Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مؤسسات بريطانية تحذر من تفاقم أزمة المشردين خلال الإغلاق الثاني

مناشدات للحكومة البريطانية بإعادة العمل بمخطط تأمين المأوى للجميع الذي كان مطبقا في بداية الوباء

القلق يتزايد في بريطانيا حول مصير آلاف المشردين الذين تفاقمت أوضاعهم بسبب كورونا والبرد (غيتي)

قرعت مؤسسات خيرية عدة في المملكة المتحدة جرس الإنذار، محذرةً الحكومة البريطانية من أن هنالك "مأساةً  في طور التكوين" بسبب غياب أي تدابير لحماية الأفراد الذين ينامون في العراء، خلال فترة الإغلاق الثانية التي فرضها تفشي فيروس كورونا.

وكان الوزراء المعنيون قد تلقوا كثيراً من المطالبات لإعادة تفعيل خطة إيواء المشردين التي كانت قد اعتمدتها الحكومة خلال الأشهر الأولى من الوباء، وسط تحذيرات من أنه في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة حيال هؤلاء، فسيضطر أناس إما إلى النوم وسط الصقيع، أو إلى اللجوء إلى ملاذات الإيواء الليلية التي تكون عادةً مزدحمة، ويستحيل أن تُطبق فيها قواعد التباعد الاجتماعي.

وكانت الحكومة البريطانية قد نقلت منذ بداية تفشي فيروس كورونا، نحو 30 ألف شخص بلا مأوى، إلى مراكز إقامة ذاتية الاكتفاء للحالات الطارئة، بما فيها الفنادق، وذلك ضمن مخطط يقضي بـ"إيواء الجميع" Everyone In، بحسب ما أطلق عليه .

هذا المخطط حقق نجاحاً إلى حد كبير، وبموجبه نُقل عدد من الأشخاص الذين تم إيواؤهم في فنادق إلى مراكز إقامة دائمة الآن. وبحسب دراسة نشرتها مجلة The Lancet الطبية، فقد جُنب ما يقدر بنحو 266 حالة وفاة بين الأشخاص المشردين في إنجلترا، خلال الموجة الأولى من الوباء، بفضل البرنامج الحكومي Everyone In.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن على الرغم من ذلك، تفيد معلومات عن تشرد آلاف الأشخاص الآخرين منذ بداية الوباء، بحيث أظهرت أرقام نشرتها الأسبوع الماضي وكالة "تشين"Combined Homelessness and Information Network CHAIN التي تعنى بجمع قاعدة بيانات من وكالات متعددة عن أوضاع الأشخاص المشردين، أن 1901 شخص في لندن تعرضوا للتشرد في الفترة الممتدة ما بين شهري يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) 2020.

والخطورة في ما يتعلق بهؤلاء الأفراد- الذين أصبح عدد منهم بلا مأوى بسبب التداعيات الاقتصادية لأزمة الصحة العامة- أنه لا توجد أي تدابير لحمايتهم أثناء فترة الإغلاق الثانية. وما يزيد الطين بلة، أن ملاذات الإيواء الليلية التي عادةً ما تفتح أبوابها للمشردين خلال أشهر الشتاء في المملكة المتحدة، لن تكون قادرةً على ممارسة عملها بأمان بسبب قيود التباعد الاجتماعي المفروضة لمواجهة وباء كوفيد-19.

وفي هذا الإطار، أظهرت أبحاث أجرتها في يونيو (حزيران) الفائت جمعية Crisis (مؤسسة خيرية تعنى بالمشردين وتقدم لهم خدمات التعليم والتوظيف والإسكان)، أن أكثر من نصف مراكز تقديم الخدمات العاملة في الخطوط الأمامية لمكافحة الفيروس، شهدت ارتفاعاً في أعداد المشردين، بحيث قال نحو ثلاثة أرباع الأفراد العاملين فيها، إن "الطلب على خدماتها قد ازداد منذ بداية الوباء".

أمام هذا الواقع، حذر جون سباركس الرئيس التنفيذي لجمعية Crisis، من أنه ما لم تكرر السلطات المعنية الإجراء "التحويلي" نفسه الذي كان اتُّخذ في إطار مخطط Everyone In، فإن المجالس والجمعيات الخيرية ستجد نفسها أمام "خيار وحيد" وهو فتح ملاذات الإيواء الليلية، حيث سيكون هؤلاء الأفراد في خطر أكبر لجهة الإصابة بفيروس كورونا والمعاناة بشكل خطير من آثار المرض.

وأوضح سباركس أنه "مع تفشي الموجة الثانية من الوباء التي تطال معظم أنحاء البلاد، فقد بتنا الآن أمام وضع يضغط نحو دفع مزيد من الناس إلى التشرد، نتيجة تأثر الشركات والأعمال وحياة الأفراد بموجة الوباء".

