Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مناطق الظل" في الجزائر تنتظر إجراءات تبون لإخراجها من التهميش

يبلغ عددها 15 ألفاً وتعد من أكثر قرى البلاد فقراً وتهميشاً

يعيش في مناطق الظل حوالى 8 ملايين جزائري (غيتي)

بعد موجة نزوح عارمة ومستمرة لأكثر من عقد من الزمن، بفعل الإرهاب وتخلي السلطات عن دورها التنموي، تجد أرياف الجزائر نفسها في رحلة بحث عن "عائدين" قد تقنعهم إجراءات تعلنها الحكومة تدريجاً، تحت مظلة "سياسة مناطق الظل"، بتوفير أبسط متطلبات الحياة العصرية لهم.

ومنذ شهر فبراير (شباط) الماضي، برز مصطلح جديد في الدعاية الإعلامية الرسمية وغير الرسمية تحت تسمية "مناطق الظل"، بعد طلب الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، المنتخب حديثاً يومها، إعداد تقرير مصور عن أرياف الجزائر، ثم قام بعرضه عبر شاشة عملاقة على مسؤولي الحكومة وولاة المحافظات بحضور الإعلام.

وانسجاماً مع رغبة الرئيس الجزائري، إيلاء الأولوية للبؤر الأكثر تخلفاً، انطلقت آلة وزارة الداخلية في جرد عدد تلك المناطق وساكنيها. النتيجة كانت صادمة، إثر تسجيل أكثر من 15 ألف "منطقة ظل" بمعدل سكني يتجاوز الثمانية ملايين جزائري. لكن الصدمة الأكبر كانت بتسجيل 299 "منطقة ظل" في محيط الجزائر العاصمة.

و"مناطق الظل" بالتعبير الرسمي، هي البلديات (البلدية أصغر إقليم في تقسيم وزارة الداخلية) وآلاف القرى والأرياف خارج التصنيف من الأساس، تتقاطع فيها مشكلات غياب الأساسيات والنقص في التغطية الكهربائية والغاز وأيضاً غياب الربط بشبكة المياه الصالحة للشرب، وانعدام الرعاية الصحية، وبُعد مراكز التعليم، وغياب شبه تام لوسائل الترفيه.

الإرهاب وتخلي السلطات

ببساطة كبيرة وعلى أساس حقيقة يعلمها الجزائريون كما مسؤولوهم، فإن الحياة في المدينة ليست كحياة الأرياف، والفارق بينهما كبعد السماء عن الأرض. لكن للقصة بدايات حرّفت مسار حياة الريف عن مسلكها المرسوم في سنوات حكم الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين، الذي أولى أهمية لما يسمى "القرى الاشتراكية" بالشكل الذي يربط الإنسان بأرضه.

إلا أن استفحال الإرهاب مطلع سنوات التسعينيات، حوّل أرياف الجزائر إلى مناطق تخلو من السكان بالتوازي مع تخل تام للسلطات المعنية عن دورها وفشل المنظومة الإدارية الحالية في إعادة التوزيع السكاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشير إبراهيم عزوز، أستاذ علم الاجتماع، إلى أن "الدعاية الرسمية حول أولوية مناطق الظل ينتظر ترجمتها على أرض الواقع، خصوصاً أن السلطات لم تكتشف أي جديد في هذه القضية المجتمعية الخطيرة. فهذه المناطق موجودة وتمتد على مساحات أكبر من مساحات المدن مجتمعة، ولا أتصور أن القضية محصورة بإشكالات تنموية وفي توفير وسائل الحياة في حدودها العادية، بل هناك انفصام مجتمعي وفوارق تعليمية وصحية ومهنية، وفي ممارسة النشاط العام سواء كان سياسياً أو اقتصادياً".

ويذكر عزوز أن "إيلاء الأولوية للمناطق الفقيرة أمر يستوجب الإشادة، لكني أتساءل: هل تملك السلطات آليات لتحقيق ذلك وهي التي ترث منظومة إدارية غير شفافة وتمتاز بالبيروقراطية وربما بعضها ينظر بمنطق الدونية والأبوية لساكني تلك المناطق النائية".

