتأتي استطلاعات الرأي التي تملك القدرة على منح الوهم بالدقة، لتلعب هذا الدور في بث الطمأنينة في نفس الطرف الثالث، أي الذي لا يشارك في الاستطلاع لكنه ينتظر نتائجه. 

لكن عدا الجانب النفسي، هناك الجانب الاقتصادي، فصناعة الرأي العام عبر الاستطلاعات تمثل صناعة واسعة وراسخة تقدر بمليارات الدولارات. وهذا الجانب لا يتعلق بالضرورة بنتائج الانتخابات فقط، بل يتناول كل شيء في الحياة، مثل نوع من المنتجات يفضله الناس، أو بلد سياحي، أو ممثل عالمي شهير أو أغنية أوفيلم. إنها صناعة ضخمة، لا تقوم بسؤال الناس عن آرائهم فقط، بل وتعمل على صناعة رأي عام محدد في موضوع معين، قد يدر مليارات على أصحابه.

لماذا تفشل استطلاعات الرأي؟

بحسب كثير من الباحثين في قضايا الرأي العام وفي علم نفس المجتمعات، فإن استطلاعات الرأي عرضة للفشل لأن هناك عدداً كبيراً من التحديات التي تواجهها كي تتمكن من الاقتراب من الحقيقة المرجوة. منها تحدي فهم مجتمع الدراسة والوصول إلى عينات احتمالية تسمح بوضع المستجوبين في سلة واحدة. وهناك تحدي الوسائل المتبعة في إجراء الاستطلاع التي باتت تعتمد في عصرنا الراهن على الوسائل التكنولوجية والإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي التي تعطي هامشاً كبيراً للخطأ، عما كانت عليه الحال، مثلاً، في زمن الاتصال المباشر عبر الهاتف المنزلي. 

ومنها تحدي مصداقية المستطلعين أنفسهم في الإجابات التي يقدمونها، إذ تبين أن 60 في المئة ممن يقولون إنهم سيصوتون يذهب منهم 30 إلى 40 في المئة فقط إلى صناديق الاقتراع. ويقال إن خسارة كلينتون عام 2016 كان بسبب ذلك. إذ ارتاح مؤيدو الحزب الديموقراطي إلى استطلاعات الرأي التي أعطت هامشاً عالياً لمرشحتهم، فتراخوا عن الذهاب إلى صناديق الاقتراع بنسب كبيرة، أدى إلى وقوع المفاجأة الكبيرة حينها. أي أن استطلاعات الرأي هي نفسها التي أدت إلى خسارة كلينتون.