موانئ العراق بعد 100 عام على تأسيسها… ما هي أحوالها؟

مرت هذه المرافق الحيوية منذ بدء فيها بتقلّباتٍ كانت انعكاساً للوضع السياسي في البلاد

ميناء أم قصر التجاري في البصرة (اندبندنت عربية)

خلال الحرب العالمية الأولى، في العام 1914، أنشأت القوات البريطانية في مدينة البصرة، الواقعة جنوب العراق، ميناءً صغيراً يتكون من أرصفةٍ خشبية لاستخدامه في نقل المعدات العسكرية. وبعد انتهاء الحرب سلمته، في العام 1919، إلى إدارةٍ مدنية بريطانية مع تحويله إلى ميناءٍ تجاري. وهذا الحدث يعد بموجب التقويم الرسمي التاريخ الفعلي لتأسيس الموانئ العراقية، لذلك تستعد إدارتها للاحتفال خلال العام الحالي بمرور 100 عام على تأسيسها.

بين مدٍ وجزر

مرت الموانئ العراقية منذ تأسيسها بتقلباتٍ كانت انعكاساً للوضع السياسي في البلاد، إذ شهدت فترات ازدهارٍ قصيرةً نسبياً، وقد بلغت أوج تقدمها في أواخر الخمسينيات وبدء الستينيات، وحافظت على تفوقها إقليمياً خلال السبعينيات، ثم عصفت بها حرب الخليج الأولى (1980-1988)، وشلّها الحصار الاقتصادي الدولي الذي فرض على العراق في العام 1990. وبعد العام 2003 عادت لتمارس أدوارها التقليدية شهرياً في إرشاد عشرات السفن التجارية وإرسائها وإفراغ حمولتها.

لم تثبت الموانئ العراقية على حال حتى من ناحية التسمية. فهي كانت مجرد "دائرة" صغيرة عند تأسيسها، ثم صارت "مصلحة" ذات إدارة مستقلة في العام 1956. وفي العام 1976، تحولت إلى "مؤسسة"، وبعد ذلك أُعتبرت "منشأة" في العام 1987. ثم أصبحت "شركة" ولا تزال بدءاً من العام 1997. وثمة محاولات برلمانية جديدة لتشريع قانون يقضي بجعلها "سلطة" ذات صلاحياتٍ أوسع.

في عصرها الذهبي

عشرات المديرين تعاقبوا على إدارة الموانئ العراقية منذ تأسيسها، لكن واحداً منهم فقط ترك بصمة لا تمحى، هو اللواء مزهر الشاوي الذي ارتقى بالموانئ في عهد إدارته لها إلى مستوى الموانئ الأوروبية، ولم تتوقف جهوده عند حدود تطوير الموانئ خلال شغله المنصب من العام 1958 إلى العام 1963، إنما اهتم إنسانياً بالعاملين فيها، وحسّن أحوالهم المعيشية. إذ أنشأ لهم مجمعات سكنية ومدارس ومستشفى وجامعاً ومكتبة عامة ومراكز ثقافية ومنشآت ترفيهية، وأرسل بعض أبناء العمال الفقراء إلى بريطانيا للدراسة في جامعاتها على نفقة الشركة.

الشاوي، الذي فارق الحياة قبل 35 عاماً، تحول في زمن استشراء الفساد الإداري في العراق بعد العام 2003 إلى رمزٍ وطني للنزاهة. وعلى الرغم من أنه ليس من البصرة، أقام أهل البصرة له في العام 2012 تمثالاً قرب مقر الشركة العامة للموانئ اعترافاً بفضله على البصرة وموانئها وتخليداً لذكراه.

يؤكد كاظم فنجان الحمامي، وزير النقل السابق والخبير البحري، إن "أحد أهم أسباب تفوق الموانئ في عهد الشاوي أنها كانت تحتفظ بإيراداتها المالية، ولا ترسل شيئاً منها إلى خزينة الدولة"، مبيّناً أن "الموانئ في زمن الشاوي شهدت بناء أرصفة جديدة، وتجهيزها بأحدث المعدات والرافعات. كما تم شراء حفارات وساحبات بحرية وسفن للتنوير وزوارق للإرشاد البحري، وكانت الموانئ تضطر إلى إرسال سفنها المعطلة إلى الهند لإصلاحها، لكن الشاوي أمر بإنشاء الحوض العائم (أجنادين) المصمم لإصلاح السفن الكبيرة، ولا يزال يستخدم بكفاءة إلى اليوم".

أضاف الحمامي "الموانئ العراقية حافظت على تفوقها خلال الستينيات والسبعينيات، ولعبت في تلك الفترة دوراً في تطوير موانئ عربية"، مضيفاً أن "أسطولاً من سفن الحفر أُرسل إلى اليمن. كما عمّق الأسطول العراقي القنوات الملاحية المؤدية إلى ميناءي عدن والحديدة".