وأضاف أنه "من الضروري للغاية أن تعمل الحكومة على تقديم الدعم نفسه الذي رأيناه في السابق من خلال مخطط Everyone In، وذلك من خلال تمويل الإسكان للأشخاص الذين ينامون في العراء كي يتمكنوا من أن يعزلوا أنفسهم بأمان هذا الشتاء".

لوسي أبراهام رئيسة العمليات في مؤسسة "غلاس دور" Glass Door الخيرية للتشرد، التي تتخذ من لندن مقراً لها، اعتبرت أن غياب أي خطة لإيواء الأشخاص الذين يفترشون الطرقات، في مراكز إقامة للحالات الطارئة هذا الشتاء، "أمر مقلق للغاية".

وتساءلت قائلةً "ماذا تعني نصيحة الحكومة التزام المنازل وإنقاذ الأرواح، بالنسبة إلى شخص بلا مأوى؟ إن العاملين في الخطوط الأمامية في مؤسسة "غلاس دور" يقومون بالتحقق الفعلي من سجلات فقدان الأشخاص وظائفهم وسكنهم، مع تزايد حالات التشرد لدى أفراد لم يسبق لهم أن كانوا بلا مأوى قبل أن يتقدموا بطلب المساعدة من مؤسستنا الخيرية".

وأشارت أبراهام إلى أن "الأموال المخصصة في الوقت الراهن لمعالجة هذه الأزمة هي أقل مما كانت عليه في الشتاء الماضي. فوسط وباء صحي يجتاح العالم، وفي هذه الأوقات الصعبة التي يتعرض فيها كثير من الناس إلى فقدان مصادر رزقهم وأماكن سكنهم، فإن غياب استجابة قوية من الحكومة المركزية، يعد مأساةً في طور التكوين".

وتحدثت رئيسة العمليات في مؤسسة "غلاس دور" عن مبادرات جمعيتها مشيرةً إلى أنه في إطار جهودها لتطوير نموذج جديد لتأمين مأوى للمشردين- داخل غرف فردية- تبين أن الكلفة كانت باهظة، وأنها تمكنت من تأمين المبيت لـ88 شخصاً فقط في الليلة، مقارنةً بـ170 في الشتاء الماضي.

وطالبت أبراهام الحكومة بوضع خطة مركزية والعمل على تنسيقها قائلة "نحن بحاجة إلى توفير أماكن إقامة آمنة من الفيروس للمشردين، تكون مكتفية ذاتياً وممولة بشكل ملائم. فهذه الطريقة كما نرى هي الأكثر أماناً لحماية الأشخاص المعرضين للتشرد خلال هذه الفترة".

سيي أوباكين الرئيس التنفيذي لمؤسسة "سنتربوينت" التي تساعد المشردين من الشباب الذين تتفاوت أعمارهم ما بين 16 عاماً و25، ردد هو الآخر مخاوف لوسي أبراهام، فقال إن "من المهم أن يتصرف الوزراء بسرعة لتأمين الموارد اللازمة لإعادة تفعيل مخطط Everyone In، في الوقت الذي نقبل فيه على مرحلة إغلاق آخر على المستوى الوطني".

وأضاف أن "الحكومة أظهرت ما يمكن تحقيقه عندما تكون الإرادة السياسية قائمةً لدعم الفئات المستضعفة في مجتمعنا. وإذا كان لنا أن نتجنب أي ارتفاع حاد في حالات الإصابة بفيروس كورونا بين الأفراد الذين يواجهون مشكلة التشرد وأولئك الذين يحاولون مساعدتهم، فيتعين على الوزراء أن يستعيدوا على وجه السرعة ذاك الشعور الملح بوجوب اتخاذ خطوات سريعة مرةً أخرى".

عمدة مدينة لندن صادق خان، طالب هو أيضاً بإعادة العمل بمخطط Everyone In، منبهاً إلى أن عدم اعتماد هذا الخيار من شأنه أن "يضرب عرض الحائط جميع الإنجازات التي تحققت في الربيع الماضي".

وذكر ناطق باسم عمدة العاصمة بأنه "خلال عملية الإغلاق الأولى، أنقذت سياسة Everyone In أرواحاً لا تعد ولا تحصى من الناس، وساعدت لندن على تجنب انتشار فيروس كورونا بين الأفراد المشردين الذي شوهدوا في مدن أخرى من العالم. وقد أسهم الحد من انتشار الفيروس بين الأشخاص الذين ينامون في العراء في منع تفشي المرض في المجتمعات ككل".

ولفت المتحدث إلى أنه "على الرغم من هذا النجاح، فإنه يبدو أن الحكومة البريطانية قد أغفلت أو تجاهلت الحاجة إلى وضع سياسة مماثلة لحماية الأشخاص بلا مأوى مع دخولنا في إغلاق ثان. إنها ترتكب إهمالاً شديداً في حق هؤلاء، خصوصاً أن طقس الشتاء يجعل النوم في العراء أشد خطورة على المشردين في هذا الوقت من السنة". 

