Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أزمة الضواحي" تهدد السلام الاجتماعي في باريس

تمتلئ بالبطالة والعنف والتهميش وتعد موطنا للتطرف وقليلون منها غردوا خارج السرب

فتح مقتل مدرس التاريخ صامويل باتي بقطع رأسه بالقرب من العاصمة باريس كثيراً من الملفات الحساسة والملتهبة في فرنسا، يتصدرها ملف ضواحي المدن الفرنسية الذي تحوّل خلال العقود الماضية إلى قضية أساسية على صعيد أمن البلاد، مستقطبة الإعلاميين والسياسيين وعلماء الاجتماع والاقتصاد، للبحث في إشكالاتها وتحولاتها بين الأمس واليوم.

ويبدو من مقاربة كثير مما كتب عن أزمة الضواحي الفرنسية طوال عقود مضت، سواء في وسائل الإعلام أو في الكتب والأبحاث المقدمة، أن عمليات الإفقار والتهميش الحضري والاجتماعي، والصعوبات السكنية والتعليمية، وتزايد المشكلات الصحية، وتفاقم الانحراف وزيادة الأعمال غير القانونية أمر واقع في كثير من هذه الأحياء، التي تشكل حزاماً يحيط بأضخم وأعرق مدن فرنسا.

وإذ جرى التعاطي مع مسألة الضواحي باعتبارها مشكلة اجتماعية، فذلك لأنها تجسد البعد المكاني للتفاوت الاجتماعي، ولأنها أيضاً تشكك في مبدأ المساواة في ظل التنوع السكاني الحاصل. فهذه المناطق في معظمها نتاج التحولات التي طرأت على المجمعات الكبيرة التي أنشئت بواسطة التخطيط الوظيفي للمدن منذ خمسينيات وحتى سبعينيات القرن الماضي. إذ بدأت كمساكن غير مكلفة حلّت أزمات مؤقتة بالتعامل مع الهجرات والعمال، إلى أن تحولت مع الزمن إلى أزمة بحد ذاتها، يتفجر منها التطرف الذي يهدد أمن الجمهورية الفرنسية وقيمها.

الأحياء المحرومة

وبالرغم من الحصول على ما يسمى بلمحة عامة سلبية حول مسألة الضواحي أسهمت في بلورتها وسائل الإعلام المحلية، تبقى هناك حالات فردية لأشخاص غردوا خارج سرب الاستسلام للبطالة والعنف والتهميش، وهم كثر.  وفي عام 2011، نشر موقع citego.org، المتخصص في حوكمة المناطق، ملفاً عنوانه "الضواحي اليومية: تنوع المواقف"، أعده وكتبه فابيو ماتيولي الباحث في مجال الأنثروبولوجيا، محاولاً تحليل البنية الاجتماعية للضواحي وخصوصية موقعها الجغرافي.

وأشار ماتيولي، في الملف، إلى أنه لعقد من الزمان أصبح موضوع "الضواحي" مفهوماً معيارياً للتفكير الناطق بالفرنسية في القضايا والمشكلات الحضرية. إذ غالباً ما يفهم المصطلح على أنه أحد الحدود السلبية للمدينة. خصوصاً منذ أحداث 2005، واقتصر تطبيق هذه الكلمة على ما يسمى بالأحياء "الحساسة" التي هي مسرح لأعمال الشغب، التي يجب أن تواجه تركيزاً معيناً من المشكلات. ويجب ألا ننسى أن المعنى الجغرافي للمصطلح يشير إلى الأحياء المحرومة بقدر ما يشير إلى الأحياء البرجوازية والغنية للغاية، مثل فرساي. مع ذلك، عندما نتحدث عن أزمة "الضواحي" فإننا نشير فقط إلى مدن الطبقة العالية ذات الكثافة السكانية لأبناء المهاجرين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسكان الضواحي في الغالب كانوا فرنسيين لعدة أجيال، لكن معدل البطالة المرتفع فيها ووجود فرص العمل في أماكن أخرى ساعدا على إبعاد السكان الأصليين. أيضاً، جرى تشجيع هذه الصورة النمطية للضواحي من خلال مفهوم "ماركسي" ينظر إلى المساحات الهامشية خارج مراكز المدن كمساحات منعزلة، تكون بمثابة مأوى لشكل من أشكال البروليتاريا التي لن تكون قادرة على رد فعل أو تأكيد نفسها، لكنها ستكون سلبية فقط في مواجهة سلطة رأس المال.

