Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عون والحريري يحصران اختيار وزراء الحكومة بهما خلافا للسابق

الراعي يهاجم "السلطة السياسية" والصدمة الإيجابية بعد الخيبة من العهد الرئاسي في سنته الرابعة تبددت

الاتصالات بين عون والحريري يومية لتذليل العقبات أمام تشكيل الحكومة في لبنان (أ ف ب)

اختتم الرئيس اللبناني ميشال عون أربع سنوات من عهده يوم السبت 31 أكتوبر (تشرين الأول) من دون أن يتمكن من أن يقدم للبنانيين ما يجعلهم يأملون بأيام أفضل من تلك العجاف التي مرت عليهم، والتي تُنبئ بمزيد من التدهور في أحوالهم الاقتصادية والمعيشية، كما لم يسبق لهم أن خبروه في أحلك الأيام التي مرت على لبنان منذ أكثر من قرن. فالبعض يشبه ما يعانونه بأيام المجاعة الكبرى التي ضربت البلد مطلع القرن الماضي إبان الحرب العالمية الأولى.

درجت العادة أن يتوجه عون إلى اللبنانيين مع مرور ذكرى انتخابه السنوية بكلمة يسهب فيها في تعداد ما يعتبره إنجازات عهده، وأن يغدق الوعود للسنة الآتية عما ينوي إنجازه. وعلى الرغم من أن ما كان يعتبره إنجازات كان معارضوه الكُثر يشككون بها، ويرون أنه ينسب لنفسه مكاسب فئوية، مثل قانون الانتخابات، لم يستفد منها اللبنانيون، فإنه أحجم هذا العام عن ذلك، نظراً إلى استحالة اعتداده بما حققه، لأن الأزمة الاقتصادية الخانقة واضحة السوء على أحوالهم، وهي استدعت انتفاضة شعبية غير مسبوقة جراء النقمة على حكمه وعلى سائر الطبقة السياسية.

آمال عون بصدمة إيجابية عبر الحكومة

فقانون الانتخاب الذي جرت على أساسه انتخابات عام 2018 النيابية، والذي توخى أن يختار المسيحيون نوابهم، رأت فيه أكثرية الأفرقاء، بما فيهم بعض الأحزاب المسيحية، مثل "الكتائب" وتيار "المردة"، نقمة على لبنان لأنه عمق الاستقطاب الطائفي، فضلاً عن تصاعد النقمة في الوسط المسيحي بما فيه قواعد حزبه الذي أسسه، أي "التيار الوطني الحر"، على التحالفات التي عقدها، وخصوصاً مع "حزب الله"، معتبرين أنها زادت من تدهور الأوضاع في البلد، وأدت إلى عزلته عن محيطه العربي وعن المجتمع الدولي بفعل إلحاق لبنان بالمحور الإيراني.

استعاض عون عن توجيه رسالة إلى اللبنانيين بلقاء مع إذاعة "صوت المدى" التابعة لـ"التيار الوطني الحر"، للمستشار الإعلامي في الرئاسة رفيق شلالا، آملاً في "أن تكون السنتان المقبلتان من عهده منتجتين، كما كانت السنوات الثلاث الأولى"، مشيراً إلى أنه على الرغم من صعوبات السنة الرابعة الماضية، فإن "هناك أولويات، ومنها الإصلاحات التي يؤمن الرئيس عون بإجرائها". ورأى شلالا أن "الجميع يريد ولادة حكومة جديدة اليوم قبل الغد، لكن الجميع يدرك أن تشكيل الحكومات في لبنان يخضع لتوازنات واعتبارات معينة"، كاشفاً عن أن "عون يبذل كل جهده لتكون الحكومة المقبلة منسجمة ومنتجة، وقادرة على مواجهة الاستحقاقات الكبيرة والتحديات، والاتصالات بينه وبين الرئيس المكلف سعد الحريري يومية لإنجازها وتذليل العقبات التي تبرز من حين إلى آخر". وأكد أن "رئيس الجمهورية يعول أهمية كبيرة على الدور الذي ستقوم به على مختلف المستويات". وعدد شلالا إنجازات أمنية واجتماعية واقتصادية في مجال مكافحة الفساد والسياسة الخارجية والتصدي لأزمة النزوح السوري وإطلاق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية. وقال "من لا يرون أي إيجابيات يريدون تجاهل الحقائق".

كان محيط عون يمني النفس، بحسب قول أحد المقربين منه، بإمكان ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة زعيم تيار "المستقبل" الحريري، من المستقلين غير الحزبيين، بالتزامن مع الذكرى السنوية الرابعة لانتخابه، لعلها تؤشر إلى صدمة إيجابية يمكنها تغيير الأحوال في السنتين الباقيتين من العهد الرئاسي، لكن التعقيدات التي تواجه إنجازها حالت دون أن ترى النور في نهاية الأسبوع.