يأتي كلام المتحدث باسم عمدة لندن، بعد ما حذرت هيئات طبية الشهر الماضي من أن المشردين يمكن أن يصبحوا "ضحية كارثة إنسانية" هذا الشتاء، وأن أرواحاً قد تكون "في خطر" ما لم تُتخذ تدابير حكومية عاجلة لحماية الناس من "التهديد المزدوج" المتمثل في فيروس كورونا والطقس البارد.

أحد هؤلاء المشردين يدعى جوش، وهو شاب من جنوب غربي، لندن عمره 24 عاماً، كان ينام في العراء خلال تفشي الوباء أثناء عمله في مراكز تقديم الرعاية. وعلى الرغم من تلقيه بعض الدعم من مؤسسة (الفجر الجديد) New Horizon الخيرية، فإنه يقول إنه لا يوجد مأوى أو سكن ثابت متاح له، بسبب بلوغ مشكلة التشرد التي سببها مرض كوفيد-19 ذروتها.

ويضيف "عندما يحل المساء، تبقى قابعاً في الظلام في انتظار أحد العاملين في الجمعيات الخيرية الذي تعد بزيارتك، لكنه لا يفعل، فتجد نفسك عالقاً في وضع غير آمن. أقل ما يمكن قوله، هو أن الحالة سيئة".

ويتابع جوش قائلاً "يكاد لا يوجد أي سكن مؤقت، والأسوأ من ذلك كله أنه يتجاهل فئة الشباب في الوقت الذي يكونون فيه هم أيضاً عرضةً للخطر من النظام نفسه. نحن في حاجة إلى التغيير".

أما مسؤول المجالس المحلية ديفيد رينارد والناطق باسم قطاع الإسكان في تجمع الحكومات المحلية Local Government Association  (الهيكل الوطني الذي ينظم عمل المجالس المحلية والبلديات)، فاعتبر أنه في الوقت الذي تواصل فيه المجالس البلدية العمل "بلا كلل" على إخراج الأفراد الذين ينامون في العراء من الشوارع ونقلهم إلى أماكن سكن آمنة، فإنها تشعر بقلق من خطر تزايد أعداد المشردين خلال فصل الشتاء.

وأضاف "في ظل ما تشير إليه التوجيهات الأخيرة بأن الملاجئ الليلية الجماعية متاحة فقط كملاذ أخير. تحتاج المجالس إلى توضيح مدى توافر الموارد لديها، لمنح الناس أماكن إقامة آمنة ومكتفية ذاتياً خلال فصل الشتاء".

ودعا رينارد الوزراء إلى استخدام "مراجعة الإنفاق العام" Spending Review (تجريها دورياً وزارة الخزانة البريطانية لوضع حدود ثابتة للإنفاق وتحديد المنافع الرئيسة للناس من الموارد) لمعالجة الفجوة في التمويل التي تواجه المجالس المحلية، وإلغاء شرط "عدم اللجوء إلى الأموال العامة" بشكل مؤقت، والذي يمنع آلاف الأشخاص من الحصول على دعم الرعاية الاجتماعية بسبب وضعهم القانوني كمهاجرين.

معلوم أن نحو نصف عدد الأشخاص الذين هم بلا مأوى في بعض المناطق، يطبق عليهم شرط NRPF (ممنوع من اللجوء إلى الأموال العامة) المرتبط بوضعهم كمهاجرين، ما يعني أنه - على الرغم من أن كثيرين من الذين هم في هذا الوضع يمكنهم العيش والعمل بشكل قانوني في المملكة المتحدة- فإنهم غير مؤهلين للحصول على دعم مالي أو سكني من السلطات.

ويؤكد في هذا المجال متحدث باسم "وزارة الإسكان والمجتمعات والحكم المحلي" أن "الحكومة لم تكف عن تقديم الدعم اللازم لبعض الأشخاص الأكثر ضعفاً وإيوائهم في أماكن إقامة آمنة، للمساعدة في الحفاظ على سلامتهم". مضيفاً أن "هذا العمل مستمر ولم يتوقف".

وقال أيضاً إن "الوزارة تواصل العمل مع المجالس المحلية والجمعيات الخيرية وشركاء آخرين– مدعومةً بأكثر من 700 مليون جنيه إسترليني (أ] حوالي 910 ملايين دولار أميركي) من التمويل الحكومي هذه السنة وحدها، لحماية الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع. ويشمل هذا التمويل (صندوق الطقس البارد) Cold Weather Fund الذي أنشئ حديثاً بقيمة 10 ملايين جنيه إسترليني (أي حوالي 13 مليون دولار أميركي)، والمخصص لدعم المجالس البلدية في معالجتها مشكلة المشردين هذا الشتاء، وتأمين أماكن إقامة لهؤلاء تكون مكتفية ذاتياً حيثما أمكن ذلك".

وختم بالقول "لقد أوضحنا أنه يجب استخدام الملاجئ الليلية فقط كملاذ أخير عندما يمكن أن يكون تفادي ذلك الأمر عاملاً من شأنه أن يعرض أرواحاً للخطر".

© The Independent