Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زخم الانتخابات النيابية في مصر يرفع شعار "الناخبون رايح جاي"

قرار العزوف يقابله المشاركة تأصيلاً لعودة مفهوم "نائب الخدمات"

ناخبات في طريقهن للإدلاء بأصواتهن في انتخابات مجلس النواب المصري   (أ ف ب)

وسط إجراءات أمنية مشددة، ومعها احترازات صحية مؤكدة، وفي أقوال أخرى وسط دعوات مكثفة لأداء الواجب، وإرضاء الضمير، وفي أقوال ثالثة وسط خفوت الاهتمامات السياسية للبعض، انطلقت المرحلة الأولى من الانتخابات النيابية الثالثة منذ اندلاع أحداث يناير (كانون الثاني) 2011.

"رايح جاي"

الناخبون المصريون الذين حصلوا على لقب "ناخبين رايح جاي" بعدما تواترت الانتخابات النيابية والرئاسية، ثم مجلس الشيوخ على مدار عقد مضى من التغيرات والتحولات، يجدون أنفسهم في الانتخابات الحالية مجدداً. مصطفى الوردي، موظف يبلغ من العمر 48 عاماً، أحد القلائل الذين ما زالوا يحرصون على شراء جريدة ورقية يومية. يتصفح جريدته بهدوء متحولاً من العناوين الرئيسة في الصفحة الأولى سريعاً إلى التمعن بالداخل، حيث تحقيق عن أسعار الألبان، ومنه إلى تحليل مباراة "أستون فيلا"، و"ليدز يونايتد" في الدوري الإنجليزي، ثم يختتم الجولة بأخبار الصفحة الأخيرة المتنوعة من كشوف أثرية إلى أزياء عصرية، وما تيسر من متابعات فيروسية جديدة.

يقول إن عينيه التقطتا متابعات الجولة الأولى من الانتخابات النيابية، لكن عقله وقلبه أثنياه عن التوقف عندها، ويبرر ذلك بقوله، إنه لم يكن يوماً مهتماً بالسياسة من منظور المشاركة. يضيف "أتابع أخبارها (السياسة) من باب العلم بالشيء. وحرصت على المشاركة في أغلب الاستحقاقات الانتخابية التي جرت منذ 2011، وحتى الانتخابات النيابية في عام 2015. أما ما يجري بعد ذلك، فهو لا يعنيني كثيراً؛ فمشاركتي فيما سبق من انتخابات كانت بدافع رغبتي بالمشاركة في إنقاذ البلد تارة، واعتقادي أن صوتي يصنع فارقاً تارة أخرى. أما الآن، فالوضع بات مستقراً، ولا يحتاج إلى تحركات منِّي، وهذه ميزة الاستقرار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ظلال الاستقرار

الاستقرار بمعانيه المختلفة يُلقي بظلاله الوارفة على أبواب اللجان الانتخابية، فهذا ظل صحي، حيث كمامات توزع بالمجان للناخبين مع زجاجات مياه معدنية، وذاك ظل وطني، حيث أعلام مصرية صغيرة مع علب عصير كبيرة. ولا يخلو الأمر من ظلال تعريفية بالمرشحين الكثيرين الذين ملأت صورهم الفردية والجماعية الشوارع الرئيسة والميادين مع الإبقاء على الشوارع الفرعية منزوعة الظلال الانتخابية.

لكنَّ الظل الأكبر يبقى قائماً، وهو النسبة الأكبر من الكم المذهل من اللوحات الإعلانية والترويجية لـ4006 مرشحين للمقاعد الفردية، والـ1136 مرشحاً بالقوائم الانتخابية والمتنافسين على 568 مقعداً نيابياً (بالإضافة إلى 28 عضواً يتم تعيينهم من قبل الرئيس المصري)، ما زالت مهيمنة على الشوارع، ومعها جهود ترويجية وترويحية لمرشحين بأعينهم، وقوائم محددة، وعلى الرغم من التحذيرات الكثيرة التي أطلقتها الهيئة الوطنية للانتخابات طيلة الأيام القليلة الماضية، التي نبهت المرشحين ومؤيديهم من خرق الضوابط الخاصة بالدعاية الانتخابية، مع الإشارة إلى شطب المرشح الذي يثبت خرقه، أو حملته الانتخابية للضوابط، إلا أن الخرق استمر، ولكن دون صخب.