في نظر عزوز، "تحتاج هذه المرحلة لمرافقة اجتماعية شاملة تعيد النظر في كثير من المعتقدات الناشئة منذ فترة الإرهاب. إذ هناك فارق مجتمعي على مستوى المخيال الجماعي يحدث قطيعة بين سكان المدينة والريف".

مستشارون برتبة وزراء

في العرف والقانون الجزائري، تتولى وزارة الداخلية والجماعات المحلية المسؤولية الكاملة عن الجانب التنموي عبر التقسيم الإداري (الولاية والدائرة ثم البلدية)، إلا أن تبون فضل إلحاق جزء من مراقبة هذا الملف برئاسة الجمهورية، بعد تعيين إبراهيم مراد مستشاراً للرئيس مكلفاً بمناطق الظل.

وينقل الإعلام الرسمي بشكل يكاد يكون يومياً تنقلات مراد إلى بلدات نائية في محافظات جزائرية، وتشبه تلك الجولات مهام وزير في الحكومة من حيث "البروتوكولات" المرافقة. قد تكون دواعي ذلك البحث عن "رأي ثاني" في أذن الرئيس مباشرة بعيداً من الأرقام الرسمية التي قد "تُجمّل" الواقع بشكل اعتاد عليه مسؤولون جزائريون بحثاً عن "رضا المسؤول الأول".

في تفسير رئيس الوزراء عبد العزيز جراد، وهو يزور محافظة باتنة شرق الجزائر لإطلاق الموسم الدراسي، الأربعاء، فإن تعيين "رئيس الجمهورية لمستشار خاص لمتابعة المشكلات المسجلة في مناطق الظل دليل على الأهمية القصوى التي توليها الدولة لهذه المناطق". لكن جراد كان يقول هذا الكلام وسط انتقادات كبيرة رافقت زيارته، حينما شوهد مئات العمال يتولون عملية "تزيين" مداخل المحافظة والمسلك الذي يعبره موكبه، ما ذكّر بممارسات سابقة للتغطية على واقع التنمية المحلية.

واصطدمت مشاريع "مناطق الظل" بظرف وباء كورونا، لذلك جمدت السلطات مئات المشاريع لبضعة أشهر استمرت إلى مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي. وتضع الخطة بضع أولويات في طريقها، مثل الإنارة العمومية والربط بالطرقات وتوصيل المياه الصالحة للشرب أو حفر آبار لسكان بعض الأرياف، بالتوازي مع تشجيع صيغة "السكن الريفي"، وهو آلية تضمن من خلالها السلطات مساعدة مالية للراغبين في إقامة مسكن في إقليم "ريفي".

الحسابات السياسوية

يرى الهادي حابل، الناشط السابق في "الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان"، أن "التعامل مع المناطق الريفية والنائية يجب أن يبتعد من الحسابات السياسوية، لا سيما تلك التي ترى فيها وعاءً انتخابياً لا ينضب".

وتابع "الحق في التعليم والصحة والسكن والشغل مفاهيم يكرسها الدستور، لذلك فإن نجاح مخطط الحكومة مرهون بالمساواة في المطالب بين الجزائريين. من غير المعقول أن يطالب جزائري في العاصمة بالحق في السفر لأي وجهة في العالم، بينما يطالب آخر بتوفير مدرسة على مسافة خمسة كيلومترات عن مقر إقامته".

ويذكر حابل أن "إلحاق برنامج مناطق الظل بولاة الجمهورية يحتمل المغامرة، إذ نعلم جميعاً مدى سوء الإدارة في التعاطي مع الميزانيات الكبرى وفي التلاعب بالأرقام، حتى النوايا الصادقة تحتاج إلى رجال صادقين. وهذا يحيلنا إلى تعديلات واجبة على قانون الولاية والبلدية وشكل الرقابة في المجالس الشعبية الولائية والبلدية، بحيث لا يترك الأمر تحت تصرف معينين لا منتخبين".

ويضيف في هذا السياق أن "ولاة المحافظات الـ48 يعلمون اليوم أن معيار التمسك بهم في مناصبهم أو إنهاء مهامهم مرتبط بمدى تقدمهم في تجسيد هذا البرنامج، فإذا كان رئيس الوزراء نفسه يشكو من بيروقراطية محلية تعطل مشاريع الدولة، فإن العملية مرهونة بحضور قريب لآليات الرقابة".

المزيد من العالم العربي