Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سكان الكهوف في فلسطين" المنسيون في عصر الحداثة

يعيشون في 16 قرية يطلق عليها اسم "مسافر يطا"

داخل كهف بارد على تل صغير، يعيش محمود حمامدة (56 سنة) و15 فرداً من عائلته بلا ماء، ولا كهرباء، ولا طرق، ولا هاتف، يعتاشون من عملهم في الزراعة، أو تربية الأغنام، ويمضون معظم وقتهم بالبحث عن سبل كريمة للحياة والبقاء.

هذا ليس مشهداً من فيلم سينمائي يحكي عن العصر الحجري أو الحياة البدائية للإنسان، بل هي حياة حقيقية بكل تفاصيلها يعيشها أهالي قرية "المفقرة" جنوب الخليل (أقصى جنوب الضفة الغربية)، وهي واحدة من 16 قرية فلسطينية يطلق عليها اسم "مسافر يطا"، ويعيش المئات من سكانها داخل الكهوف والتجويفات الصخرية، مفتقرين لأدنى مقومات الحياة الإنسانية، فالكهوف مهما كان حجمها، باتت ملاذهم الوحيد هرباً من السلطات الإسرائيلية، التي تلاحقهم في لقمة عيشهم، وتمنعهم من البناء والتوسع بحجة أنها منطقة إطلاق نار (عسكرية مغلقة لتدريب الجيش) وتخضع للسيطرة الإسرائيلية بالكامل .

ويقول الحمامدة "كل حياتي كانت داخل هذا الكهف، الذي يعود لأجدادي من مئات السنين، وفي كل مرة نفكر فيها بالخروج من الكهف وبناء بيوت بسيطة من طين وصفيح لإيواء أبنائنا كبقية البشر، نمنع من قبل السلطات الإسرائيلية بحجة أن الأرض خاضعة لسيطرتهم، وهدمت منازلنا عام 2011، والمولد الكهربائي الذي حصلنا عليه كمصدر وحيد للكهرباء دمر أيضاً، وبعد أن تمت مساعدتنا من مؤسسات دولية لاستبدال كرفنات (بيوت متنقلة) بالكهوف ووضعت لنا أعمدة كهرباء من منطقة مجاورة، قام الجيش بتحطيمها، في حين قام المستوطنون ببناء مستوطنة "معون وسوسية" المجاورة لكهف العائلة، ووفرت لهم كل التسهيلات من طرق وبنية تحتية، وغيرها. إسرائيل تريد لنا أن نرحل ونترك المنازل، وحتى الكهوف، لتتمكن من بناء المستوطنات والتوسع لتدريب الجيش، لكن لا يمكن لذلك أن يتحقق مهما لاحقت، ودمرت، وهدمت. تمكنوا من هدم البيوت، لكن من المستحيل أن يهدموا كهوفنا".

تطهير عرقي

وإلى جانب حمامدة، يعيش نحو 200 أسرة فلسطينية في منطقة "مسافر يطا" (جنوب الضفة الغربية) في كهوف يزيد عمر بعضها على 100 عام، وتتراوح مساحتها بين 50 و150 متراً في أحسن الأحوال، وقد يتجمع أكثر من عائلة داخل كهف واحد، فلم تعد معاناة سكان الكهوف من الفلسطينيين في "مسافر يطا" مقتصرة على حرمانهم من أساسيات الحياة الكريمة، وبناء بيوت تقيهم حرارة الصيف وبرد الشتاء، بل أصبحت إسرائيل تضيق عليهم أكثر بعرقلة وصول المساعدات اليهم أو مصادرتها.

قال فؤاد العمور عضو اللجان الشعبية لجبال جنوب الخليل "ما يجري بالفعل عملية تطهير عرقي لأكثر من 2000 نسمة، فالبيوت من الطين والصفيح هدمت، واللوائح الشمسية ومولدات الطاقة التي تم التبرع بها صودرت وسرقت من قبل الجيش، حتى باتت الكهرباء حلماً لكثير من العائلات التي قد يموت بعض أطفالها بسبب البرد الشديد".