فالجمهور اللبناني الواسع يطمح إلى حكومة بعيدة من الطبقة السياسية الحاكمة، التي يرى أنها جلبت له المصائب والديون والفقر والعوز نتيجة الهدر والفساد والزبائنية والمحاصصة في ممارسة السلطة، والتي أطلقت انتفاضة 17 أكتوبر العام الماضي.

وإعطاء الحكومة الجديدة مهمة تنفيذ الإصلاحات البنيوية العاجلة، وفق مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإنقاذية لاقتصاد لبنان ولتداعيات كارثة انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) الماضي، هي الأمل الوحيد لدى اللبنانيين. التزمها عون وسائر القوى السياسية، وحتمت وضع مواصفات لحكومة تضمن ترجمة هذه الإصلاحات عنوانها أن تكون من الاختصاصيين غير الحزبيين، بعدما حالت التجاذبات بين الأفرقاء التقليديين دون الترجمة العملية لهذه الإصلاحات.

التكتم غير المسبوق على المداولات الحكومية

على الرغم من أن الحريري كان ينوي إنجاز الحكومة في مهلة عشرة أيام، مضى 13 يوماً على تكليفه تأليفها، تميزت المداولات خلالها بأسلوب جديد من الكتمان غير المعهود في تشكيل الحكومات في لبنان، حيث كان التناحر بين الأفرقاء على المواقع الوزارية يخرج إلى العلن خلال السنوات الماضية، ليكاد "طبخ" الحكومات يتم عبر وسائل الإعلام. ومع أن عون قبل على مضض بتسمية أكثرية النواب للحريري بعدما كانت التسوية الرئاسية الشهيرة بينهما، سقطت بفعل استقالة الأخير إثر الانتفاضة الشعبية، فإن أوساطهما تؤكد تفاهمهما على أسلوب جديد في مقاربة استيلاد الحكومة الجديدة؛ ولذلك أحاط الغموض بعملية التأليف أكثر من أي مرة، وحل مكان التسريبات حول تركيبة الحكومة وشكلها، وتوزيع الحقائب فيها وأسماء الوزراء غير الحزبيين المطروحين فيها. وأخذ الرئيسان ينفيان ما يُنشر من باب التكهنات التي تناولتها وسائل الإعلام، انطلاقاً من مطالب الأفرقاء، لكنه غموض أسهم في إطلاق الاستنتاجات حول تقاسم الحصص من جهة، وأسهم في التغطية على التباينات بين الرئيسين من جهة ثانية.

وما أسهم في إطلاق التكهنات الإعلامية حول توزيع المواقع الوزارية على الأفرقاء أن تحالف حركة "أمل" و"حزب الله" أبقى على مطلبيه اللذين رفعهما مع الرئيس المكلف المعتذر السفير مصطفى أديب: الاحتفاظ بوزارة المال باستثنائها من مبدأ المداورة في الحقائب على الطوائف والأحزاب، وتسمية الوزراء الشيعة غير الحزبيين من قبلهما، وهو ما فتح الباب على تسمية سائر الأفرقاء الوزراء المستقلين المنتمين إلى طوائفهم، ولا سيما "التيار الوطني الحر". اضطر عون والحريري لنفي التسريبات في شأن توزيع الحقائب والأسماء المرشحة للوزارات، وانضم إليهما قبل يومين أمين عام "حزب الله" حسن نصر الله، مؤكداً أن ما ينشر في شأن مطالبه غير صحيح على الإطلاق، في معرض حديثه المسهب عن الحكومة، مشيراً إلى أن الأجواء معقولة من دون الإفراط في التفاؤل. كما أن "الحزب التقدمي الاشتراكي" نفى أن يكون قد طالب بحقيبة الصحة أو التربية، أو سمى من يرشح وزيراً.