صخب الأغاني

الصخب الصادر عن مكبرات الصوت المثبتة أعلى محل تجاري في حي السيدة زينب (جنوب القاهرة)، والمواجه للجنة انتخابية، تمثل في بث سلسلة من الأغاني الوطنية الحديثة التي صدر جميعها في أعقاب أحداث يونيو (حزيران) 2013. الإيقاع المرح والسريع للأغاني دفع مجموعة من المارة من عمَّال اليومية من الشباب إلى الرقص والتصفيق، لكن ما أفسد المشهد المبهج هو توقف أحدهم ليسأل صاحب المحل عن سبب البث، وحين قيل له إنها الانتخابات، قال بعفوية شديدة "واحنا مالنا ومال انتخابات أميركا؟" (لا علاقة لنا بالانتخابات الأميركية). وكم كانت دهشته حين عرف أن انتخابات نيابية تجري على مرمى حجر واحد منه.

أحجار الحراك السياسي الشعبي التي حرَّكت مياه المشاركة السياسية الشعبية الراكدة عقب أحداث يناير 2011 لم تعُد متوافرة. والأسباب كما يحللها الشارع المصري نفسه، تشرح نفسها، وتعبر عن نبضه، وتعكس فكره. فبين نظرية الاستقرار، حيث نظام سياسي قائم، وعودة إلى دولة المؤسسات بحلوها ومُرّها التي تجعل البعض ممتناً للهدوء وراضٍ بالمكتوب، ونظرية الاستقرار بمعنى العودة إلى صفوف المشاهدين والمتابعين عن بُعد، سواء من على الكنبة، أو من الناصية، أو المقهى، ونظرية الاستقرار، حيث الشعور بالإنهاك لكثرة الأحداث والتغيرات والتقلبات التي حدثت خلال السنوات العشر الماضية، يهيمن على البعض واعتبار الانتخابات شأناً لا علاقة له به.

 

 

كبار السن

لكن تظل هناك استثناءات. كبار السن حاضرون برؤى العين. أمجد فتحي، موظف متقاعد يبلغ من العمر 70 عاماً، وصل إلى لجنته الانتخابية قبل فتح الأبواب بساعة كاملة. جلس على المقعد المخصص لأمين الشرطة، وظل يتابع الأوراق الكثيرة التي يحملها. وبسؤاله عنها قال "الموضوع معقد وصعب بعض الشيء. قوائم مغلقة، ونظام فردي، وأسماء لم أسمع عنها من قبل. وعلى الرغم من أنني أذاكر الأسماء، وأتابع البرامج لفهم الحكاية منذ أسبوع، لكن تذكرة أخيرة لا تضر"، لكن أضراراً من نوع آخر تحدث على مدار الساعة على متن صفحات "فيسبوك"، حيث كانت الجهود مُستعرة ومحاولات اللحظة الأخيرة لجذب صوت هنا لمرشح ما أو إثناء صوت هناك عن قائمة بعينها. صفحات اتحادات الملاك وقاطني المدن الجديدة ومجموعات "واتساب" المختلفة متخمة بصور مرشحين وبرامج انتخابية سمة أغلبها التطابق الشديد والعمومية المفرطة.

الإفراط في الوعود

"الإفراط في الوعود، والمُبالغة بالخطط والمحاور في برامج المرشحين والجديرة بأن تكون برنامج عمل لنظام سياسي في دولة كبرى، وليس لمرشح نيابي، تؤدي حتماً إلى العزوف عن المشاركة الانتخابية"، حسبما تقول منة الله سعيد، مهندسة، تبلغ من العمر 28 عاماً. تضيف، أنها اتخذت قرارها بعدم المشاركة في الجولة الأولى حين تصفحت البرامج الانتخابية لعدد من المرشحين في دائرتها بأحد التجمعات السكنية الجديدة على مشارف القاهرة.

أوضحت "فوجئت بأن البرنامج الانتخابي لأحدهم هو: محاور التعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد، والإدارة المحلية، والشباب، والخدمات. حاولت أن أصل إلى فكره، أو خططه للتعامل مع هذه الملفات الكبرى، فلم أجد كلمة واحدة شارحة. انتقلت لمرشح آخر، فلم يكن الوضع أفضل كثيراً. وجدته يتحدث عن تصويب الأداء السياسي، وتشجيع الإدلاء بالرأي في القضايا ذات البُعد السياسي. وهنا قررت عدم المشاركة".

قرار العزوف يقابله قرار المشاركة تأصيلاً لعودة مفهوم "نائب الخدمات"؛ المفهوم الكلاسيكي الذي يعتقد قطاع عريض من المصريين أنه جزء لا يتجزأ من مهمة النائب الجيد، الذي نما وترعرع في عهد الرئيس الأسبق الراحل محمد حسني مبارك، يعود بقوة في الانتخابات الحالية.

