التسييس يضيع بوصلة قوافل الإغاثة المخصصة للسوريين

عاد نحو 1.4 مليون سوري معظمهم من النازحين داخلياً إلى ديارهم في عام 2018

مخيم الهول للنازحين في محافظة الحسكة شمال سوريا (أ. ب.)

لا تنكفئ المناشدات الإنسانية الضائعة مع ضجيج طبول الحرب السورية وأزيز الرصاص مطالبةً بتحييد المدنيين عن رحى حربٍ أرهقتهم طوال ثماني سنوات، يُنتهك فيها القانون الدولي مراراً وتكراراً، بخاصة بعد انتقال الحرب في المدن المأهولة من قتال شوارع إلى معارك عمادها الأسلحة الثقيلة سرعان ما تأزم معها الوضع الإنساني. والنتيجة هي أن نحو ثلاثة ملايين شخص في عجز دائم، بحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، و60 في المئة من عائلات اللاجئين السوريين تضم شخصاً معوقاً.

 
مؤتمرات مارس 
 
مثّلت صناديق الإغاثة الواصلة إلى مخيمات اللجوء بلسماً يداوي جسماً عليلاً تخفف عنه شيئاً من وطأة السنين القاسية، ولبث السوريون يترقبون لحظة صمتٍ لآلة القتل في بلادهم معوّلين على مؤتمر بروكسل، بنسخته الثالثة 12 مارس (آذار)، لتصل قيمة المساعدات الممنوحة للاجئين والنازحين السوريين خلاله إلى سبعة مليار دولار.
عدم تسييس المساعدات الإنسانية أبرز ما طالبت به دمشق المجتمع الدولي، للاستفادة من الأموال استعادةً للحياة السلمية. فالسلطات السورية تحتاج إلى مساعدة مالية دولية، وهي مستعدة لضمان الشفافية عند توزيعها، وفق بيان مشترك سوري وروسي، في إشارة إلى مرحلة ما قبل إعادة إعمار البلاد في المناطق الآمنة الواقعة تحت سيطرة الدولة. وهو الأمر الذي طالما رفضته الدول المانحة لترمي الكرة في ملعب الحل السياسي وتوقف الحرب.
أما منظمة مكافحة الجوع الألمانية غير الحكومية فتدير 13 مشروعاً في الأراضي السورية. لم تخف مصادر مسؤولة في المنظمة أن السلطة حاولت أحياناً تقويض عمل منظمات الإغاثة في المناطق التي لم تعد تحت سيطرتها، ولم يتم إصدار تأشيرات لموظفي المنظمات الدولية ولم تُمنحهم تراخيص عمل.
 
القمة وسوريا
 
وصولاً إلى القمة العربية المنعقدة في تونس 31 آذار (مارس)، اكتفى القادة العرب بإظهار قلقهم إزاء الأوضاع الإنسانية المتردية التي يشهدها مخيم الهول قرب  الحدود السورية العراقية، ومخيم الركبان قرب الحدود مع المملكة الأردنية.
ورحب العرب في قمتهم المنصرمة باعتماد مجلس الأمن القرار 2449  في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2018 وهو يهيب بجميع الأطراف أن يكفلوا تقديم المساعدة الإنسانية، ويطالبهم، خصوصاً السلطات السورية، بالامتثال فوراً لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ويطالب بالوصول الآمن والمستمر من دون عوائق للقوافل الإنسانية.
بيان القمة العربية اكتفى بإبراز قلق عربي تجاه أزمة إنسانية في سوريا طالب فيه الأطراف الدولية والسورية تحمّل مسؤولياتها والسماح بتأمين ممرات آمنة لإيصال المساعدات الإنسانية. ووسط هذا التخبط العربي تتفاقم الأزمات الإنسانية ولا تجد حلولاً ومعها تقتلع خيم النزوح السورية مع قسوة الأعاصير التي تجرف آخر ما يأوي إليه النازحون في مخيمات شرق بسوريا وشمالها.
 
استغاثة إنسانية 
 
في المقابل، أطلق الائتلاف السوري المعارض نداء استغاثة في 2 أبريل (نيسان) لمساعدة آلاف النازحين السوريين في مخيمات شمال سوريا، بعدما تسببت عاصفة مطرية بأضرار في خيام آلاف العائلات، في حين تحدث حقوقيون عن وفاة نحو 13 طفلاً في مخيم الهول للنازحين في منطقة شرق الفرات.
ولم تجد الأوضاع الكارثية التي يعيشها النازحون في المحافظات الشمالية حلاً بعدما تسببت السيول والفيضانات بغرق آلاف الخيام.
وعلى الرغم من جهود بعض قوى المعارضة السورية الموقّتة وفرق الدفاع المدني والمجالس المحلية، فإن الحاجة ماسة لتقديم دعم إغاثي دولي عاجل.
وسبق أن أطلقت منظمة أنقذوا الأطفال تحذيراً في 21 فبراير(شباط) من وجود أكثر من 2500 طفل من ثلاثين بلداً يعيشون في ثلاثة مخيمات للنازحين في شمال شرقي سوريا، بينهم 38 من دون عائلة، مطالبة المجتمع الدولي باتخاذ الاجراءات الضرورية لضمان أمنهم. 
 
أوروبا وروسيا  
 
ومع الدعم الإنساني وتخوف السلطة في سوريا من عمليات تسييس تفرضها عبر أجندات ضاغطة على أصحاب القرار الدولي من باب المساعدات الإنسانية ينبري الموقف الروسي الحليف الاستراتيجي لسوريا ملمحاً إلى وجود حسابات سياسية في إرسال المساعدات وتوزيعها. ولا يخفي البرلماني الروسي دميتري سابلن أن موسكو تعمل منذ عام 2014 على تقديم المساعدات الإنسانية للسوريين وخصوصاً الطبقات الفقيرة والأيتام.  
الأزمة لم تنته، هو ما خلص إليه بيان حركة ضد الجوع في سوريا والمنطقة، على الرغم من انخفاض العنف العام، ولا تزال الأعمال القتالية مستمرة كل يوم ولا تتفاءل الحركة بأن الوضع بعد توقف العنف، قد يتغير في البلاد نحو الأفضل لأن عملية إعادة البناء تستغرق زمناً طويلاً. 
 
السياسة والإغاثة 
 
ولا تكف التجاذبات السياسية بين المعارضة والموالاة، وبين دول حليفة لكل منها حتى على المستوى الإنساني. والخاسر الوحيد هو المواطن السوري وفق مصادر أهلية من الداخل السوري لا ترى بدّاً من تحييده خارج الحسابات السياسية، إذ كشفت أخيراً مصادر من الهلال الأحمر السوري عن توقف قوافل كانت أرسلتها السلطة إلى فيضانات شمال شرقي البلاد مدة من الزمن لتفرج عنها وتصل إلى هدفها في مساعدة الأهالي. 
وعاد نحو 1.4 مليون سوري، معظمهم من النازحين داخلياً، إلى ديارهم في عام 2018، على الرغم من أن الغالبية العظمى منهم وجدت نفسها بلا مأوى أو من دون خدمات صحية أو تعليمية أو أساسية للمياه والصرف الصحي. وتستقبل تركيا أكبر عدد من اللاجئين، قرابة 3.6 مليون. أما لبنان فنحو 1.5 مليون، والأردن نحو مليون، مع تدفق مئات الآلاف نحو أوروبا. ويعيش معظم اللاجئين في الدول المجاورة معتمدين على المساعدات الإغاثية والمنح الدولية.

المزيد من العالم العربي