Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جاك سوستيل يميني متطرف عذب الجزائريين وأعاد الاعتبار لعلم إنساني

"أربعة شموس" دفاع عن الحضارات المظلومة أم خديعة انطلت على الفرنسيين؟

كان أول ظهور لجاك سوستيل على المسرح السياسي بعد أسابيع من اندلاع الثورة الجزائرية عام 1955 (غيتي)

ضمن إطار التقاليد المتقدمة والمغرقة في إنسانيتها، المرتبطة بعلم الإناسة الفرنسي، الذي يفخر دائماً بأنه يعد في صفوفه أسماء كبيرة مثل كلود ليفي ستروس وأندريه لوي غوران، يبرز أحياناً، اسم يثير الشكوك دائماً، ويبدو كأن مجده الحقيقي كمن في كون كتاب واحد من كتبه، قُيّض له أن يصدر ضمن إطار سلسلة "أرض البشر"، التي يشرف عليها جان مالوري، وتعد قمة في مجالها، بحيث تعطي نوعاً من ضمانة حتى أخلاقية لكل كتاب تصدره.

الاسم هو جاك سوستيل الذي ظل يفخر طوال حياته بكون واحد من كتبه الرئيسة، يقف إلى جانب كبار المؤلفات في هذا المجال. بل لا بد من القول حتى، إن القراء الذين لا يعرفون جاك سوستيل قد يتقبلون الكتاب بترحاب.

فالنص المعنون "أربعة شموس" ينتمي في نهاية الأمر إلى تلك الكتب التي تصدر بين الحين والآخر، لإعادة الاعتبار إلى حضارات المايا والآزتيك وتنعى على الغرب تدميره هذه الحضارات ونهبه خيرات القارة الأميركية اللاتينية، كحال كتاب إدواردو غاليانو الذي قدمناه قبل أيام.

الزمن الخطأ

الحقيقة، أن هذا الكتاب لو أن مؤلفه أصدره في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، لما أثار أي شكوك، ولما كنا في حاجة هنا لأن نكتب عنه من المنظور الذي سيلاحظه القارئ، منظور التساؤل عما إذا كان "أربعة شموس" كتاباً همه إعادة الاعتبار إلى الحضارات المظلومة، أو في حقيقة أمره، كتاباً مخادعاً غايته إعادة الاعتبار للمؤلف نفسه.

وهنا لا بد من توضيح أساسي، حين قام المؤلف جاك سوستيل خلال الثلث الأول من القرن العشرين بتلك الرحلات العلمية الإتنولوجية في المكسيك وغيرها من بلدان القارة اللاتينية، كان لا يزال ينشط في الصفوف الفكرية التقدمية في فرنسا، ويُرحب به في تلك الصفوف، لكنه حين أصدر كتاب ذكرياته هذا، المنطلق من تلك الرحلات متضمناً مرافعات "صاخبة" تريد رد الظلم عن الحضارات المعنية، كان قد أضحى مجرد سياسي مغضوب عليه بل فاش متطرف في فاشيته، وبدأ التاريخ يلعنه، على الرغم من العدد الكبير من الكتب التي كان يصدرها في الإتنولوجيا والسياسة والمجتمع والأيديولوجيا.

من هنا ما رآه كثر من المعلقين، أن المشكلة لا تكمن في صدور هذا الكتاب، ففاشيون كثر يفعلون ذلك عند نهايات حياتهم وينجحون في مساعيهم عند طبقات معينة من القراء.

لكن، المشكلة كمنت في أن سلسلة "أرض البشر"، هي التي أصدرت الكتاب ما مكن سوستيل من الحصول على مكانة علمية لم يكن يحلم بها، ولا يستحقها على الرغم من الكتابة الجيدة الأصيلة التي ميزت تلك الصفحات الصادقة التي دبجها!

ولنعد هنا لنطرح سؤالنا الأساسي في المجال الذي نتناوله، فمن ذا الذي كان في إمكانه تصديق أن ذلك العالم الجليل الذي مات صيف عام 1990 عن عمر يناهز الثامنة والسبعين، الذي أمضى سنوات حياته الأخيرة وهو يحاضر حول وحدة الحضارات، وفضل الشعوب المندثرة على الحضارة الحديثة، الذي تخصص على وجه الدقة في حضارات أميركا اللاتينية القديمة، كان قبل ذلك بثلاثة عقود من السنين، واحداً من غلاة المدافعين عن الاحتلال الفرنسي للجزائر، والعاملين على البطش بالشعب الجزائري.

 

 

المشكلة مع سوستيل

نعم، تلك كانت المشكلة الحقيقية مع جاك سوستيل، الذي بعيداً من قضايا العلم والعلماء ومن عالم الكتب والحضارات، كانت شهرته الأساسية خارج فرنسا قد قامت على اشتراكه في الانقلاب الشهير الذي قام به جنرالات الجزائر ضد الجنرال ديغول، يوم بدا على هذا الأخير أنه قد اتخذ قراره أخيراً بالتخلي عن استعمار فرنسا للجزائر.

ومقابل ذلك كمن الجانب الآخر من سمعته الحقيقية التي رافقته حتى آخر أيامه، في اشتهاره كعالم إناسة وضع بعض أفضل الكتب الفرنسية حول حضارات عريقة، مثل حضارة المايا وحـــضارة الآزتيك، وكلها كتب تنضح بالحنين الجارف إلى تلك الأزمنة التي سبقت وصول كريستوفر كولومبوس إلى القارة الأميركية.

