Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لقمة المزارع اللبناني المغمسة بمرارة شتلة التبغ

الأسعار تعود إلى العام 1996 ولا تأخذ في الاعتبار ارتفاع غلاء المعيشة

شتول التبغ عند زراعتها (موقع إدارة حصر التبغ والتنباك)

في مثل هذا الوقت من السنة، يبدأ مزارعو التبغ في لبنان تسليم إنتاجهم الذي عملوا فيه طوال العام المنصرم، إلى "إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية" (الريجي)، لتأمين معيشتهم وحاجاتهم المتراكمة خلال عام، ريثما يبدأون مباشرة التحضير للموسم القادم. فزراعة التبغ تحتاج إلى 14 شهراً، كما يقول المزارعون.

 

قطاع اقتصادي حيوي

زراعة التبغ في لبنان وتصنيعه، يدران على الخزينة مبالغ كبيرة من المال. إذ صُنف إنتاج التبغ في لبنان في المرتبة السادسة، من حجم المبيعات المحلية. أما موازنة "إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية"، فتقدر بـ2.55 في المئة من حجم موازنة الدولة. وتتلقى الحكومة اللبنانية نسبة مهمة من الرسوم الجمركية والضرائب، فيسهم القطاع في تأمين العملات الأجنبية. على سبيل المثال كانت قيمة المبيعات في السوق اللبنانية تبلغ 100 مليون عملية شرائية سنوياً، حيث يباع 14.000 صندوق شهرياً. وقد تضاعف هذا الرقم بشكل كبير، بعد ارتفاع أسعار السجائر الأجنبية، لتتوج السيجارة اللبنانية في السوق المحلية بلا منافس، ولكن لا وجود لإحصاءات نهائية لهذا العام.

الشركة والمزارعون

 لكن بالدخول في تفاصيل عملية زراعة التبغ، ومن ثم بيعه لـ"الريجي" التي تقوم بتصنيعه إلى علب سجائر وتنباك، أو تصديره إلى شركات التبغ العالمية، سنجد أن الأمر يبدو وكأن المزارعين هم عمال لدى شركة التبغ، فهي التي تحدد لهم أسعار الشراء، ومساحة الأرض المزروعة، وكمية التبغ التي يمكنهم إنتاجها لكل ألف متر من الأرض. وهي التي تمنح رخص الزراعة، وهي الشركة الحصرية التي يمكنها التصرف بهذا التبغ، من تصنيعه إلى تجارته واستيراده وتصديره. وهكذا ينشأ الخلاف في الرأي بين المزارعين والشركة، كالذي يحصل في كل الشركات التي يجد العمال فيها أنفسهم مغبونين من قبل إدارتهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأصناف

يعيد البعض زراعة التبغ في لبنان إلى عهد الأمير فخر الدين المعني (القرن السادس عشر). والبعض الآخر يرجعها إلى عهد السلطان العثماني أحمد الأول في العام 1603، ومع وضع لبنان تحت الانتداب، أدرك الفرنسيون أهمية هذا القطاع، فشجعوا هذه الزراعة في الأرياف البعيدة، لا سيما في المناطق غير المروية. ثم في عهد الرئيس فؤاد شهاب وُضعت القوانين والتشريعات، التي تنظم هذه الزراعة وعمل الشركة المشرفة عليها، المحصور بها كل ما يتعلق بالتبغ في لبنان، أي إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية، واسمها الفرنسي "الريجي". بدأت "الريجي" تصنع السجائر في منتصف الخمسينيات، عندما أُنتجت السجائر ذات النكهات الشرقية المتعددة.

وتقوم وزارة المالية بتحديد سعر شراء التبغ والتنباك من المزارعين وفقاً لجودته، فهو يصنف في ثلاث فئات، الجيد والوسط والمتدني. وهنا تظهر مطالبات المزارعين الذين يعتبرون أن مخمني أسعار التبغ يقررونها على هواهم، أو وفقاً لعلاقاتهم السياسية والطائفية بالمزارعين.

هناك مشكلة الأسعار نفسها التي ما زالت مستقرة على حالها منذ العام 1996، على رغم غلاء المعيشة والتضخم في سعر الصرف، وارتفاع أسعار الأسمدة وأجرة العمال. لهذا في كل عام يصدر "اتحاد نقابات العاملين في زراعة التبغ والتنباك في لبنان" بيانات كثيرة وتعقد الاجتماعات والاعتصامات لتحقيق مطالبها من دون أن تلقى آذاناً صاغية من الحكومة اللبنانية ومن الشركة الحصرية. 

