Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"انتفاضة أكتوبر" العراقية بانتظار البطل المنقذ

أسقطت القداسة عن المراجع الدينية التي لعبت دوراً حاسماً في تأسيس نظام المحاصصة الطائفية

الشعار الأساس الذي تبنته أعداد كبيرة من المشاركين في المسيرات "أريد وطناً" (غيتي)

قبل حلول الـ 25 من أكتوبر (تشرين الأول) 2019 بأسابيع، راحت إشاعات تروج في العراق بأن حدثاً كبيراً سيقع في ذلك اليوم، ولعل البعض توقع حدوث انقلاب عسكري ينتظره كثير من العراقيين لحل البرلمان وإنهاء الحكم القائم على المحاصصة الطائفية، واسترجاع المال العام الذي سُرق بطرق شتى خلال الـ 15 عاماً الأخيرة، وإنهاء وجود الميليشيات المسلحة بضم أفرادها إلى الجيش، والبدء بإعادة البنى التحتية إلى ما كانت عليه قبل الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

وبالطبع، سيتطلب تنفيذ انقلاب عسكري ضخم من هذا النوع جنرالاً فذاً وشعبياً في آن، ولا بد من أن هذه الأمنية العامة أسقطت نفسها على أكثر من شخصية، بعضها متخيل، وبعضها الآخر ملتزم باستمرار نظام الحكم الذي أنشأه الحاكم المدني الأميركي بريمر بعد قدومه إلى بغداد في أعقاب سقوطها بيد القوات الأميركية وحلفائها.

لعلي لا أبالغ إذا قلت إن أي عسكري يطمح إلى حكم العراق عبر انقلاب ناجح سيواجه مهمات أشق كثيراً من الأعمال الخارقة للمألوف، وقوانين الطبيعة التي أنجزها البطل الإغريقي الأسطوري هرقل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أتذكر كيف أن وسائل التواصل الاجتماعي عبّرت عن هذه الرغبة الجمعية حين تسلم حيدر العبادي رئاسة الوزراء في سبتمبر (أيلول) 2014، وكانت بعض رسوم الكاريكاتور تظهره مزوداً بعضلات إضافية لتحوله بطلاً أسطورياً قادراً على تمزيق نظام المحاصصة، مثلما مزق هرقل في إحدى معجزاته "الهيدرا" ذات الرؤوس التسعة. وبالطبع لم يكن العبادي الحامل لشهادة الدكتوراه في الهندسة الكهربائية من بريطانيا، قادراً على تنفيذ أماني قطاع واسع من الشعب بين عشية وضحاها، فهو في نهاية المطاف يستند إلى خبرته السابقة كرجل أعمال ناجح في بريطانيا، وإلى ما أنجزه عبر شركته المتخصصة في إنشاء وصيانة المصاعد الكهربائية، إضافة إلى حزب الدعوة الإسلامية الذي كان أحد قيادييه البارزين لأكثر من ثلاثة عقود، حتى لو كان مختلفاً عن سلفه نوري المالكي الذي استثمر الانقسام الطائفي لتوسيع سلطاته وامتيازاته.

خلال السنوات الأربع التي تبوأ حيدر العبادي فيها منصب رئاسة الوزارة، تمكن من تحقيق هدف كان يبدو أشبه بالحلم لكثير من العراقيين، ألا وهو استرجاع الوحدة العابرة للطوائف.

فخلال حكم المالكي الذي استمر ثماني سنوات، وقعت أسوأ فتنة طائفية في تاريخ العراق الحديث بين عامي 2006 و2007، وقتل كثير من المدنيين الأبرياء غدراً على يد الميليشيات الشيعية والسنية المتحاربة، وترتب على ذلك تغلغل الخوف لدى الفرد من جيرانه الذين عاش معهم طويلاً في أمان، وتربى أطفاله مع أطفالهم من دون أي تمايز.

في تلك السنتين شهدت بغداد نزوحاً واسعاً للمدنيين حفاظاً على حياتهم وحياة أسرهم، وكانت حصة تلك الأسر المختلطة طائفياً هي الأسوأ، ففي بغداد تشكل الأخيرة أكثر من 50 في المئة من إجمالي عدد العائلات.