ويلفت ماتيولي إلى أنه أولاً وقبل كل شيء، تؤثر مشكلات الضواحي في القليل جداً من الناس الذين لا يعيشون فيها. ومع ذلك، فإن هذه المناسبات النادرة حاضرة للغاية في وسائل الإعلام. وبمجرد اقترابك من تلك الضواحي، ستكتشف أن الضحايا الحقيقيين لهذه المضايقات هم ساكنوها، الذين يجب أن يعيشوا هناك 24 ساعة في اليوم وسبعة أيام في الأسبوع. على سبيل المثال، "المخدرات" عنصر حاضر للغاية في الحياة اليومية لهؤلاء السكان، سواء كانوا يتعرضون للترهيب من قبل التجار، أم هم أشخاص يتلقون كميات معينة منها ويخزنونها، أو هم من الباعة المتجولين الذين ينقلونها لكسب القليل من المال. 

ويسأل، هل هي الدولة التي تخلت عن هذه المقاطعات؟ أم السكان هم الذين يرفضون قوانين الدولة ويفضلون حل قضاياهم وفق أعراف العشيرة؟ إنها معادلة صعبة التفسير والتحليل، إذ إن غياب الدولة سبب ونتيجة في الوقت ذاته. كما يبدو من الضروري تأكيد الدور الغامض للسلطة في هذه المناطق، فمن ناحية تُخلق الضواحي، ومن ناحية أخرى تتركها لمصيرها!

ويجد ماتيولي أن حل أزمة الضواحي يكمن في ضرورة أن تتبع السياسات التخطيطية للمدن وضواحيها الانعكاسات الاجتماعية على هذه المساحات، إذ يجب إيجاد وسيلة لربط هذه المساحات ببقية أجزاء المدينة من دون محو العلاقات القائمة. "الغيتو" لا يمكن تفكيكه إلا بتآزر القوى التي تأتي من الداخل بقدر ما تأتي من المجتمع الوطني في الخارج.

 

 

البحث عن الاندماج الحقيقي

في السياق ذاته، أوضح عالم الاجتماع الفرنسي في بوابة سيبريان أفينيل، cairn.info المهتمة بنشر منشورات العلوم الإنسانية والاجتماعية باللغة الفرنسية، أن وصم الضواحي ليس حقيقة جديدة، إذ استخدم مصطلح الضاحية للمرة الأولى في القرن الـ 12 لتعيين مساحة قانونية حول المدينة يمارس عليها حق "الحظر". ومع الوقت راحت الضواحي، الأحياء خارج الأسوار، تجمَع فيها الأنشطة التي رفضتها المدينة، أولاً، وتستقبل السكان المهمشين ثانياً.

وفق المعنى نفسه، تشكلت الضواحي في النصف الأول من القرن الـ 19 في وقت التصنيع الأولي. وهكذا، كانت الضواحي الحضرية خلال هذه الفترة موضع الانبهار، والنفور يتجسد فيها معنى الخوف من الطبقات الخطرة. وتماماً مثل الضواحي الحساسة اليوم، تعتبر هذه الأحياء بمثابة الجانب الآخر من المدينة، أو بمعنى أكثر وضوحاً هي التركيز المكاني للفقر والانحراف والشعور بانعدام الأمن والبعد بين الطبقات الاجتماعية.