إذا كانت "الريجي" قد حددت معدل الإنتاج بـ100 كلغ للدونم الواحد (ألف متر مربع)، فهذا يعني أن مزارعاً يملك رخصة لزراعة خمسة دونمات ينتج 500 كلغ سنوياً. وقياساً على معدل الأسعار يكون مجموع ما يحصله سنوياً أقل من ستة ملايين ليرة (نحو 800 دولار)، علماً أن موسماً كهذا يتطلب عمل عائلة من 5 أشخاص. هذا من دون احتساب أي كلفة (حراثة الأرض وتثليمها، وأسمدة، وري...). ولهذا يصف المزارعون اللقمة المحصلة من زراعة التبغ بالمُرة، كأوراق التبغ التي تفرز مادة لزجة سوداء شديدة المرورة تلتصق بالأيدي وتصعب إزالتها.

في لبنان يزرع التبغ الشرقي والتبغ البري البلدي، والتنباك. والتبغ الشرقي غير المروي، يزرع فقط في لبنان وتركيا وبعض مناطق البلقان، وهو من أجود أنواع التبغ عالمياً، يدخل في تركيبة السيجارة، ويُصدَّر إلى الشركات العالمية الأميركية والأوروبية، التي يستورد منها لبنان المصنوعات التبغية.

والتبغ نبتة من فصيلة الباذنجان. يختلف طول الشتلة ما بين 1,2 و1,8 متر، في حين تنتج الشتلة الواحدة نحو 20 ورقة.

والاسم العلمي للتبغ هو نيكوتيانا، وقد سُميت هذه النبتة تيمناً بـ"جان نيكوت"، السفير الفرنسي إلى البرتغال، الذي أرسل نبتة التبغ إلى قصر كاترين دو ميديشي في العام 1559، لاستخدامها لأهداف طبية.

دعم الاقتصاد الريفي

في لبنان ما يقارب 25 ألف عائلة، تستفيد من إنتاج التبغ والتنباك، ما يسهم في الحد من حركة النزوح من الريف إلى المدينة، في بلد يسكن نصف سكانه في العاصمة بيروت وضواحيها. وتؤمن هذه الزراعة مداخيل ثابتة للمزارعين وتمنحهم شعوراً بالاستقرار.

وتخضع زراعة التبغ والتنباك لنظام الترخيص، الذي يحدد مساحة الأراضي المنوي زراعتها وتوزعها الجغرافي، إضافة إلى تحديد نوع البذور المزروعة من قبل الإدارة الحكومية المختصة. والحاصل على الترخيص يجب أن يكون مقيماً في البلدة التي ينوي الزراعة فيها، وأن يكون مزارعاً فعلياً، ورب أسرة. وأن تكون لديه أرض (ملك أو إيجار) بمساحة تعادل المساحة المطلوب زراعتها.

العملية اليومية

تمر زراعة شتلة التبغ بمراحل طويلة، تبدأ بإعداد المشاتل في شهر مارس (آذار)، مع ما تتطلبه من عناية وبيوت بلاستيكية وأسمدة وأدوية. وبعد ما يقارب الشهرين، تُنقل إلى لأرض، وهنا تبدأ المرحلة الأساسية في الزراعة التي تكون في فصل الربيع، ويكون العمل جماعياً يشارك فيه الأطفال والنساء والرجال، وبعد شهرين تبدأ مراحل القطاف.

 مع شهر مايو (أيار) تبدأ ورشة نقل النبتة من المشاتل وغرسها في الأرض، ما يقتضي توافر يد عاملة تقوم بزراعة الشتول واحدة تلو الأخرى بعد إعداد الأرض بشكل ملائم. من ثم تأتي عملية الري التي تتيح نمو الشتول وثبات جذورها في الأرض. ومع بداية الصيف تبدأ عملية قطف أوراق التبغ، التي تنقل إلى أماكن معدة لذلك، أو إلى المنازل، ليبدأ شكها ورقة ورقة ومن ثم تجفيفها وتوضيبها بانتظار بدء الريجي بتسلم المحصول.

أما قطاف المحصول فهو بحاجة إلى صبر كبير لفترات طويلة يتداخل فيها الليل مع النهار.