Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة الاقتصادية تدفع بأطباء لبنان والممرضين إلى الهجرة

"لا بوادر أمل قبل 5 سنوات"

من تظاهرة لأطباء لبنان بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية (أ ف ب)

لم توفّر الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان مرفقاً حيوياً إلا وضربته. وقد طالت أخيراً القطاع الطبي الذي استطاع خلال سنوات احتلال مكانة مهمة في المنطقة والعالم.

ما نشهده اليوم من هجرة للأطباء والممرضين بالمئات ينبئ بالأسوأ مع خسارة الكفاءات التي يعوّل عليها المواطنون الذين لم يتبقّ لهم إلا هذا المرفق الحيوي الجدير بالثقة.

الأمل مفقود

عندما عاد الاختصاصي في التدخل الشعاعي فادي تنوري منذ سنوات إلى لبنان، لم يتوقع أنه قد يغادره مجدداً. تعلّقه الزائد لخدمة وطنه دفعه إلى المجيء بعدما أنهى علومه في بلجيكا، معتبراً أن العودة ستكون نهائية هذه المرة.

يقول "يدفعني الفساد اليوم إلى الرحيل من وطني الذي لطالما تمسّكت به ولم أفكر أنني قد أغادره يوماً. القرار الذي اتخذته كان في غاية الصعوبة، لكنني لم أجد بديلاً في ظل الظروف الحالية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن الوضع المادي لتنوري أو ظروف عمله في ظل الأزمة ما دفعه إلى الرحيل، بل كان مستقبل ابنتيه ودراستهما. فلم يكن أمامه خيار آخر نظراً للقيود التي فرضتها المصارف وأعجزته عن تحويل المال لنفقاتهما الجامعية.

ولأن مستقبل ابنتيه أولوية عنده، اتخذ القرار الذي يصفه بالسريع وليس متسرّعاً، فيما يشير إلى أنه لم يقدّم استقالته حديثاً بل في مارس (آذار) الماضي على الرغم من العروض الكثيرة التي قُدّمت له في لبنان من مستشفيات عدة.

ويضيف "قررت أن أضحّي بكل شيء من أجل ابنتيّ على الرغم من أنني آسف كثيراً للمغادرة".

في المقابل، يدرك تنوري أن لبنان يحتاج فترة طويلة حتى يبنى من جديد نظراً للفساد المستشري فيه في مختلف المجالات، بما في ذلك القطاع الطبي.

أما الطبيبة الاختصاصية في أمراض الجهاز الهضمي رولا سعادة فلم تكن العائلة الدافع لرحيلها. منذ بداية العام الحالي وبعدما بدأت الأزمة في لبنان وبدت الآفاق مسدودة، قررت السعي للعمل جزئياً في دبي بحيث تتنقل بين البلدين.

وتوضح "بدأت أحضّر أوراقي من مارس الماضي. وعندما تأزم الوضع أكثر فأكثر، وصولاً إلى انفجار المرفأ أتتني فرص بدوام كامل بعكس ما كنت قد خططت سابقاً فقبلتها".

على الرغم من انتقالها حالياً نظراً للظروف، حرصت سعادة على اختيار دبي كمقر قريب تحديداً، لأنها لم تشأ الابتعاد تماماً عن وطنها، مشيرة إلى أن هجرة الأطباء كبيرة جداً بسبب الأوضاع الاقتصادية والأمنية والمعيشية.

وتضيف "ظروف عملنا باتت صعبة جداً وحتى أتعابنا أصبحت قليلة، إضافة إلى تردي الوضع الأمني. حتى أن تأمين المستلزمات الطبية التي نحتاجها أصبح مكلفاً".

ذوو الاختصاص والكفاءة يغادرون البلاد

لا يخفى على أحد أن ثمة حاجة واضحة لأفراد الجسم الطبي والتمريضي في مختلف أنحاء العالم، خصوصاً مع انتشار جائحة كورونا. ومن الطبيعي أن تزيد العروض التي تقدّم في مثل هذه الظروف ما يجعل الوضع مؤاتياً بالنسبة للأطباء اللبنانيين والممرضين لقبول أية عروض يمكن أن تبعدهم عن الوضع المأساوي الذين يعيشون فيه.

ويقول نقيب الأطباء الدكتور شرف أبو شرف في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إن عدد الأطباء الذين غادروا البلاد تخطى 300، مع أن ثمة من هاجر إلى البلاد التي درسوا فيها من دون تبليغ النقابة لعدم حاجتهم إلى أوراق، وبعضهم يحمل جنسية أجنبية".

يضيف "لكن المؤسف، أن معظم الذين يغادرون هم من ذوي الاختصاص ومن الأكثر كفاءة ما يشكل خسارة كبرى للبنان، علما أن المتخرجين حديثاً يرحلون أيضاً. هجرة الأطباء من مختلف الفئات العمرية والاختصاصات أيضاً، مع بداية الأزمة الاقتصادية وازدياد الوضع سوءاً مع كورونا وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت الذي أتى كضربة قاضية شكّلت حافزاً لرحيل كثيرين، خصوصاً ممن يعملون في مستشفيات بيروت المتضررة بعدما توقف عملهم. تضاف إلى ذلك القيود المصرفية وتراجع معدلات العمل بسبب المشاكل المتراكمة".

لا يبدو أن ثمة حلولاً مطروحة للحد من هذه الخسارة الكبرى، والأزمة الجديدة التي قد تنتج منها، خصوصاً أن الدولة عاجزة عن تقديم أية مساعدة. كما أن الأوضاع المادية للنسبة الكبرى من المواطنين معدومة، يقول أبو شرف الذي يجد أن الآفاق مسدودة في المدى القريب، ولا يتوقع بوادر أمل قبل 5 سنوات على الأقل.

إلا أنه مع ذلك، يدعو من يجد نفسه قادراً على التحمّل والمواجهة أن يصمد و"يعضّ على جرحه" لاعتبار أن لبنان بأمس الحاجة إلى طاقاته هذه اليوم أكثر من أي وقت مضى.

نقيبة الممرضين

في سياق متصل، تطلق نقيبة الممرضين ميرنا أبي عبدالله الصرخة أيضاً لاعتبار أن الجسم التمريضي مهدد بخسارة ذوي الخبرة والكفاءة مع غياب البيئة الآمنة ونظراً للأجور المتدنية والظروف المعيشية الصعبة يجد هؤلاء أنفسهم أكثر ميلاً إلى مغادرة كالأطباء وغيرهم من المواطنين.

وتوضح "ليس هناك ما يقنعهم بالبقاء. أكثر ما يقلقنا خسارة النخبة من ممرضينا الذين يجدون دولاً تقدم لهم فيزا وإقامة مع عائلاتهم مثل بلجيكا وفرنسا والولايات المتحدة، ومع توقع أن تكون هناك حاجة إلى 9 ملايين ممرض وممرضة في السنوات العشر المقبلة".