ويؤكد أفنيل أن الأزمة الاقتصادية التي بدأت منتصف السبعينيات، أخضعت هيكل التوظيف لتحول عميق، رافقته بطالة جماعية أثرت بالمقام الأول في الفئات النشطة من العمال، الذين كانت نسبة كبيرة منهم من غير المؤهلين تعليمياً. وتضررت هذه الأحياء بشدة من آثار تراجع التصنيع، إذ أدى الانتقال من اقتصاد السلع المادية إلى اقتصاد الخدمات، والابتكارات التكنولوجية، وتركيز الوظائف الجديدة في قطاع الخدمات، الذي يتطلب مستوى عالياً من التأهيل، إلى زيادة أخطار الاستبعاد بشكل كبير. بالتالي فإن البطالة أحد الأسباب المركزية للفصل الحضري بين المدينة والضاحية، وللتفاوت الطبقي بين الشرائح الاجتماعية، ليلقى الشباب المهاجرون أنفسهم وسط هذه الأزمة بعيدين أو محرومين من الاندماج الحقيقي.

إضافة إلى المشكلة الاقتصادية، يلفت أفنيل النظر إلى العنصرية والتمييز في تشريحه لواقع الضواحي. إنها عنصرية بناء على العرق ولون البشرة، وأحياناً تبعاً لديانة أو إثنية محددة. وهذا الشعور بالاضطهاد العنصري يتوارثه المهاجرون عن آبائهم جيلاً بعد جيل، ما يفاقم من أزمة عدم اندماجهم.

ويبين أنه ومثلما تبنى البعض منذ ثمانينيات القرن الماضي، التحليلات التي تؤكد وزن تأثيرات البطالة والفوضى الاجتماعية لتفسير سلوكيات الانسحاب والعنف وهشاشة العمل الجماعي وتدهور أشكال التضامن، وجدها آخرون مجتزأة لا تأخذ بالاعتبار عدم تجانس المواقف والخلفيات للمهاجرين وسكان الضواحي. وفي نهاية المطاف، فإن سكان الأحياء متنوعون للغاية، بحيث لا يمكنهم مشاركة نظام من المعايير والقيم الخاصة بهم.

الهرب من التهميش الاجتماعي

تقترب ثريا العلوي، في كتابها "شبكات الكتاب الإسلامي" من المناخ العام لفئات المهاجرين العرب والمسلمين في بعض ضواحي العاصمة باريس، فترى أن هذه الأحياء تصبح مع مرور الزمن بالنسبة إلى المهاجرين نوعاً من الامتداد لبلدهم الأصلي، إذ تتحول إلى مكان يهربون إليه للاختباء من التهميش الاجتماعي، بما يوفره لهم الحي من معايير تشبع حنينهم إلى الماضي. فالمشي البسيط في Barbes أو Belleville يكفي لإرضائهم.

وعلى الوجه المقابل، يشعر الأجانب بقدر أقل من "أجنبيّتهم" في الضواحي، بينما سكانها يتحدثون لغتهم ويلتقون أبناء وطنهم، ويستمعون إلى موسيقاهم، ويجدون منتجاتهم ورائحة أرضهم الأصلية، وهو ما يساعدهم في قبول المنفى. "غيتوهم" يصبح وطنهم، مدينتهم، قريتهم، ويصبحون على دراية بوضعهم كمهاجرين، يتقبلون حياتهم بشكل أفضل، ويتحملون كونهم مجتثين ومستغَلين، يتعاملون مع بعضهم بعلاقات بعضها سلمي والآخر عنيف. ويجتمعون مع بعضهم في عطلات نهاية الأسبوع بعد أسبوع شاق من العمل، ليستطيعوا بدء أسبوع آخر في مكان معزول بموقع بناء ما.

توضح العلوي، "على عكس المجتمعات الأخرى ذات الأصل الأوروبي والتقاليد اليهودية أو المسيحية مثل البولونيين والإيطاليين، الذين استقروا في وقت سابق في فرنسا، يبدو أن السكان المسلمين غير المتجانسين بعيدون من الاندماج، لأنه يحمل في داخله عوامل تهميش ثقافية ودينية. يضاف إليها ظروف أوضاعهم المهنية التي تبقيهم في قاع الهرم الاجتماعي الفرنسي. كذلك يجب تناول هذا الوضع من عامل سياسي آخر، وهو أن مسار المهاجرين ناتج من ظروف تاريخية. المهاجرون المقيمون في بعض الضواحي الباريسية مثل فولي ميريكورت وغوت دور، هم عموماً مواطنون من مستعمرات أو محميات فرنسية سابقة مثل الجزائر والمغرب وتونس ومالي والسنغال.

