Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ميديا" بيرم التونسي تعود للانتقام من طليقها على نهر دجلة

دراما مأساوية تناقلها المسرح العالمي منذ الإغريق وقدمتها القاهرة في الثلاثينيات

شخصية ميديا كما أدتها الممثلة سيبيل تورندايك (غيتي)

هزت مقاطع الفيديو المنتشرة لامرأة عراقية تلقي ابنيها، أحدهما في الثانية من عمره والآخر في الثالثة، من فوق جسر "الأئمة" على نهر دجلة، مشاعر جمهور كبير، فعاطفة الأمومة واحدة من أقوى العواطف الغرائزية التي تتشاركها الكائنات الحية. فالأم قد تضحي بنفسها في سبيل إنقاذ أبنائها وصونهم من أي خطر. لذا تعد أسطورة "ميديا" الإغريقية التي عالجها في القرن الرابع قبل الميلاد يوربيدس مسرحياً، من أقوى التراجيديات التي عرفتها الإنسانية. ومن وقتها لم تتوقف المعالجات لهذه الأسطورة محاولة أن تقدم في كل مرة تفسيراً للأسباب التي تدفع أماً لأن تقتل ابنيها انتقاماً من طليقها. تلك الأسطورة التي ذكرها هوميروس في "الأوديسة" تحولت إلى قصة واقعية حدثت بالفعل في العراق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأسطورة التي أول من استلهمها يوربيدس، ثم الروماني سينكا الذي اتصفت معالجته بالدموية والقسوة على عكس يوربيدس الذي اهتم بتصوير مشاعر ميديا والمرأة عموماً وتناقضاتها، وصولاً إلى كثير من الكتاب الغربيين الذين توالوا على استيحائها، فإلى  الشاعر المصري بيرم التونسي في مسرحيته الشعرية العامية "عقيلة"، التي مثلتها فرقة فاطمة رشدي في الثلاثينيات من القرن الماضي، من إخراج عزيز عيد، وكان كتبها في منفاه في فرنسا. وقد تهمنا معالجة بيرم التونسي لأسطورة "ميديا" لأنها تبدو في تعريبها قريبة الشبه مما فعلته السيدة العراقية مع ولديها الطفلين، كما أنه يمكن إسقاط الكثير من أحداثها على المأساة الحديثة التي فقدت أسطوريتها وأصبحت بنت الواقع وبنت الحقيقة التي لا جدال فيها.

الانتقام القاسي

قام بيرم التونسي بمعالجة أسطورة "ميديا"، وأجرى عليها بعض التغييرات الشكلية، التي لم تؤثر كثيراً في مضمون المسرحية، من تعريب أسماء أبطال المسرحية، فميديا أصبحت "عقيلة". وقام بيرم بتعريب الجو العام للمسرحية، فيظهر فيها الضريح، والشيخ فراج الولي الحكيم الذي أضافه إلى النص، كما أنه أنهى المسرحية بمواجهة بين ضرغام وعقيلة، بعد أن قتلت أولادها، بينما في الأسطورة تركب ميديا عربة طائرة. هذا الجو العربي الخالص، يتضح من بداية الوصف في المسرحية.

تعد مسرحية "عقيلة" من أكثر مسرحيات بيرم التونسي غنائية، وقد يرجع سبب ذلك إلى المصدر الذي اقتبست منها، بحيث كان يوربيديس يجتهد في تصوير المشاعر الإنسانية، بعد أن كان الكتّاب السابقون له يعطون الصدارة للقيم الدينية، والتغني بعدالة الآلهة، ولذا حظيت النساء بمساحة أكبر في أعماله التي وجد فيهن مادة خصبة للعواطف، والمشاعر، والانفعالات الإنسانية، التي تصل إلى أقصى درجات الحدة. فإذا كان مصدر المسرحية غنائياً بذاته، يبحث في المشاعر، فمن الطبيعي أن تكون هذه المسرحية حين تعرب مسرحية غنائية الطابع. والغنائية نابعة من حب عقيلة لضرغام، وعذابها من تركه لها بعد كل ما قدمته له، وتفكيرها في الانتقام منه، ومن الفتاة التي أحبها عليها.

وتمثل عقيلة الشخصية المحورية في المسرحية ، وعنوانها يؤكد أيضاً محورتيها. ولا تحدد المسرحية الكثير من الملامح الجسمانية لهذه الشخصية، بينما يظهر الجانب الاجتماعي موجوداً في الحديث الذي يدور بينها وبين ثريا، في تحسرها على ما فعلته في أهلها - وهي بنت ملوك- من أجل حبيبها الذي تركها للجوع، هي وأبناؤها. وتركز المسرحية كثيراً على الجانب النفسي لعقيلة، وما يعتريها من حزن، وحب، ورغبة في الانتقام، والقتل، وتذبذب في المشاعر الذي نراه في المشهد الذي تعامل أولادها بغلظة؛ لأنهم أبناء ضرغام، ثم تعود إلى مشاعر الأم الحقيقية وتحضنهم.