خلفيات التباين حول حجم الحكومة

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع تأكيد أوساط الحريري أن ما يجري تداوله حول تقاسم الحصص الوزارية بين الأفرقاء، وإسناد هذه الوزارة أو تلك لهذا الفريق، أو ذاك، لا أساس له، وأن نوع الحكومة حين تصدر مراسيم تأليفها، سيكون بعيداً مما يجري تداوله، فإنه يتقاطع مع ما قاله المصدر المقرب من عون رافضاً الإفصاح عما اتفقا عليه. وأكثر ما أفصح عنه المعنيون في صدد شكل الحكومة، هو أن الحريري يصر على أن تكون مصغرة من 14 وزيراً، في حين يريدها عون من 20 أو 24 وزيراً، ويلتقي مع مطلب "حزب الله" في هذا الصدد، لأن الصيغة المصغرة يتمثل فيها الدروز بوزير واحد، يرجح أن يتم اختياره في شكل يرضي رئيس "الاشتراكي" وليد جنبلاط، بينما عون و"الحزب" يطلبان توسيع عدد أعضاء الحكومة من أجل توزير درزي إضافي لإرضاء حليفهما طلال أرسلان. وقد يقبل الحريري بالتوسيع إلى 18 وزيراً كحد أقصى، حيث تبقى حصة الدروز وزيراً واحداً، لكنه لم يسلم بذلك رسمياً، خشية أن يطالبه عون، ومن ورائه صهره رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، بمزيد من التوسيع. ودفع مطلب زيادة أعضاء الحكومة "الهيئة السياسية في التيار الحر" إلى إصدار بيان أمس، شدد على "ضرورة وجود وزير متخصص على رأس كل وزارة"، ما يعني اعتراضه على الصيغة المصغرة التي توجب إسناد أكثر من حقيبة لبعض الوزراء، معتبراً أن ذلك "يضرب مبدأ الاختصاص". وبدا واضحاً أن الهدف من توسيع أعضاء الحكومة هو رفع قدرة بعض الأفرقاء على تسمية عدد إضافي من الوزراء الحلفاء، لا سيما على الصعيد المسيحي من قبل عون وفريقه.

كما أن العقدة الثانية هي عدم موافقة عون على قبول الحريري بأن يستثني حقيبة المال من المداورة في الحقائب، كي يحتفظ بها الثنائي الشيعي مرة واحدة. وعلى الرغم من ذلك، فإن وثيقي الصلة بعون يشددون على سهولة معالجة هاتين العقدتين بين الرئيسين. وتفيد توقعات سياسية بأن عون سيقبل في نهاية المطاف باحتفاظ الثنائي الشيعي بوزارة المال، لكنه يطمح إلى الحصول على ثمن في المقابل كأن يدعم "حزب الله" احتفاظ مقرب منه ومن باسيل تولي حقيبة الطاقة المهمة لـ"التيار الحر".

الراعي يرفع الصوت

إلا أن التسريبات عن تسمية الأفرقاء للوزراء تحت عنوان "المستقلين غير الحزبيين"، رفعت من لهجة الانتقادات حيال طريقة تأليف الحكومة من قبل نواب حزب "القوات اللبنانية"، الذين اعتبروا أنه أسلوب لا يبشر بالخير، وحزب "الكتائب" أيضاً، لكن الاعتراض الأقوى جاء مجدداً من البطريرك الماروني بشارة الراعي حين قال في عظة السبت "على الجماعة السياسية أن تعترف بفشلها في تمثيل المواطنين وكسب ثقتهم، وفي إدارة البلاد، فتتنحى من أجل لبنان، ولو مؤقتاً، أمام فريق عمل حكومي متضامن يقود البلاد نحو طريق النهوض. وإذ ننتظر تشكيل الحكومة سريعاً، فإننا نريدها مع الشعب، حكومة اللبنانيين ولبنان، والدستور والميثاق، حكومة منكوبي انفجار مرفأ بيروت، والقدرة على الإنقاذ. وأي حكومة أخرى هي مضيعة جديدة للوقت وللوطن كما كانت الحكومات السابقة. ولست أدري ما ستكون حظوظ بقائها ونجاحها". وهاجم قائلاً "السلطة السياسية عندنا قتلت شعبها اقتصادياً ومالياً ومعيشياً، وزجت بهم في حالة من الضياع والغضب، واليأس والثورة، والهجرة"، لكن المحيطين بعون والحريري يشددون على أنهما لم يتداولا مع القيادات السياسية في اختيار الوزراء، وأنهما باشرا استعراض عديد من أسماء المرشحين من الاختصاصيين لتولي حقائب معينة من دون التشاور مع القيادات السياسية؛ إذ اتفقا على أن تصدر التسمية منهما، لا منها، على الرغم من أنهما لم يحسما بعد مسألة حجم الحكومة والتوزيع النهائي للمداورة في حقائب الخدمات، مع التفاهم على أن وزارة الداخلية ستعود إلى المسيحيين، والخارجية، أو الدفاع، لوزير سني.

وفي كل الأحوال ليس لدى المعنيين أجوبة حول توقيت إعلان الحكومة، باستثناء ما توقعه بري الأربعاء 28 أكتوبر، عن أنها ستبصر النور خلال أربعة أو خمسة أيام. فهل يصدق توقعه الاثنين في الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني)؟ أم أن رغبة رئيس الجمهورية بالحصول مع حلفائه على عدد وازن من الحقائب سيؤخرها؟
 

المزيد من متابعات