Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رشيد الضعيف يعتمد التخييل الحكائي في "الأميرة والخاتم"

ينتقل الروائي من العالم الواقعي المأزوم إلى السرد الأسطوري والحلمي

الروائي رشيد الضعيف (دار الساقي)

ليست المرة الأولى التي يعود فيها الروائي رشيد الضعيف إلى التراث وموضوعاته الأثيرة، نظير ما قام به في رواية "معبد ينجح في بغداد" الصادرة عام 2005، وفيها يستعيد شخصية من التراث "معبد" وهو ابن أحد الموالي في العصر العباسي الأول، وملخّص حكايته سعيه لأن يكتسب مكانته في المدينة بغداد، بعدما اكتسب أبوه "رباح"، الأسود البشرة، حريته. وظلّ الشعر وحكايات الشعراء، محور سيرة "معبد"، إلى أن نجح في ترسيخ تلك المكانة، وصار مغنّيا ذائع الصيت، بينما تتوالى أخبار الصراع بين الخليفتين الأمين والمأمون، ومعها الأناشيد والأشعار التي راح يغنيها.

وإن كانت أخبار "معبد"، أو مادة الرواية الأولى مستمدّة من مصادر تراثية معروفة، مثل "كتاب الأغاني" للأصفهاني، فإنّ النّجاح الأكيد في إعادة صوغ هذه الشخصية "معبد" ونسج حبكتها الروائية بلغة تقارب "السجلّ" العائلي والتراثي المأخوذ منه، يعود إلى الروائي رشيد الضعيف حكماً كونه أثبت قدرته على النسيج السردي عبر ذلك الخيط اللغوي المتين والبليغ، الذي قد تفتقر إليه بعض التجارب الروائية المعاصرة، لدواع مختلفة.

إذاً "الاميرة والخاتم" (دار الساقي) هي الرواية العشرون في سلسلةٍ شرعَ رشيد الضعيف في إصدارها منذ منتصف الثمانينيات، بعدما استهل مساره الأدبي بالشعر.

حكاية السحر

حكاية "الأميرة والخاتم" الخرافية والأسطورية يمكن إيجازها على النحو الآتي: تولد أميرة ساحرة من زواج ملك بامرأة تهوى العناية بالناس، وهذا الملك لطالما سعى إلى أن يكتشف المكان حيث تغيب الشمس. ولمّا توفيّت الملكة -الأمّ وقد بلغت الأميرة السادسة عشرة، ولم تنفع كل الصلوات لنجدة الملكة، انطلقت تبحث عن رجل يكون زوجاً صالحاً لها. فرأى الحكماء في المملكة أن تنام الأميرة زمناً طويلاً، حتى لا يشيخ جسدها. ومن أجل ذلك، لا بد أن يهيأ لها سرير من خشب لا يفنى، ويُقدّ لها من شجرة الخلود خاتم خشبي تهبه لخطيبها أو لمن يستحقه. وهكذا تنوّم الأميرة دهراً من الزمن، ويصير جسدها مزاراً لكثيرين يشفون من أمراضهم. ويحدث أن تحلم الأميرة في نومها، بل تحلّ فيها الرؤيا وهي عارية تماماً، وفي طريقها تعثر على رجال وجوههم في صدورهم، ويتناوب سقوط كائنات غير ملائكية من السماء، وصعودهم إليها.

 في مرحلة أخرى من الرؤيا، تتمثل في خروجها من الحلم إلى الواقع، يتوارد أن رجلاً صالحاً يسعى إليها، مع زوجته وابنته ذات الحكمة الخارقة. وإذ تلتقي الأميرة بالفتاة تعلمها، من خلال عبارات ذات دلالة سرية ("نضجت الثمار، وحان وقت القطاف. واحد واثنتان")، بلزوم أن تسعى لدى سيدة عارفة بعلم القيافة والأثر، عن "آثار الأقدام المعشوشبة" والدالة بدورها على "فارس أحلامها". فإذا به (هذا السيد المعلم) من فلسطين، يشع من عينيه "نور نادر رائع". ولدى وصولها تقول له "قد عبرت الأزمنة من أجلك. انتصرت على المستحيل من أجلك. أنت حلمي بات الآن بين يديّ. أنت المعنى. فبكى وبكتْ". أما هو فيقول لها: "أنا هنا لزرع الرجاء".

 

عندئذ، أخرجت الأميرة من يدها اليمنى خاتمها وقدمته له. ولا تلبث، بعد ذلك، أن تعود إلى زمنها، لتواصل البحث عن عريس تلقاه، وتتزوج منه. في هذه الأثناء يعاود والد الأميرة الملك مغامرته التي باشرها، في مستهل الحكاية، ويكتشف مع صحبه مشرق الشمس، بالتزامن (السردي، لا الزمني) مع إلقاء القبض على السيد المعلم في فلسطين وسوقه إلى العذاب، والبحث المتواصل عن الخاتم إلى يومنا هذا.