 

 

لماذا تُصدر الضواحي التطرف؟

خلال مقابلة أجراها موقع Le point في 19 يناير (كانون الثاني) 2015، أجاب عالم الاجتماع الفرنسي من أصل إيراني فرهاد خسروخافار، مؤلف كتاب "التطرف"، عن سؤال كيف يمكن للشباب الفرنسيين المولودين في فرنسا أن ينفذوا أسوأ الهجمات الإرهابية في البلاد منذ نصف قرن؟ فتحدث عن أن مسار الأخوين كراشي ومحمد مراح في عالم الإرهاب يتوافق مع النموذج الكلاسيكي للتطرف في فرنسا، شارحاً؛ "شاب عاش في الضواحي، كان متورطاً في الانحراف، أمضى فترة طويلة أو أقل في السجن، وينحدر من عائلة مفككة تتسم بالعنف"، مشيراً إلى أن هؤلاء الشباب "يعتنقون إسلاماً متطرفاً ليس إسلام آبائهم".

ويرى أن إسلام آبائهم شعائري تماماً، ويبدو أنه لم يؤثر فيهم، وأن هؤلاء الشباب في كثير من الأحيان لا يعرفون قراءة اللغة العربية أو القرآن. وليست لديهم ثقافة إسلامية ولا يتقنون الصلاة! علاوة على ذلك فإن هؤلاء هم أولاً وقبل كل شيء منزوعو الإسلام كلياً. هذا هو الفراغ الديني الكامل الذي يمكن للإسلاميين الراديكاليين ملؤه بسرعة، ما يعني أن مثل هؤلاء الشباب يصبحون متطرفين بسبب الجهل المفرط.

يضيف، "بعد أن جرى تجريدهم من الإسلام، يلتحق هؤلاء الشباب بظاهرة الانحراف. إنهم يسرقون ويتاجرون بالمخدرات ويشربون الخمر، ويذهبون إلى النوادي الليلية، يفعلون كل ما حرمه الإسلام. رأيناها مع محمد مراح. وبعد إدراكهم أنهم يغرقون أكثر فأكثر وأن حياتهم لم يعد لها أي معنى، فإنهم يلتقون شخصية جذابة ستعيدهم إلى الحياة".

يؤكد، أن الأمر أكثر تعقيداً مما قد يبدو عليه، "فهؤلاء الشباب مقتنعون بأن كل الأبواب موصدة في وجوههم، وأن المجتمع غاضب عليهم، وهذا غير صحيح. من الناحية الاجتماعية، يمكننا أن نرى نجاح عدد معين من شباب الضواحي. لذلك هم في عالم عقلي، حيث يبرزون بشكل مصطنع كل العيوب الاجتماعية. في مقابلة قال لي شاب: نحن حشرات في هذا المجتمع. لا هُوية لنا ولا كرامة ولا مستقبل. نعم هناك عنصرية، نعم هناك معاداة للإسلام، لكن من الخطأ القول إن كل الأبواب مغلقة".

ميزان الحكومة الفرنسية

ويقول رئيس التحالف الوطني لمسلمي فرنسا كريم إفراق، "في البداية يجب تأكيد فكرة أن الضواحي الفرنسية ليست جميعها على مستوى واحد من الانفجار والغليان، فغالبيتها تعيش حياة عادية، أمورها جيدة، ولا تعاني أي مشكلات متصلة بمسألة الدين أو التدين، في حين أن بعضها، ومع الأسف، يستحوذ عليها الفكر الإسلاموي المتطرف، وهي أزمة تعود جذورها لأكثر من 30 عاماً".

