Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رمبرانت" كما صوره ألكسندر كوردا السينمائي الأفّاق وصديق تشرشل

رجل تجلّت فيه بداوة السينما وترك الإخراج مهمة سهلة لمساعديه

تشارلز لوتون في دور "رمبرانت" (غيتي)

ذات يوم عادي عند بدايات عام 1936 كانت تشغل بال السينمائي الإنجليزي ألكسندر كوردا، فكرة واحدة: إنه يبحث عن مشروع لفيلم ملائم يعود فيه إلى إدارة صديقه الممثل تشارلز لوتون. فهو إذ كان قد أداره في أكثر من فيلم قبل ذلك، رأى أن العمل معه مريح يوفّر عليه الكثير من التعب، الفكري بخاصة. فلوتون مثقف كبير وهو شكسبيري الأداء والجذور و... "يا ليت كل الفنانين مثله!" قال كوردا لنفسه فيما كان يقلب ساهماً كتاب فن بالمصادفة. هنا طالعته لوحة زيتية رسمها الفنان الهولندي رمبرانت كـ"بورتريه ذاتي". قلب الصفحة غير مبال كثيراً... لكن فكرة لمعت في رأسه جعلته يعود إلى الصفحة من جديد وقد راح يحدق بدهشة. ما أدهشه كان الشبه الغريب الذي لاحظه بين رمبرانت و... تشارلز لوتون. وخلال دقائق كان يهتف لصديقه الآخر والكاتب المسرحي الألماني المعروف كارل تسوكماير اللاجئ يومها إلى لندن هرباً من النازيين والذي كان اعتاد العمل معه لصياغة سيناريوات قوية، صارخاً به: "وجدتها!". والحقيقة أن ما وجده لحظتها كان فكرة الفيلم الذي يبحث عنه. الفيلم الذي سيعيد تشارلز لوتون للوقوف أمام كاميراه. ولعل تسوكماير هو من أضاف مبتسماً: "ألم تلاحظ شبهاً أيضاً بين ساسكيا وجرترود لورانس؟". فسأله كوردا الذي كان طبعاً يعرف من هي جرترود: "ومن هي ساسكيا؟". أجابه الكاتب إنها ملهمة الرسام الكبير وزوجته وقد رسمها في عدد كبير من اللوحات. هنا عاد كوردا يقلب في الكتاب سعيداً: لقد ولد الفيلم.

بعد شهور قليلة أي في أواسط 1936 كان العرض الأول لفيلم "رمبرانت" وحقق نجاحاً نقدياً كبيراً من دون أن يتواكب هذا النجاح مع نجاح تجاري لافت. ثم إن كثراً من المتفرجين لم يتنبهوا إلى اسم مخرجه. ففي حضور فنانين كبيرين في فيلم واحد: رمبراندت وتشارلز لوتون وبينهما فاتنة تلعب دور ساسكيا هي جرترود لورانس زوجة لوتون في الحياة الحقيقة وشريكته في عدد من أفلامه الإنجليزية، لم يكن ثمة متسع في المكان لكوردا. ثم إن الموضوع نفسه الذي كتبه تسوكماير شراكة مع المساعد المعتاد لكوردا لايوس بيرو، كان يفرض على الفيلم أن يكون فيلم موضوع وتمثيل لا فيلم إخراج وإبداع في تحريك الكاميرا. وكوردا نفسه أقدم على تحقيق الفيلم بسرعة متذكراً أنه دائماً منتج كبير أكثر مما هو مخرج مبدع. ذلك رغم أن عدد أفلامه كمخرج يكاد يزيد على عدد ما أنتجه. المهم أن الفيلم في تقديمه مرحلة من حياة رمبراندت بوصفه "أعظم فنان في تاريخ العالم"، انطلق من مرحلة كان الفنان بلغ فيها قمة مجده ويعيش حكاية حبه مع ساسكيا معبّراً عن ولهه بها برسمها وإعادة رسمها مرات ومرات. لكن ساسكيا مرضت وماتت فما الذي فعله رمبرانت؟ بدلاً من دفنها اندفع يرسمها في لوحة أخيرة... فيما كانت حياته نفسها قد بدأت تنحدر.

دور جانبي لكنه فعّال

لعل شخصاً في تاريخ الفن السابع، لم يتمكن من أن يعكس في حياته وعمله "بداوة" السينما وعالميتها وفعاليتها، بقدر ما فعل ألكسندر كوردا، المنتج والمخرج البريطاني، ذو الأصل المجري، والذي تحمل اسمه أفلام هي اليوم من كلاسيكيات السينما، وبرز في ظله بعض أشهر نجوم ومخرجي هذا الفن.

 ومع هذا لربما كان أهم ما يمكننا أن نتوقف عنده، في استعراضنا حياة كوردا ومسيرته، ليس إبداعه السينمائي، بل الدور الذي يتكشف للسينما من خلال واحدة من حكايات حياته. فخلال الحرب العالمية الثانية، يروى أن تشرشل الذي كان قد ارتبط معه بصداقة، طلب منه أن ينتج في أميركا أفلاماً تكون قادرة على أن تحرض "الأميركيين" ضمنياً على دخول الحرب إلى جانب البريطانيين. وعلى هذا النحو أنتج كوردا فيلم "ليدي هاملتون". فكان التحريض واضحاً وليس ضمنياً، فلم يتوانَ الأميركيون عن اتهام كوردا بأنه يتدخل في ما لا يعنيه، ولم تتوانَ السلطات الأميركية عن تنبيهه من مغبة الاستمرار في تلك الطريق. صحيح أن كوردا لم يكرر ذلك الأمر، أي أنه توقف عن إنتاج أفلام تحرّض الأميركيين، لكنه في الوقت نفسه واصل عمله لحساب أجهزة الاستخبارات البريطانية التي يبدو أن علاقته بها كانت قد بدأت قبل ذلك بزمن بعيد.