الناخبة صباح محمد، 41 عاماً، نزلت من بيتها مسلحة بهويتها الشخصية وورقة مكتوب عليها الأسماء التي ستبحث عنها في بطاقتي الانتخاب القوائم والفردي. وعندما سألناها عما تبحث عنه فيمن يمثلها بمجلس النواب، قالت بثقة شديدة "أبحث عن النائب المحترم الذي يخدم أبناء دائرته. يسعى في طلبات النقل من المدارس وشكاوى التموين وفرص التعيين ومعاشات الغلابة. أليست هذه هي مهام النائب الشاطر؟".

نائب الخدمات

مفهوم النائب الشاطر الذي يُسدي الخدمات لأبناء وبنات الدائرة يعود بقوة بعدما تعرض لمحاولات إزاحة وإزالة في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) 2011، ظناً من البعض أن هذا هو ما يريده الشعب الغاضب. ويبدو أن هذه العودة لا تلقى الكثير من المقاومة، أو الممانعة شعبياً، وإلا لما ضمن أحد المرشحين محوراً خدمياً صريحاً في برنامجه. يحتوي المحور على مبادئ عامة، حيث محاربة الفساد والدفاع عن المظلومين والمنتهكة حقوقهم، مع الإشارة إلى مبدأ "النائب المؤسسة بديلاً عن النائب الفرد"، حيث يقوم فريق عمل النائب بتجميع الملفات الخدمية في مجالات التعليم والصحة والشباب والرياضة والمرأة والأسرة وغيرها للنظر فيها وإنجازها.

 

 

عصف ذهني

الإنجاز الكبير الذي تطلب الكثير من العصف الذهني والتبادل المعلوماتي مع الاستعانة بإمكانات "غوغل" على الهواتف المحمولة بين الحين والآخر أسفر عن توصل مجموعة من الشباب والشابات في أحد المقاهي صباح اليوم الأول من الاستحقاق الانتخابي لأسماء أربعة أحزاب سياسية من مجموع 36 حزباً مشاركة في الانتخابات، وهي: الوفد ومستقبل وطن والحزب المصري الديمقراطي (وإن أغفلوا كلمة الاجتماعي) وحزب الجمهوري (وفاتتهم كلمة الشعب) وحزب التجمع. ولم تحسب بالطبع إجابتهم الخامسة "الحزب الوطني الديمقراطي" حزب "الأغلبية" طيلة سنوات حكم الرئيس الأسبق الراحل مبارك إجابة صحيحة، إذ تم حله في عام 2011 بقرار من المحكمة الإدارية العليا وتصفية ممتلكاته وردها إلى خزينة الدولة.

وعلى الرغم من عدم الإعلان الرسمي عن تكلفة تقديرية للانتخابات النيابية الحالية، فإن الكاتب الصحافي عماد الدين حسين كان قد أشار قبل أشهر إلى أن متوسط تكلفة عقد الانتخابات تبلغ نحو مليار ونصف المليار جنيه مصري (96 مليون دولار أميركي) في المتوسط.

مرشح "الغلابة"

الطريف أن عدداً من المرشحين أعطوا لأنفسهم لقب "مرشح الغلابة"، أحد أبرز وأشهر الأبواب في مواسم الانتخابات، التي لم تفقد بعد زخمها كله. فإذا كانت أعداد غفيرة من الناخبين ممن لهم حق التصويت ويقدر عددهم بنحو 63 مليون مصري ومصرية، بحسب الهيئة الوطنية للانتخابات، قد عادت أدراجها إلى حزب الأغلبية "الكنبة"، فإن كثيرين يلهثون للتأكد من جدية تطبيق ما أعلنه رئيس الهيئة المستشار إبراهيم لاشين من فرض غرامة قيمتها 500 جنيه مصري (32 دولاراً) على الناخبين الذين يتخلفون عن الإدلاء بأصواتهم دون عذر، وذلك بناءً على نصوص قانون مباشرة الحقوق السياسية، مع البحث عن ماهية الأعذار المقبولة.

يشار إلى أن نسبة الحضور في انتخابات مجلس الشيوخ التي أقيمت بأجواء مشابهة في أغسطس (آب) الماضي بلغت 14.23 في المئة فقط، بواقع نحو تسعة ملايين ناخب من مجموع 63 مليون ناخب.