يضيف، "اليوم نحن نواجه جيلاً جديداً، أبناؤه متخمون بأفكار متطرفة ذات أيديولوجيات متشعبة. هم يعيشون وكأنهم في حال انفصام شديد، يتخبطون بين هويات متعددة، هل هم عرب؟ فرنسيون؟ أم هم مسلمون؟ الأمر الذي يدفعهم إلى قبول الأيديولوجيا المتطرفة التي يقدمها لهم الإسلام السياسي في أحسن صورة وأبهى حلة".

يجيب عن التساؤلات حول إذا ما كانت الحكومة الفرنسية هي المسؤولة عن الوضع الراهن في بعض الضواحي ذات الأغلبية الإسلامية، بقوله، "الأمر يحتاج إلى دراسة أكثر تعمقاً وأوسع نظراً، كون مثل هذا الخطاب هو ما يتبناه اليسار الفرنسي في تشريحه للواقع من أجل زرع مفاهيم، أكثرها لا أساس لها من الصحة".

يتابع، "شخصياً أبني فكرتي على مسألة بسيطة، مثلما يوجد متطرفون وأصحاب فكر مريض، يوجد في المقابل مسلمون أو مهاجرون استطاعوا أن يندمجوا في المجتمع الفرنسي، وينجحوا في دراساتهم وأعمالهم، وأن يبنوا لأنفسهم ولأهلهم حياة سعيدة".

كذلك يرى أن الحكومة الفرنسية تتعامل مع جميع مواطنيها وفق ميزان واحد، تؤكد أن جميعهم فرنسيون، ولهم ذات الحقوق والمسؤوليات، لكننا لا نستطيع أن ننكر أن بعض أفراد اليمين المتطرف أو العنصريين غير الراغبين في وجود المهاجرين وذوي الأصول غير الفرنسية، ربما تصدر عنهم تصرفات عنصرية غير لائقة، مزعجة ومثيرة للغضب. ومن دون شك، نستطيع مواجهة العنصري الفرنسي أمام القضاء على سيبل المثال، فالقانون يجرم مثل هذه التصرفات والانتهاكات اللاإنسانية وغير الأخلاقية، ليبقى الحوار أنجح وسيلة لردها.

ومما يغذي هذه المشكلة، كون بعض الشباب الفرنسي المسلم من أبناء الجيل الثالث أو الرابع، لديهم اعتقاد قوي بأن ثمة عدداً كبيراً من الفرنسيين الأصليين لا يحبونهم، ولا يرغبون في وجودهم على الأراضي الفرنسية. بالتالي هم يشعرون بنوع من الاحتقان الداخلي إزاء الآخر، لكن أليس من الطبيعي والمنطقي ألا يحب الجميع الجميع؟ بالطبع، سنواجه في الحياة، أينما كنا، بعض الذين لا يحبوننا.

أما الحل من وجهة نظر إفراق، فيكمن في أن يدرك هؤلاء الشباب الفرنسيون من ذوي الأصول المهاجرة أنهم فرنسيون رغم أنف الجميع، وأن لهم حقوقاً كما أن عليهم واجبات، ومن الضروري أن يجتهدوا من أجل أن يبنوا لأنفسهم حياة طيبة، وألا يظنوا أن السماء تمطر ذهباً، وأن عليهم أن يعتبروا ممن سبقهم من الجاليات الأخرى التي جعلت من فرنسا موطناً لها. فهل فرنسا إلا تراكمات من أجيال مختلفة عملت، كل من دائرته، على بناء الدولة الفرنسية التي جعلت من الحرية والمساواة والأخوة شعاراً مقدساً لها؟

