Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دعوات لحماية الجزائريين في فرنسا ردا على خطاب ماكرون

تنقل الصحافة الفرنسية بشكل يومي أخباراً عن تعرضهم لمضايقات من متطرفين

حادثة قتل المدرس صمويل باتي أججت مشاعر الكراهية في فرنسا (غيتي)

يتفاعل جزائريون وأوساط سياسية داخلية بشكل كبير مع الأحداث الفرنسية الأخيرة وتصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون حول "الإسلام". وتدفع تعليقات في الداخل الجزائري إلى اتخاذ موقف رسمي من السلطات الجزائرية أو تبيان موقف أكثر "حدة" من جانب مسجد باريس، أحد أهم المؤسسات الدينية في فرنسا وأكثرها قرباً من الجزائر.

وبعدما أخذت بعض الأحداث في فرنسا طابع "الانتقامية" من الجالية المسلمة وبالطبع من بينها مئات الآلاف من الجزائريين، توسّعت رقعة الردود الغاضبة في بلدهم الأم باتجاه دفع السلطات الرسمية إلى اتخاذ موقف "يؤطّر" التوجه الرسمي الفرنسي. 

ويعتقد محللون أن آراء ماكرون تتصل بحسابات رئاسية كان للجالية الجزائرية دور كبير فيها في الانتخابات التي أوصلته إلى قصر الإليزيه قبل ثلاث سنوات، بعدما قدح في "ممارسات الاستعمار" حينما زار الجزائر كمرشح.

جزائريون في قلب الأحداث

تنقل الصحافة الفرنسية بشكل يومي أخباراً عن تعرّض جزائريين لمضايقات من متطرفين. ففي خضمّ الأحداث، طعن متطرّفون سيّدتين جزائريتين بسكين، وجّهت إليهم لاحقاً تهمة "الشروع في القتل" في أعقاب حادثة قتل المدرس صمويل باتي، البالغ من العمر 47 سنة، على يد طالب بعد عرضه رسوماً كاريكاتورية تتهكّم على النبي محمد أمام فصل في المدرسة الثانوية حول حرية التعبير.

كما قضت محكمة فرنسية بالسجن أربعة أشهر مع وقف التنفيذ على طالبة من أصول جزائرية تدرس البيولوجيا في البلاد وتبلغ من العمر 19 سنة، بعد إدانتها بتهمة "تمجيد الإرهاب" إثر تعليق في "فيسبوك" على مقال نشرته صحيفة محلية حول ذكرى المعلّم المغتال.

وذكر الباحث الجزائري المقيم في فرنسا محمد الهادي وجّاني أن "الخطاب الرئاسي في البلد يشهد بالفعل تحوّلاً كبيراً نحو أقصى اليمينية. في النهاية، يبدو الخطاب على علاقة بمحطات سياسية فرنسية خالصة تعوّدت عليها الجاليات المهاجرة من أصول عربية أو مسلمة".

وأفاد وجّاني بأن "قيم الجمهورية التي يرافع لها ماكرون سبقه إليها نيكولا ساركوزي وكانت مآلاته السياسية معروفة. الغريب هو لماذا تشكّل فرنسا دائماً الاستثناء أوروبياً في علاقتها بالإسلام وقيم العلمانية؟".

واعتبر أن "ما يحدث حملة عابرة بحكم السياقات الماضية. كما أن تفسير العلمانية في مواجهة مظاهر الإسلام في الأماكن العامة منافٍ للقانون الفرنسي ذاته. والذي لم تفهمه فرنسا سواء اليمينية أو اليسارية هو أن ما تسمّيه عزلة المسلمين من سكان الضواحي، نتاج مباشر لتحيّز متعمد وإقصاء مقصود للأقليات المسلمة. صحيح أنه يوجد مجتمع مضاد اليوم، لكن ممارسة السياسة ذاتها تجعله أكثر تضادّاً حتى بالنسبة إلى أبناء المهاجرين من الجيل الثالث والرابع، وهم بالفطرة مسلمون على الرغم من ترعرعهم في منظومة تربوية ومجتمعية علمانية".

الردود الداخلية

أثارت الأحداث الفرنسية الأخيرة، مواقف حزبية في الداخل الجزائري، أبرزها من "حركة مجتمع السلم" التي توجّهت بخطاب إلى السلطات الرسمية "وعلى رأسها رئاسة الجمهورية"، تدعو فيه "إلى التنديد بتصريحات ماكرون واتخاذ موقف دبلوماسي وسياسي واقتصادي مناسب، التزاماً بالقسم على احترام الدين الإسلامي وتمجيده، وبأن الإسلام دين الدولة وانتصاراً لمشاعر الجزائريين".

كما حثت على "تحرك المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الهيئات والمؤسسات المشهورة بالنشاط الديني الدؤوب الذي يركّز على الذكر الدائم لشمائل الرسول الكريم، وكل الجمعيات والمنظمات ذات الاختصاص، وجميع الأئمة والدعاة لاتخاذ موقف صارم لإدانة تصرفات الرئيس الفرنسي".