تنمو شخصية عقيلة وتتطور مع الأحداث، فما أن تعلم أن حبيبها ضرغام سوف يتزوج ثريا، وأنه قام بتطليقها، تقرر الانتقام من الاثنين. فتقوم بقتل ثريا، وقتل طفليها نكاية في ضرغام. تمتلك شخصية عقيلة من قوة الإرادة ما يجعلها تضحي بكل نفيس من أجل رغباتها، سواء في الحب بقتل أبيها وأخيها، أو الانتقام بقتل ولديها وثريا التي أراد ضرغام أن يتزوجها.

يرتفع نسق الغنائية لدى عقيلة وهي تتحدث مع ثريا، شارحة لها عمق التجربة المريرة التي تعيشها، بحوار يشبه العودة، يكشف عن مدى الألم الذي تعانيه هذه الشخصية. وتظهر الغنائية في المشهد الرابع لدى عقيلة، التي تبين مشاعرها الحائرة بين حبها لابنيها، وكرههم في الوقت نفسه؛ لأنهم بذرة ضرغام الخائن (ص86- 88).

الصراع النفسي

أغلب الصراع الذي يدور داخل المسرحية هو صراع نفسي جراء تفكير عقيلة في الانتقام، وكثرة هذه الصراعات داخل النص أفادت الحدث المسرحي، والصراع الرئيس فيها. ففي الصراع بين ضرغام وأبو فراج، تكشفت حقائق وصفات واختلافات بين الشخصيتين. والصراع النفسي داخل عقيلة كشف عن مدى معاناتها، والصراع بين ثريا وعقيلة، كشف عن مدى الظلم الواقع عليهما من دون ذنب من أيهما في ذلك.

ويبدأ الفصل الأول ببحث عقيلة عن زوجها، وما إن تدخل مدينة حتى تذهب إلى مقام أحد الشيوخ فيها، وهناك تلتقي بثريا التي تعرف أنها هي التي سيتزوجها ضرغام زوجها. وفي هذا المشهد يحدث التعرف والتحول، فبعد أن كانت عقيلة وثريا شخصيتين متناغمتين، تحكي كل منهما للأخرى عن مشكلاتها وتخوفاتها وتتعاطفان الواحدة مع الاخرى، يحدث تحول في تلك العلاقة إلى النقيض بعد التعرف. وما إن يعرف ضرغام بوجود زوجته في المدينة، يقوم بتطليقها ومحاولة أخذ الطفلين منها، متناسياً كل ما فعلته من أجله من تضحيات، وهو ما يوصل الصراع  إلى قمته داخل المسرحية.

وفي الفصل الثالث يتطور الصراع فيأتي القرار من الملك المظفر بطرد عقيلة من المدينة، وأخذ ابنيها منها، وهو ما يمثل أزمة في الصراع لدى عقيلة، التي تقف الظروف في غير صالحها. فحتى الشعب يريد الفتك بعقيلة، ليصل بذلك الصراع إلى قمة أخرى، عندما تقوم عقيلة بقتل ثريا عن طريق ثوب مسموم، فيهجم الشعب على عقيلة انتقاماً من قتلها لثريا، فتقتل طفليها وتتهم ضرغام بقتلهما، كحل لهذا الصراع.

عدم نجاح مصري

لعل الصراع في مسرحية عقيلة، قد يكون السبب في إهمال النقاد لهذه المسرحية وعدم تحقيقها نجاحاً حينما عرضتها فرقة فاطمة رشدي، في إخراج عزيز عيد عام 1931. فهذا الصراع لا يتلاءم مع الذائقة العربية، ولم تفلح التغيرات التي أجراها بيرم التونسي، ومحاولته تعريب أسطورة ميديا، في محو صلتها بالأصل الإغريقي كما نجح في تمصيره لمسرحية " ليلة من ألف ليلة" عن أصلها الإنجليزي. فالذائقة العربية لا تقبل في مسرحها أن تقتل فتاة والدها وأخاها من أجل حبيبها، ثم تقوم بقتل ولديها في النهاية انتقاماً من حبيبها. فهذه الشخصية فقدت تعاطف الجمهور، وكذلك زوجها الذي خانها فقد هذا التعاطف، مما جعل المشاهد عاجزاً عن أن يميل إلى أي من كفتي الصراع، والاثنان يستحقان العقاب. وفي النهاية يجد المشاهد أن من يعاقب من الشخصيات لا تستحق هذا العقاب، سواء الطفلان أو ثريا، كما أن الصراع في المسرحية يركز على عواطف عقيلة، ويعطيها المساحة الأكبر في المسرحية بتصوير عواطفها بعد أن خانها زوجها، وبوصفها تحب ولديها. ويمزقها الصراع بين الإبقاء على ولديها بدافع الحب الأمومي، أو قتلهما كما فعلت بدافع الانتقام. وربما لو اكتفى بيرم بترجمة المسرحية من دون إعطائها الطابع العربي، لتقبلها الجمهور بالترحاب أكثر بوصفها عملاً مأساوياً إغريقياً مترجماً.

المزيد من ثقافة