الأيادي الخفية تشعل الفتن

ويوضح الصحافي والمحلل السياسي نزار الجليدي، أنه تاريخياً عندما نطرح قضية الضواحي الباريسية فإننا نتناول فلسفة وسياسة فرنسية انطلقت منذ سبعينيات القرن الماضي مع قدوم الوفود الأولى المهاجرة. أول الوفود جاءت في بداية الستينيات، ولم تكن هناك مشكلة حقيقية بالاندماج باعتبار أن معظم الذين جاءوا ذلك الوقت كانوا يحفظون اللغة الفرنسية، وهم من الجزائريين والتونسيين والمغاربة. ومع بداية السبعينيات كان في فرنسا ما يسمى usine، أي الشركات مثل رينو وبيجو وسيتروين، وما يعبر عنه المهاجرون المغاربة بكلمة "وزينة" التي هي اشتقاق للكلمة الفرنسية aseil، وتعني اللجوء. هنا بدأ التفكير بعمليات بناء أكواخ قرب كل المعامل التي كانت منتشرة ما وراء حزام باريس، ليسكن فيها العمال الوافدون. وفي الحقيقة عاش هؤلاء بين عام 1972 وحتى 1980 ظروفاً صعبة للغاية، اجتماعياً واقتصادياً نكاد نطلق عليها "عيشة الدرك السفلي". ومع بداية التسعينيات وامتداد الفكر اليميني المتطرف، اتخذ اليسار الفرنسي سياسة تأسيس ما يسمى بالسكن الاجتماعي، الذي أصبح بمثابة "غيتو" يجتمع فيه كل المهاجرين، الأمر الذي ولّد تمييزاً بين الفرنسيين، بين من هم داخل الحزام، ومن هم خارجه.

 


ويجزم الجليدي بأن اليسار يتحمل مسؤولية كبيرة جداً في أزمة الضواحي الفرنسية، بسبب ما اتخذه من سياسات خاطئة في شؤون السكن والتوطين والإقامة، معتمداً على المبدأ الديمغرافي وحده. ثم مع قدوم نيكولا ساركوزي انطلقت العملية التي ولّدت الانفجار الذي نشهده اليوم في 2020، كونه سنّ كثيراً من القوانين الرادعة للمهاجرين والمجحفة في حقهم، وما بعد ساركوزي انطلقت الجمعيات الدينية والقرآنية وغيرها من تلك التي جاءت تحت عنوان حقوق الإنسان وحرية التعبير، وهو ما أدى إلى شرخ كبير في فرنسا.

يضيف، "الشباب المهاجر أو المسلم في المجتمع الفرنسي اليوم، لا يتقاسم ذات الهموم والمشكلات مع غيره من أقرانهم ذوي الأصول الفرنسية. على سبيل المثال، لم يشاركوا في تظاهرات السترات الصفراء التي اجتاحت المدن الفرنسية العام الماضي، إذ إن لهم مشكلات اجتماعية أخرى بدأت تخرج إلى العلن". ولم يخفِ الجليدي أن هناك أيادي خفية تريد أن تحرك الضواحي وتلامس الجانب العقائدي في إشعال الفتن وزيادة التوتر والاحتقان. وفي المقابل، ترد الحكومة الفرنسية برسائل عدة تؤكد أنها دولة حريات ولا يمكن قمعها.

ويختم حديثه بتأكيده أن ضواحي فرنسا ستظل جرحاً نازفاً، خصوصاً في المنطقة الباريسية والمدن الكبرى مثل مارسيليا وليون ونيس، لأنه حتى اللحظة لم تنجح الديمقراطية الفرنسية المبنية على أحزاب بلدية في حسم مسألة التمييز والتفرقة بين الفئات الاجتماعية المتنوعة، التي هي نسيج المجتمع الفرنسي في المدينة وضواحيها.

كيف تناول الإعلام الفرنسي "أزمة الضواحي"؟

منذ سنوات مضت، تناولت وسائل الإعلام الفرنسية بكل توجهاتها قضية "الضواحي الفرنسية" من جوانب عدة، فرصدت أنواعها وسلطت الضوء على "الحساسة" منها، حتى إنها متهمة بتكريس صورة نمطية سلبية لتلك الأحياء المترامية على أطراف مدن فرنسا الكبرى. وتراوحت البرامج والمقالات في أساليبها بين الذاتية والموضوعية، حتى إن كثيراً منها رصد بعد تجربة شخصية من الصحافي نفسه، وفي هذا الإطار نذكر ما كتبه مانون كويرويل برونيل في Le Figaro في 23 مارس (آذار) 2018، عن تجربته بالذهاب إلى مدينة سين سان دوني، الواقعة في الضاحية الشمالية لباريس، "عليك فقط عبور الجسر لتعرف أنك في مغامرة بالفعل. على بعد أقل من عشرة كيلومترات من العاصمة يوجد عالم آخر، قريب وبعيد. برموزه وقواعده وقيمه".