وأصدرت "حركة البناء الوطني" التي تتولّى رئاسة البرلمان الجزائري، بياناً شبيهاً دعت فيه "السلطة في البلاد إلى التدخل لحماية الجالية المسلمة في فرنسا من سياسات الكراهية والأحقاد وممارسات العنصرية التي تبرّرها خطابات ماكرون المتهوّرة".

كما "طالبت السلطة الفرنسية بالتراجع عن هذه السلوكيات الخطيرة والسياسات العنيفة والابتعاد عن ممارسة التسويق للعنف والكراهية ضد الأديان والشعوب".

في هذا السياق، ربط البرلماني يوسف خبابة بشكل غير مباشر بين خطاب ماكرون و"محاولات دول المغرب العربي ومنها الجزائر إحداث قطيعة فعلية مع الإرث الاستعماري في جانبيه الاقتصادي والثقافي"، مضيفاً أن "الرئيس الفرنسي يتناسى أن هذه الأقلية المسلمة الآخذة في التمدد في الأوساط العلمية والثقافية لها الكفاءة والقدرة الأكاديمية في مواجهة الفكر اليميني الذي يتغذّى من الحقد والكراهية للإسلام".

مسجد باريس

واسترعى موقف مسجد باريس بصفته مؤسسة دينية على صلة وثيقة بالمؤسسات الرسمية الجزائرية، انتباه المراقبين في الجزائر، وذلك بعدما أبدى ما يشبه القبول بمنطق ماكرون، في ما سمّاه "محاربة الانفصالية الإسلاموية".

وأعلن المسجد، وهو أحد أهم المؤسسات الدينية في فرنسا، عن موقفه ضمن مساهمة من خمس صفحات نشرتها جريدة "لوموند" قبل بضعة أيام، موقّعة باسم عميد المسجد الجزائري شمس الدين حفيظ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومما ورد في المساهمة "قبول مسجد باريس فكرة تنظيم الإسلام في فرنسا، شريطة ألا يمسّ بمصلحة المسلمين". وينفي المسجد أن يكون خطاب ماكرون شاملاً "لجميع المسلمين في البلاد"، بل هو يشير إلى "فئة معيّنة تخص أدعياء الإسلام السياسي ولا تمت بصلة إلى المسلمين الفرنسيين. موقفنا واضح وصريح، وقد أبدينا انفتاحنا على أي مبادرة سياسية من شأنها تعزيز دور المسلمين في مجتمعهم، بعيداً من استغلال الدين لأغراض سياسية".

وحفيظ تولّى عمادة مسجد باريس قبل بضع سنوات، خلفاً للجزائري المستقيل دليل أبو بكر. وهو من مواليد الجزائر عام 1954. وشارك قبل الهجرة إلى فرنسا في تأسيس اتحاد المحامين الجزائريين الشبان، وهو منذ عقود محامي مسجد باريس الكبير. وقد رافع مرات عدة في قضايا تقدّم بها المسجد ضد أطراف اعتبر أنها تسيء بشكل أو آخر إلى الإسلام والمسلمين في فرنسا، ومنها شكوى عام 2006 ضد صحيفة " شارلي إيبدو" الأسبوعية الفرنسية.

وعلّق عميد مسجد باريس على معتقدات ماكرون الحديثة حول الإسلام، قائلاً "هل توجد فعلاً إرادة في التحلّل من قيود الجمهورية؟ الإجابة نعم وبكل وضوح. هناك ممثلون للإسلام في فرنسا شأنهم شأن سياسيين فرنسيين، يعيشون حالة إنكار. هناك ممثلون ومنتخبون محليون، لحسابات معينة أو جمود أو تساهل، يرفضون رؤية الوضعية التي نواجهها حالياً. واليوم بعد 40 سنة، تشكّلت تجمعات سكنية ثم اجتماعية وأخيراً اقتصادية، قبل أن تصبح أيديولوجية وهويّاتية".

وقال مدير الإدارة العامة لمسجد باريس الكبير محمد لوانوغي في مقابلة مع جريدة "الخبر" الجزائرية عن دور المسجد ومزاعم تراجعه، "من يدّعي تراجع دور مسجد باريس الكبير، فهو واهم وادعاؤه باطل. مسجد باريس لم يتخلف يوماً عن واجبه ولم يتخلَّ عن دوره الريادي، فضلاً عن كونه يشهد اليوم مرحلة انبعاث حقيقي على جميع الأصعدة. فاليوم لدينا عميد على درجة عالية من التفاعل مع المتغيرات السياسية والاجتماعية والدينية في فرنسا وأوروبا والعالم، يتابع ما يجري لحظة بلحظة، ويواكب التطورات والأحداث اليومية ويتفاعل معها عن طريق ردود مباشرة".

المزيد من تقارير