مهما يكن فإن ألكسندر كوردا، حُسب على الدوام، على تشرشل. وكان منذ أواسط سنوات الثلاثين قد ارتبط بصداقة برئيس وزراء بريطانيا الأسبق توجها عقد بينهما يقوم كوردا بموجبه بتحويل كتاب ألفه الأخير إلى فيلم سينمائي. لكن العقد لم ينفذ أبداً، وقال كوردا لاحقاً إن العقد لم يكن سوى نوع من ربط علاقة. ومهما كان الأمر فإن تشرشل ساعد كوردا طويلاً بوصفه مستشاراً تاريخياً له في العديد من الأفلام. ولعل علاقة كوردا به كانت ما عزز بريطانيته وجعله يكرَّس لاحقاً نبيلاً بريطانياً حقيقياً. وهو أمر من الواضح أنه لم يكن قد داعب مخيلة ذلك الطفل الهنغاري الذي كانه ألكسندر كوردا في مطلع حياته.

من المجر إلى العالم

ولد  ألكسندر كوردا في المجر في 1893، ثم توجه إلى باريس أوائل القرن حيث درس فن السينما، وبعد ذلك طفق يحقق أفلامه الأولى كمخرج ومنتج في بودابست ثم فيينا وبرلين، قبل أن يصل إلى هوليوود التي أقام فيها بدءاً من 1927 لكنه لم يعرف كيف يجعل لنفسه مكاناً دائماً فيها. ومن هنا عاد إلى أوروبا في 1930 حيث عاش في برلين ثم في باريس قبل أن يستقر به المقام في لندن. وهذه المرة، في العاصمة البريطانية، كانت بدايته الحقيقية وتمكن من تأسيس إمبراطوريته السينمائية التي ستعيش طويلاً بعد ذلك. ومنذ 1936 نال كوردا الجنسية البريطانية، ويبدو أن تلك المرحلة كانت التي فيها تعززت صداقته مع تشرشل كما علاقاته مع أجهزة الاستخبارات البريطانية ما مكنه من استقدام العديد من الفنانين المجريين الهاربين، ومن بينهم أخواه زلتان وفنسنت اللذان سيعملان تحت ظله في إنتاجاته المقبلة.

كانت الثلاثينيات العصر الذهبي لإنتاجات ألكسندر كوردا، وكان نجمها الأول والأكبر تشارلز لوتون، وإن لم يخل الأمر من أفلام شهدت بداية تألق فيفيان لي ولورانس أوليفييه. ولقد كان من حظ كوردا الحسن أن النجاح كان حليفه منذ أفلامه الفرنسية والإنجليزية الأولى، حيث نراه، في فرنسا، يخرج فيلم "ماريوس" عن رواية مارسيل بانيول الشهيرة، ثم نراه في لندن يحقق "حياة هنري الثامن الخاصة" (1933) وهو الفيلم الذي أطلق مكانة وشهرة تشارلز لوتون، ولعبت فيه دور آن بولين الممثلة الناشئة - حينها - ميرل أوبرون التي أضحت الزوجة الثانية لكوردا. وفي مرحلة تالية حقق كوردا فيلم "رمبرانت" الذي رغم فشله التجاري النسبي يومها، اعتبر ولا يزال أجمل فيلم حُقق في تاريخ السينما عن حياة فنان تشكيلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

...وترك الإخراج لمساعديه

بعد "رمبرانت" لم يعد كوردا مهتماً بإخراج أفلامه بنفسه، بل كان يكتفي بالإشرف على كل كبيرة وصغيرة في الفيلم تاركاً تقنيات الإخراج لمساعديه ومن بينهم أخوه فنسنت، الذي شارك روبرت فلاهرتي، العام 1937، في تحقيق بعض أفلامه. كما أنتج كوردا في الوقت نفسه فيلم "كتاب الأدغال" عن رواية روديارد كيبلنغ الشهيرة.

خلال الحرب العالمية الثانية، عاش كوردا وعمل في هوليوود، التي عاد منها بعد انقضاء الحرب ليصبح سيّد السينما البريطانية من دون منازع، وكان فيلم "حلاق بغداد" الذي حققه في هوليوود قد عزز سمعته وثروته، ومن هنا كان في وسعه، في لندن، أن يستخدم من دون تردد مواهب كتاب وسينمائيين من أمثال غراهام غرين وكارول ريد ودايفيد لين وجان آنوي وجوليان دوفيفييه عن طريق شركته "ليون فيلم كوربوراشن". صحيح أن الإفلاس كان يهدده دائماً لكن الدولة البريطانية كانت سرعان ما تنقذه. واستمر حاله هكذا في وقت راحت السينما البريطانية كلها تتدهور، واستمر هو ينتج أفلاماً كبيرة (لعل أبرزها "الرجل الثالث" عن رواية لغراهام غرين، و"حذاء على قياس قدمه" الذي لعب فيه تشارلز لوتون واحداً من أجمل أدواره)، حتى قضت عليه أزمة قلبية عام 1956.

المزيد من ثقافة