بعدها يصف في مقالته التي أخذت صيغة القصة الصحافية، بعض أبواب تلك المدينة التي كانت ستبقى مغلقة أمامه، لولا أنه استعان بأحد سكانها الذي يعرفه منذ عشر سنوات. فهما الاثنان كانا يرغبان في كشف أسرار الحياة على الضفة المقابلة لباريس، بعيداً عن الأفكار المنمّطة والأحكام المسبقة. وما وجده كان مزيجاً من حياة العلن والخفاء، عالم يحكمه التهميش والفقر والبطالة، وتستحكمه القوانين الدينية الصارمة، من دون أن يخلو الأمر من سيطرة المخدرات والبلطجة.

وفي حوار مع غرب فرنسا oeust france في 22 مايو (أيار) 2018، صرّحت عضو المجلس الرئاسي للمدن ومؤسّسة جمعية Zonzon 93 لاتيتيا نونون، التي جرى تنصيبها رسمياً في التاريخ ذاته، أن العيش في الضواحي بمثابة العيش في بيئة معادية. فهي تتصف بالهشاشة، وإذا كان لديك أطفال فإن الأولوية في أثناء تربيتك لهم هي التأكد من أنهم في المنزل، أو أن تنقلهم إلى مكان أكثر أمناً خارج الضاحية. لا تتركهم عند المبنى، ولا تتركهم يعتقدون أن حياتهم مرتبطة أو ستكون يوماً ما مثلما يعيش الناس بالجوار.

وفي تحقيق نشرته ليبراسيون L’ibration  بتاريخ 10 يوليو (تموز) 2017 تحت عنوان "خمسة شباب يتحدثون عن ضواحيهم دون كليشيهات"، تقول فرح (22 عاماً)، وهي طالبة في ضاحية "سين سان دينيه" عندما سألت نفسها ما الذي تتوقعه من رئيس الجمهورية؟ فكرت في ضاحيتها، وأرادت أن يدرك أن بعض ما يحدث في شوارعها التي لم يزرها أبداً، ليست مجرد حوادث ضرب أو إهانات، فهناك تاريخ أمة بأكملها ولطالما ولدت الحروب الكبرى من الأمور الصغيرة. وأضافت، "في ضواحينا يتمتع كثير من الشباب بعدد من الإمكانات التي تدفعهم نحو الازدهار، ومع ذلك، فهم أحياناً على وشك الانفجار من دون أن يعرفوا كيف، ومن دون أن يجدوا الأدوات المناسبة لإنقاذ أنفسهم".

ويقول جون (26 عاماً)، "أعيش في أولناي سو بوا، في سين سان دوني، وهي مدينة تميل وسائل الإعلام بشكل مؤسف إلى تقديم فكرة سيئة عنها، فقاموا بتنميطها، ونسوا أن الأشخاص النزيهين يعيشون هناك أيضاً. أنا أحب جيراني الذين منحوني قيم الاحترام والتنوع، وقبل كل شيء التسامح. لقد علمتني هذه القيم الثلاث تقدير الاختلاف".

من المؤكد أن ملف الضواحي الفرنسية لن يغلق بسهولة هذه الفترة، وسيبقى مفتوحاً يحتمل الكثير والكثير من التحليلات والتأويلات ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية التي ستصب أولاً وأخيراً في ممارسات سياسية، لكن على أرض الواقع ما زال الفرنسيون على اختلاف آرائهم ينتظرون حلولاً جذرية تربط الضواحي بالمدن الفرنسية، وتؤمن الاندماج الحقيقي بين مجتمعيهما، تحت قيم الحرية والمساواة والأخوة التي تشكل جوهر فرنسا في الماضي والحاضر.