إنتقال مفاجئ

بالطبع، لا يحق للقارىء أن يتدخل في اختيارات الروائي أو الكاتب أياً تكن. ولكن قد يخطر له التساؤل عن الدواعي التي تحمل كاتباً ذا رؤية اجتماعية وسياسية طليعية، بل عصرية؛ (مثل اعتباره حرية الفرد أساساً وكل ما عداه، مكابدة وظلماً لا قبل له بهما)، على نحو ما تبين في رواياته المتلاحقة (المستبد، تقنيات البؤس، غفلة التراب، ناحية البراءة، وغيرها)، على صوغ رواية مستمدة عناصرها من حكايات "ألف ليلة وليلة" ومن التراث السردي والأسطوري العربي القديم، من مثل "علم قيافة الأثر وقيافة البشر" وأجواء الجان والغيلان التي تحفل بها أخبار شقّ وسطيح، مختلطة بالكلام الفلسفي على الجوهر والظلال والقرين النائم والقرين اليقظ، والذات السابحة والعقل والفاهمة، مما يتوفّر لدى ابن سينا والغزالي وغيرهما. وقد يطعّم الروائي ذلك بعبارات مستلة من التراث المسيحي (الكتاب المقدس) في كلامه على الجسد المقدس، وإشاراته الى السيد المعلم، وتبشيره في فلسطين، ووصفه إياه "يشعّ من عينيه نور نادر رائع"، وقول السيد المعلم "أنا هنا لزرع الرجاء".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يخفى استمداد الروائي رشيد الضعيف من الحكايات الشعبية الغربية، لا سيما "حكاية الأميرة النائمة" بالصيغة الشهيرة التي وضعها شارل بيرّو أواخر القرن السابع عشر، والتي يقدر لها أن تنام مدة طويلة من الزمن، بفعل إبرة مسمومة دبرتها لها إحدى قريباتها، لكنّ قبلة واحدة من فارس أحلامها كفيلة بإيقاظها من نومها المديد، وهذا هو الحاصل. أما المتغير في رواية رشيد الضعيف فهو أن من أيقظ الأميرة وأعادها "شيئاً فشيئاً إلى الحياة الدنيا" كان أنها أُشربت "عصير التفاح من جبل لبنان"، ولم يكن شاباً خارق المكانة والجمال. وقد أمكنها، بسعيها الدؤوب أن تجد هذا الشاب، وتهبه من حيويتها وقدسية جسدها ومكانتها ما لا يملك. حتى إذا حان الاحتفال بزواج الأميرة، لم يؤتَ على ذكر هذا الشاب الذي اختارته ليكون زوجاً لها، وإنما أفرد الكلام كله على "الجنون في الجماهير المحتفلة"، وبكاء النساء اللواتي "مزقن قمصانهن، وكدن أن يبيّن عن صدورهن. والعذارى حللن شعورهن، ونُحْنَ نوح الحزانى، وهن في قمة الفرح...".

جو "ألف ليلة وليلة"

والتساؤل التالي الذي يطرحه القارىء على نفسه؛ ما الداعي إلى اختيار الروائي أسلوباً يقارب "ألف ليلة وليلة"، ليس على غرار المألوف في رواياته الأخيرة، "خطأ غير مقصود"(2019) على سبيل المثال، حيث يكاد يختلط الحوار العامي بالفصحى ذات الجمل القصيرة نسبياً؟ للإجابة أقول إنّ الكاتب أراد أن يكون أسلوبه وسجلّه اللغوي ملائميْن للنصوص التراثية التي يستوحي منها، ومحاكيين البنى اللغوية التي تتشكل منها. على أي حال، فإن أسلوب الحكاية - الرواية على إيقاع خاص وبيّنٍ يتماشى مع المشاهد الاثنين والستين (62) التي انقسمت إليها الرواية، على نحو باعث على التشويق.

التساؤل الأخير، بل المهم، الذي يطرحه القارىء عن الغاية من كتابة هذه الرواية - الحكاية، أحاول الإجابة عنه بالإحالة على الكاتب الفرنسي أنطوان دي سانت إكسوبيري الذي كانت صدرت له رواية بعنوان "القلعة" بعد موته ويروي فيها كيف يبني بدوي قلعته وسط الصحراء المترامية متحدثاً عن الحب، التعلم، الخلق، الرحلات، صلات القربى، السلطة، التعاون، ومنابع الخلاص... ولما سئل، قبل موته عن الداعي الى تأليف هذه الرواية، التي كانت لا تزال مخطوطة، أجاب أنّ المسألة الوحيدة التي يعاني من غيابها كلّ منْ أراد أن يكون كاتباً هو "المعنى الروحي" لما يعيشه ويصوغه أو لما يمتنع عن كتابته في أعمال سابقة. وفي غالب ظني أن رشيد الضعيف، في ما صاغه لنا من حكاية خارجة عن الزمن المألوف، والمديني والمعاصر الذي تحيا أعماله في بحره وبرّه وتتصرف فيها شخصياتها وفق أمزجة فردية حادّة، قصد إلى المساهمة في "بناء حكمة إنسانوية" أو قلعة معانيه الروحية العصية على الزمن.

المزيد من ثقافة