لذلك لم يكن غريباً على العبادي، ابن بغداد الذي تربى في وسط يستاء أبناؤه حين يُسألون عن هويتهم الطائفية، أن يصدر قراراً بهدم الجدران التي أقامها سلفه بين المناطق على أساس طائفي، وإلغاء منع التجول ليلاً.

وكم كانت مفاجأة لكثيرين بأن هذا القرار لم يترتب عليه أي تصعيد في العنف الطائفي ببغداد التي يتجاوز عدد سكانها السبعة ملايين، بل لوحظ اختفاؤه تقريباً.

عدا عن الاحتراب الطائفي، كان الإرث الذي تسلمه العبادي من سلفه هائلاً، فالوزارات تحولت إلى وحدات منفصلة عن بعضها البعض، تديرها مجموعات شبيهة بالمافيا، حيث الوزير المنتمي إلى هذه الطائفة أو تلك يحيط نفسه بأقاربه ومريديه، وعمل الوزارة ليس لخدمة المواطن، بل لتستفيد هذه المافيا لأقصى ما يمكن، عبر منح تراخيص البناء التي غالباً ما تكون زائفة، لرجال أعمال تجمعهم بهم أواصر إدارية.

إضافة إلى ذلك، تم إقصاء الضباط الأكفاء وتعيين غير الأكفاء في مواقع قيادية، كشفت المواجهات التي وقعت بين وحدات الجيش العراقي و"داعش" عدم أهليتهم لهذه المواقع.

خلال تلك السنوات الأربع، بدا العراق وكأنه يوشك أن يتوحد سكانياً، فالعبادي وبعقلية التكنوقراطي الحاذق راح يعتمد على كوادر متخصصة من دون الالتفات إلى خلفيتها الطائفية أو الاثنية، ولكن لم يكن بالإمكان تحقيق تغيير جذري خلال أربع سنوات، خصوصاً حين يكون الزعيم نفسه جاء إلى السلطة عبر الحزب الحاكم ذاته.

مع ذلك، كان نجاح العبادي في استثمار كل القوى المتوافرة لديه للانتصار على "داعش" في زمن قياسي إنجازاً تاريخياً، فقد استفاد من إيران والولايات المتحدة والحشد الشعبي والجيش العراقي، بعد إجراء تغييرات أساسية لقيادة الوحدات المحاربة لتحقيق هذا الهدف.

واستطاع خلال آخر سنتين من حكمه جذب قطاع متفتح من أعضاء حزبه إلى جانبه، وقبل انتخابات عام 2018 شكّل قائمة انتخابية تضم كثيراً من الكوادر العلمانية العابرة للطوائف، وكان على قناعة بأن إنجازاته ستضمن لقائمة "النصر" الفوز بالأغلبية، مما سيسمح له بالتغيير من داخل النظام نفسه.

غير أن ذلك لم يتحقق لعزوف أكثر من 80 في المئة من العراقيين المؤهلين عن المشاركة في الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 12 مايو (أيار) 2018، فترتب على ذلك فوز قائمة "سائرون" التي تضم التيار الصدري بقيادة مقتدى الصدر والحزب الشيوعي العراقي، وتبعته قائمة "الفتح" التي يترأسها قائد الحشد الشعبي هادي العامري، لتحتل قائمة العبادي "النصر" المركز الثالث.

كانت النتيجة الأساسية لتلك الانتخابات عودة المحاصصة الطائفية بقوة من الباب، وعودة المساومات وتوزيع المناصب على أساس ينتفع منه قادة الأحزاب وحواشيهم لا المواطن.

أريد وطناً

بعد انتظار مضنّ لوقوع شيء خارق للمألوف يوم 25 أكتوبر 2019، ويأس من بروز البطل المنقذ، بدأ بعض النشطاء والشباب العاطلين من العمل بالتجمع في ساحة التحرير وسط بغداد، وتدريجياً تحولت تلك الاجتماعات إلى اعتصامات، حيث نصبت الخيم تحت جدارية الفنان جواد سليم، "نصب الحرية"، وأصبحت تلك الساحة نقطة التقاء وتفاعل، راحت تتزايد وتنتشر في شتى المحافظات.