نشطاء حماية

أضاف العمور "على الرغم من الادعاء الإسرائيلي بأن المنطقة عسكرية، فإنها شهدت تشييد نحو 10 مستوطنات جديدة منذ عام 2000، كما قامت إسرائيل بمد بنى تحتية لتزويد المياه للمستوطنات والبؤر الاستيطانية ولمشاريعها الزراعية (الحظائر والدفيئات وكروم العنب)، وتمر البنى التحتية المائية بمحاذاة القرى الفلسطينية، إلا أنها لم تصل إلى أي قرية بهذه الشبكات، حيث يعمل الفلسطينيون في المنطقة على جمع مياه المطر في الآبار، ومع ذلك كله، صدرت أوامر هدم كثير من هذه الآبار بادعاء أنها أقيمت من دون تصاريح، على الرغم من أن قسماً منها قائم منذ فترة الانتداب البريطاني".

ولفت العمور إلى أننا "قررنا كنشطاء العمل ضمن فرق تطوعية على مدار الساعة، لحماية ومساعدة الأهالي في هذه التجمعات، حيث سنقوم بترميم وإصلاح الكهوف والآبار والأراضي الزراعية، ولكن هناك إصراراً كبيراً من الأهالي والنشطاء للاستمرار حتى رجوع العائلات للسكن في البيوت، وليس القبول بالكهف كأمر واقع ووحيد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحدٍ أوروبي

في السنوات الماضية، أصبح الاتحاد الأوروبي الداعم الأساسي لسكان الكهوف في "مسافر يطا" مقدماً لهم مساكن مؤقتة، وشبكات مياه، ولوائح شمسية خدمت 3500 نسمة. ففي الوقت الذي عزمت فيه إسرائيل على منع التمويل الأوروبي للفلسطينيين في مناطق "ج"، تحدى الاتحاد الأوروبي "مشروع الضم" بتمويل مشاريع كبيرة بالضفة الغربية، بعد أن أعلن رفضه ضم إسرائيل مساحة من أراضي الضفة.

الناطق باسم الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينية شادي عثمان قال "نطالب إسرائيل دوماً، باحترام المساعدات والمشاريع التي ينفذها الاتحاد في مناطق "ج" لتوفير احتياجات السكان الأساسية، وكل ما نقدمه من مشاريع يسعى للحفاظ على الوجود الفلسطيني في تلك المناطق، وإبقاء خيار حل الدولتين قابلاً للحياة، وتشمل المشاريع بناء المدارس وطرق ومباني متعددة الأغراض، وشبكات توزيع وخزانات للمياه، وإصلاح شبكات الكهرباء، ووصلت قيمة المساعدات الإنسانية والتنموية في العامين الماضيين داخل هذه المناطق بالضفة الغربية، إلى 30 مليون يورو (نحو 35 مليون دولار)، وفي المرحلة المقبلة سنستمر بتنفيذ المشاريع وتقديم المساعدات بناءً على رؤية الاتحاد السياسية لحل الدولتين، ونعمل مع الوزارات الحكومية الفلسطينية، في إعداد الخرائط الهيكلية للتجمعات السكانية في هذه المناطق، باعتبارها الخطوة الأولى لحل إشكالية هدم المنشآت، لأن حرمان الفلسطينيين من البقاء والبناء في تلك المناطق وتنميتها، يشكل التحدي الأكبر أمام هذا الحل؛ إذ لا يزال الاتحاد الأوروبي ملتزماً بتقديم 300 مليون يورو (نحو 351 مليون دولار) سنوياً إلى الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية".

مطامع الضم

على الرغم من حيازة أصحاب تلك الكهوف ما يثبت ملكيتهم لها منذ عشرات السنين، تصر السلطات الإسرائيلية على سلخهم من المنطقة بالكامل، فبين قرارات المصادرة العسكري، والتوسع الاستيطاني، وإغلاق المناطق عسكرياً لتدريب الجيش، هناك تجمعات بأكملها مهددة بالهدم، ومئات الأشخاص مهددون بالطرد، ما يؤكد أنها مجرد ذرائع للتغطية على مطامع الضم التي تضمرها إسرائيل حسب ما يقولون.