شركة رابحة

تحاول الموانئ العراقية التمسك بإرثها القديم ضمن سعيها للاستفادة من أمجاد الماضي في تعزيز مكانتها اليوم. فمقر إدارتها الحالي يشغل البناية نفسها التي افتتحها الملك فيصل الأول في العام 1931، وكان من المقرر تحويلها إلى متحفٍ يوثق مراحل نشأة الموانئ العراقية وتطورها، والانتقال إلى مقرٍ جديد أوسع مساحة. لكن المقر الجديد ما إن أنجز في العام الماضي حتى تخلت عنه شركة الموانئ للحكومة المحلية في البصرة، عندما وجدت نفسها بلا مقر بعدما أحرق محتجون مقرها.

يُلقى حالياً على عاتق الشركة العامة للموانئ إدارة خمسة موانئ تجارية وتشغيلها، أقدمها ميناء المعقل الذي يعود إلى العام 1914، وأكبرها ميناء أم قصر الذي أنشأ في العام 1965. وقبل تسعة أعوام قررت وزارة النقل شطره إلى ميناءين (جنوبي وشمالي)، وأحدثها ميناء خور الزبير الذي أنجز العام 1989، ويتميز بوجود أرصفة صناعية ومخازن تخصصية للأسمدة الكيماوية والفوسفات. أما أصغرها مساحة فهو ميناء أبو فلوس الذي أنشأ مطلع العام 1976، في حين يجري منذ أعوام بناء ميناء الفاو الكبير الذي يسير العمل فيه بوتيرةٍ بطيئة، ومن المقرر أن يكون عند إنجازه أكبر موانىء العراق وأفضلها، ومن المستبعد إنجاز مراحله الأولى قبل العام 2022.

أما من حيث مواردها البشرية فيعمل في الموانئ آلاف الموظفين، نسبة غير قليلة منهم هم ضباط ومهندسون بحريون من خريجي أكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية في البصرة. وتتألف الشركة من أقسام كثيرة، أبرزها أقسام الإنقاذ البحري والصناعات البحرية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. أما مكانتها الاقتصادية فهي في صدارة الشركات العامة (الحكومية) الرابحة، وترفد الخزينة العامة للدولة بملايين الدولارات شهرياً، وتعتمد أسلوب التمويل الذاتي، إذ تغطي تكاليفها التشغيلية من إيراداتها المالية.

تحديات ثقيلة

واجهت الشركة بعد العام 2003 تحديات كبيرة، أهمها مشكلة انخفاض أعماق القنوات الملاحية بسبب تراكم الأطيان، وكانت هذه المشكلة تحول دون وصول السفن الضخمة إلى الموانئ. لكن الشركة تغلبت جزئياً على هذه المشكلة بعد امتلاكها عدداً من سفن الحفر البحري، إلا أنها لا تزال تكافح للتغلب على مشكلة ثانية لا تقل تعقيداً، هي وجود سفن وزوارق غارقة في المياه الإقليمية العراقية تهدد سلامة الملاحة البحرية.

وقد انتشلت الشركة العشرات منها بالتعاقد مع شركات أجنبية، ثم بجهودها الذاتية بعد امتلاكها في العام 2014 رافعة بحرية كبيرة. ومن أبرز القطع البحرية التي لا تزال غارقة، اليخت الرئاسي (المنصور) الذي كان يملكه صدام حسين، وتعرض في العام 2003 لضربة جوية أميركية أغرقته في مياه شط العرب.

ووفق الحمامي، فإن "الموانئ التجارية في حوض الخليج تحقق قفزات هائلة، وتحول بعض موانئ المنطقة إلى مراكز تجارية تقدم شتى التسهيلات للمستوردين وخطوط الشحن الدولية، لكن الموانئ العراقية لم تواكب هذه التطورات السريعة"، مضيفاً أن "الموانئ التجارية في العالم تصنف في خمسة أجيال بحسب تطورها، والموانئ العراقية تنتمي إلى الجيل الأول القديم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت الحمامي، الذي عمل في الموانئ العراقية أكثر من 35 عاماً، وحالياً هو أحد أعضاء مجلس النواب العراقي، إلى أن "تطوير الموانئ يجب أن يبدأ من تحديث التشريعات القانونية المتعلقة بعملها. فهي بحاجة إلى تشريعاتٍ جديدة تحل محل قوانين بالية". أضاف "من غير المعقول أن القانون البحري التجاري الذي وقعه أحد سلاطين الدولة العثمانية في العام 1893 لا يزال نافذاً".

عشرة عقود من الزمن مضت على تأسيسها والموانئ العراقية تتأرجح بين صعود وهبوط، لكن المتخصصين يتوقعون لها مستقبلاً أفضل من ماضيها وحاضرها.

بالعودة إلى الماضي البعيد، فإن التاريخ يروي عن موانئ قديمة كانت مزدهرة ضمن الحدود الحالية للبصرة، إلا أنها اندثرت بمرور الزمن، ولم تخلف أثراً ظاهراً، ومنذ العام الماضي تجري بعثة عراقية للتنقيب عن الآثار أعمال تنقيب في منطقة ريفية نائية تقع شمال البصرة، يُعتقد أنها كانت تضم أعظم ميناء في العراق القديم يرتبط بخطوطٍ ملاحية تمتد إلى الصين. والمفارقة أن الموانئ العراقية في القرن الحادي والعشرين لا تتصل بخطوط شحن بحري مباشرة مع الصين.