كان الشعار الأساس الذي تبنته أعداد كبيرة من المشاركين في المسيرات والتجمعات والاعتصامات قصيراً ومعبراً: "أريد وطناً"، وكأنهم من خلاله تجاوزوا قرناً من سيادة انتماءات أخرى على حساب الانتماء للوطن، مثل الانتماء للعشيرة أو للحزب أو للطائفة أو للقومية. ومما جعل هذه الانتفاضة مخيفة للنخبة الحاكمة، أنها وقعت في المناطق ذات الأغلبية الشيعية شبه المطلقة، وهو ما يشبه دق إسفين في دفة الحكم التي يديرها زعماء الأحزاب الطائفية منذ عام 2003، وما ترتب عليها من فرض مبدأ احتلال الوظائف في الجيش والشرطة وأجهزة الدولة على أساس نسبة كل مكون من المكونات الأساسية الثلاثة، الشيعة العرب والسنة العرب والكرد. والنسبة هي 20:20:60، وكأن هذا الشعار يعيد الحلم الذي راود فيصل الأول قبل قرن تقريباً، بصهر المكونات في أمة واحدة.

شيئاً فشيئاً اتضح للمتظاهرين الذين زاد عددهم يوماً بعد يوم أنهم لا يواجهون السلطة فقط، بل هناك سلطات أخرى تشبه تشكيلات المافيا السرية، تديرها الأحزاب التي يقود بعضها رجال دين، وهذه السلطات تمتلك سجوناً وسجانين وجلادين وقناصين.

خلال الأشهر الـ 12 الأخيرة قتل أكثر من 700 متظاهر، واختطف كثير من النشطاء، ولا أحد يعرف شيئاً عن مصيرهم حالياً، كما أصيب أكثر من 17 ألف شخص.

ولعل أهم ما حققته الانتفاضة، عدا عن تعميدها لمبدأ المواطنة بدماء كثير من المشاركين فيها على حساب الانتماء إلى العشيرة أو الطائفة، هو إسقاط القداسة عن المراجع الدينية التي لعبت دوراً حاسماً في تأسيس نظام المحاصصة الطائفية، وبالتالي فقدان الهيبة الروحية لوجوه دينية استثمرت ما ورثته من آبائها من مكانة بين الأتباع لتثبيت سلطاتها، وكسب ثروات خيالية.

الخروج من الدوامة

وبدا اختيار عادل عبدالمهدي، رئيساً للوزراء خلفاً لحيدر العبادي، انتصاراً لكل تلك الأطراف التي تضررت خلال ولاية الأخير، فهو من جانبه كان يروج إلى كسب الأطراف ذات الثقل البرلماني، مما أدى في الأخير إلى التخلص من الإرث الذي تركه العبادي له، لذلك جاءت الانتفاضة في لحظة إشكالية، فالبرلمان تسود فيه الأطراف المحافظة الطائفية بعد انسحاب الحزب الشيوعي من ائتلافه مع التيار الصدري، وفي نهاية المطاف لم يكن لديه أكثر من نائب واحد.

اليوم وبعد وصول مصطفى الكاظمي الذي صعد نجمه خلال فترة ولاية العبادي بعد تعيينه مديراً لجهاز المخابرات الوطني العراقي، تتجدد الأزمة التي واجهت الملك فيصل خلال السنوات الأولى من تشكل الدولة العراقية، حين كان عدد البنادق التي في حوزة رجال العشائر أكثر مما لدى قوات الشرطة.

أمام ميليشيات شاركت بفعالية في المعارك ضد "داعش"، وقُتل من أفرادها الكثير، وتمتلك أسلحة أكثر مما لدى الجيش العراقي، وبكفاءة لا تقل عنها، ومع فشل الكاظمي في تحقيق ما وعد به من تحقيق العدالة لأولئك الذين فقدوا أرواحهم من المدنيين المسالمين خلال سنة الانتفاضة الأولى، وعجزه عن فرض أي تغيير على الأرض لمصلحة المنتفضين، يتضح للأخيرين أن الطريق الذي سلكوه بلا منفذ، غير أن ما غيروه هو العقلية العامة، وبروز مبدأ الانتماء إلى الوطن سابقاً على أي انتماء آخر، وهذا ما يجعلهم خميرة لمستقبل واعد ما زال قائماً وراء الغيب.

المزيد من تحلیل