كان أول ظهور لجاك سوستيل على المسرح السياسي، بشكل رسمي، في بداية 1955، بعد أسابيع قليلة من اندلاع الثورة الجزائرية، وفي وقت كانت فيه تلك الثورة قد بدأت تتجاوز إطارها المحلي الأصلي، حيث كانت قد اندلعت في الأوراس، لتصل إلى قسنطينة ومناطق القبائل.

وفي تلك الآونة بالذات عينت الحكومة الفرنسية جاك سوستيل في منصب الحاكم العام للجزائر، وكان في الثالثة والأربعين من عمره. وعرّفته الصحافة الفرنسية يومها بكونه مجازاً في الفلسـفة، ويعمل في السياسة والتدريس الجامعي في آن معاً.

فمن الناحـــية الجامعية، كان صاحب مؤلفات عدة في علم الإناسة، منها أطروحة ملفتة حول حضارة الآزتيك وسلالات الآلهة فيها. وأما من الناحية السياسية، فإنه كان منذ 1940 قد انضم إلى الجنرال ديغول في منفاه اللندني، بعد هزيمة فرنسا أمام النازيين، واحتل منصب المفوض الوطني لشؤون الإعلام.

وخلال العامين 1943 و1944 أرسله الجنرال ديغول إلى الجزائر، حيث تولى قيادة الأجهزة الخاصة. ومن ثم في 1945، شغل منصب وزير المستعمرات، وفي العام نفسه انتخب نائباً في المجلس الوطني الفرنسي، وبين 1951 و1958، بات أميناً عاماً لحزب تجمع الشعب الفرنسي الديغولي.

الجزائريون أداروا له ظهورهم

كان بيار منديس فرانس، هو الذي اختار جاك سوستيل لمنصبه الجزائري الجديد في 1955، آملاً منه أن يهدئ الأمور بإجراء بعض الإصلاحات، وهو المعروف بماضيه اليساري.

في البداية حاول سوستيل أن يكون أميناً مع فكره الخاص، فسعى إلى رسم سياسة اندماج تأخذ في الاعتبار الخصوصيات العرقية واللغوية والدينية في الجزائر (كما جاء في معظم السير والموسوعات التي تحدثت عنه)، لكنه قوبل بمعارضة شديدة من قبل فرنسيي الجزائر.

وحين التفت باحثاً عن دعم له لدى جبهة التحرير الوطني الجزائرية، قوبل باعتراض أشد، فما كان منه إلا أن بدل توجهه جذرياً، واقفاً هذه المرة ضد الجزائريين كلياً وضد إجراء أي إصلاحات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في عام 1956، وبعد مبارحته الجزائر مقالاً من قبل حكومة إدغار فور، انتخب سوستيل نائباً عن مدينة ليون، وبدأ نضاله ضد استقلال الجزائر، في الوقت ذاته الذي راح يعمل فيه لإعادة الجنرال ديغول إلى الحكم. لكن عودة الأخير لم تكن في صالحه، ومن هنا بدأ حربه ضد ديغول وضد سياسته العربية خاصة، وراح يناصر إسرائيل منشئاً "التحالف الفرنسي - الإسرائيلي".

فما كان من الحزب الديغولي إلا أن طرده من صفوفه، فبدأ يتآمر ضد الجنرال ديغول، وصار واحداً من القادة السريين للعمل المسلح ضد الجزائريين والديغوليين الفرنسيين سواء بسواء.

وأدى هذا إلى الحكم عليه بتهمة التآمر ضد أمن الدولة، لكن وجوده في الخارج أنقذه. وهناك واصل العمل ضد ديغول، كما ضد استقلال الجزائر، جامعاً حوله غلاة المتطرفين الذين كثيراً ما كانوا من أعدائه ومناوئيه كعالم، ومن أجل تعزيز العلاقات الفرنسية - الإسرائيلية، ولو على حساب العرب طبعاً.

العفو لاستئناف طموح علمي

في المقابل، أصدرت فرنسا عام 1968 عفواً عاماً عن أنصار "الجزائر فرنسية"، فكان من بينهم سوستيل الذي عاد ليتفرغ لنشاط سياسي ضد الديغولية لم يوصله بعيداً، إذ سرعان ما سئم العمل السياسي، وانصرف إلى العمل الجامعي، وبدأ يصدر كتبه الإنثروبولوجية، التي راحت تلفت الأنظار وتثير الاهتمام أكثر بكثير من سلسلة الكتب السياسية، التي أصدرها ولم تكن ذات أهمية تذكر، ومنها كتاب عن "مسيرة إسرائيل الطويلة"، و"28 عاماً من الديغولية"، و"الأمل المغدور" وغيرها.

وهو أصدر في الحقيقة عدداً كبيراً من الكتب، كان معظمها عبارة عن تحديث لكتبه القديمة، أو إعادة كتابة لمقالات سابقة وتطويلها، بحيث كان "أربعة شموس" واحداً من الكتب القليلة التي كتبها من ألفها إلى يائها في تلك المرحلة، وقد حرص على أن يجد له مكاناً في سلسلة "أرض البشر" الرفيعة، وهو يأمل أن يُنسي الكتاب تاريخه ويخلق له عذرية فكرية. ففعل جزئياً، وليس كلياً. ففي الحقيقة لا يمكن أن يهرب أحد من تاريخه مهما فعل.

المزيد من ثقافة