لم تكن أبداً الانقسامات الداخلية غريبة عن حزب المحافظين خصوصاً في مسألة أوروبا التي كانت منزلق عديد من رؤساء الحكومات المحافظين. إلا أن الأسابيع القليلة الأخيرة كانت الأكثر إثارة للانقسام في تاريخ الحزب. فقد استقال وزراء من الحكومة أو لوحوا بالاستقالة منها، كما انضم بعض نواب البرلمان إلى صفوف المعارضة. وامتدت الانقسامات من أعلى سدة الحزب إلى قواعده.
لهذا السبب يواجه دومينيك غريف احتمال استغناء الفرع المحلي لحزبه عنه بسبب تبنيه المستمر موقفاً معرقلاً لصفقة رئيسة الوزراء. ونيك بولز قدم، وهو زميله في الحزب ومن أنصار البقاء في الاتحاد الأوروبي، من جهته، استقالته من الحزب الليلة الماضية ملقياً لائمة رفض تقديم تنازلات على رئيسة الوزراء، وهو يواجه بدوره خطر الاستغناء على أيدي الناخبين الحزبيين في دائرته.
عند انطلاق الجلسة الماراثونية يوم الثلثاء، بدت الحكومة أكثر هشاشة من ذي قبل إذ هدّد بعض الوزراء بمغادرتها في حال الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، في حين حثّ آخرون رئيسة الوزراء على رفض مشروع الاتحاد الجمركي الذي يؤيده أنصار البقاء في الاتحاد.
وموافقة ماي أخيراً على تقديم تنازلات لحزب العمال ومناشدة زعيمهم جيريمي كوربين التفاوض، بعد أسابيع من رفضها المطلق تغيير موقفها قيد أنملة، هما في مثابة لحظة إدراك أنها لن تستطيع إكراه البرلمان على قبول الاتفاق من طريق دفع البلاد ببساطة إلى شفير الفوضى التي قد تنجم عن الخروج بلا اتفاق.
لكن، هل يكفي استسلامها لمنع حزب المحافظين من الانهيار؟
المشكلة التي واجهتها رئيسة الوزراء هي وقوعها في الأشهر القليلة الماضية رهينة مؤسستين: حزبها والبرلمان. أما السبب الرئيس وراء هذه المشكلة فهو تعثر المقاربة التوافقية للعلاقة المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي، وهي أيدتها أغلبية نواب المعارضة، بتمسك أعضاء مجموعة البحث الأوروبي داخل حزب المحافظين بتفسيرهم الخاص لنتائج استفتاء العام 2016 للدفع نحو خروج أكثر صرامة.
وإلى اليوم، كانت رئيسة الوزراء تنقاد وراء مجموعة البحث الأوروبي طوال عملية بريكست، سواء تعلق الأمر بقبولها التعديلات المقترحة لتمرير التشريع المبكر الخاص لبريكست أو بعرضها الاستقالة خلال المرحلة المقبلة من المفاوضات. وكان يوم الثلثاء المرة الأولى التي تولي فيها رئيسة الوزراء البرلمان الأولوية قبل الجناح المشكك في أوروبا من حزب المحافظين.
ولم يكن اقتراب ساعة البريكست الدافع الوحيد الذي اضطرها إلى اتخاذ ذلك القرار. ويرجح أن وراء ذلك هو إدراكها أنها حتى إذا استطاعت تأمين دعم الحزب الوحدوي الديمقراطي، فإن الخسائر التي منيت بها في حزبها تعني أن الأغلبية البرلمانية الحكومية تقلّصت إلى حفنة قليلة من النواب.
وكما أعلنت ماي في تصريح ليلة الثلثاء، فإن موافقة البرلمان على اتفاق الخروج والعلاقة المستقبلية بالاتحاد الأوروبي ليستا نهاية المطاف. فعلى النواب ونظرائهم التدقيق في مشروع اتفاق الانسحاب قبل 22 من مايو (أيار) إذا أرادت المملكة المتحدة فعلاً تفادي المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي. وهذا يعني تجاوز سلسلة جديدة من عمليات التصويت ومواجهة طائفة من التعديلات التي يقترحها النواب المستاؤون. وإذا كان أعضاء مجموعة البحث الأوروبي يسعون إلى إثباط مساعي رئيسة الوزراء، لا يزال في متناولهم التسبب لها بمشاكل في مجلس العموم خلال هذه المراحل.
لا جدول زمنياً لمغادرة ماي، إلا أنها سترغب في أن يدعم الحزب خَلَفها، إلى حد ما، حين يتسلم. فرص صفوف الحزب المحافظ ليست واعدة، لذلك على ماي ألا تعمق الانقسامات القائمة حالياً.
وانجاز بريكست بالغ الأهمية في هذا السياق، غير أن الصعوبة مردها إلى أن التوافق مع كوربين وقبول ما يبدو أنه خيار الاتحاد الجمركي أو نسخة جديدة، 2.0، من السوق المشتركة، سواء من طريق استفتاء مصادقة عليه أو من دونه، يغامران باستبعاد أعضاء مجموعة البحث الأوروبي الغاضبين.
ربما تحسِب ماي أن مغادرتها المقررة ستجعل أنصار البريكست يبتهجون ويتحمسون للتصرف في بريكست على نحو ما يحلو لهم بعد استقالتها، وبالتالي سيكتمون غيظهم منتظرين أثناء محاولة ماي الحصول على انسحاب ناعم متجاوزة خطوط الانقسام.
غير أن استراتيجيتها تنطوي أيضاً على خطر إبعاد القواعد الشعبية لحزب المحافظين المشككة في أوروبا. فاستطلاعات الرأي أظهرت مراراً أن أعضاء الحزب ليسوا راضين عن صفقة ماي وعلى خلاف الأغلبية في مجلس العموم لا يعترضون على الخروج من دون اتفاق.
التزمت رئيسة الوزراء الحذر على الدوام لتجنب الخطأ في وقت مطالب المعسكرين متناقضة، لكن اتباعها نهج الخروج الناعم الذي طالبت به المعارضة، سيحمل أعضاء حزبها في الانتخابات العامة المقبلة إلى الابتعاد عن الحزب المحافظ والوقوع ربما في أحضان حزب بريكست، وعلى رأسه نايجل فراج.
لويز ثومسون: محاضرة رفيعة في العلوم السياسية بجامعة مانشستر
© The Independent