وزير الخارجية المصري في عهد الإخوان: تصدينا لاختراق "الجماعة" لثوابت سياسة القاهرة تجاه المجتمع الدولي

محمد كامل عمرو: كادت حكومة مرسي أن تدخل البلاد في أزمة كبرى مع فرنسا

وزير الخارجية المصري الأسبق محمد كامل عمرو. (حسام علي. إندبندنت عربية)

مع تسارع وتعقد التطورات المتلاحقة في قضايا المنطقة العربية التي تتزامن مع سياسات أميركية، "تصب مزيداً من الزيت" على النار المشتعلة في قضايا المنطقة، التقت "إندبندنت عربية" وزير الخارجية المصري الأسبق محمد كامل عمرو، الذي تولى منصبه في فترة لا تقل حساسية وخطورة عن تلك التي تمر بها المنطقة في الوقت الراهن يوليو(تموز) 2011 إلى الشهر ذاته من العام 2013، والتي شهدت ذروة ما عرف بـ"الربيع العربي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الوزير الأسبق ، كشف في لقائه، عن كواليس التعارض بين مؤسسة الخارجية ومؤسسة الرئاسة المصريتين وقت حكم جماعة "الإخوان المسلمين"، ورئيس مصر الأسبق، المنتمي إليها محمد مرسي، لا سيما في الملفات السورية والفلسطينية، فضلا عن أزمة التدخل الفرنسي في مالي عام 2012، كما أوضح رؤيته تجاه أبرز القضايا والموضوعات الملحّة والطارئة على الساحة العربية والدولية لا سيما مع تطورات الأزمات في اليمن، وليبيا، والسودان، والجزائر، فضلا عن التدخلات الإقليمية "المضرة باستقرار المنطقة" وفق تعبيره.

تطورات غير مسبوقة

يقول محمد كامل عمرو، الذي عمل قبل توليه وزارة الخارجية، في العديد من العواصم الدولية والعربية مثل واشنطن ونيويورك والرياض ولندن وبكين وأديس أبابا وأستراليا:

"الأزمات العربية التي تمرّ بها المنطقة باتت أكثر تعقيداً وخطورة مما سبق،مثل هذه الأزمات باتت بحاجة جادة إلى توافق عربي شامل بشأنها، ويجب أن نأخذ بالاعتبار أن الخطوات الأميركية، أحادية الجانب، تجاه سوريا وفلسطين وتصب مزيداً من الزيت على النار المشتعلة في تلك الملفات"، وأضاف الوزير السابق: " الاعتراف الأميركي بسيادة دولة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان السورية، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمة أبدية للدولة العبرية، كلها تطورات خطيرة تتجاوز التوافق الإقليمي والدولي على مدار العقود السابقة. وإضافة إلى ذلك، فإن زيادة التدخلات الإقليمية، لا سيما من جانب تركيا وإيران في قضايا المنطقة غير مقبول، ويزيد من عدم الاستقرار في المنطقة".

موقف عربي موحد

بشأن أبرز القضايا التي تشهد تطورات "غير مسبوقة"، وتحتاج إلى توافق عربي عاجل، أوضح محمد عمرو، أنه يتصور أن هناك قضيتين مهمتين، هما المسألة السورية والقضية الفلسطينية. لاسيما في ظل التطورات الأخيرة التي طالت القضيتين من الجانب الأميركي مع اعتراف الرئيس ترمب، بسيادة الاحتلال الإسرائيلي على الجولان وغيرها من الملفات المرتبطة.

مركزية القضية الفلسطينية والسورية

فيما يخص الشأن السوري قال عمرو: "عاصرنا التطورات السورية منذ عام 2011، وعند النظر إلى الأزمة السورية بعد 8 سنوات من عمرها، نجد الأوضاع تغيرت تماماً، وبتأملها، نجد أن تنظيم داعش سقط من حيث الوجود، لكن المشكلة تكمن في أن فكر التنظيم ما زال موجوداً، وخطورة أفكار داعش لا تقل عن خطورة وجوده، وعلى القادة العرب أن يتعرضوا لها بصورة أكثر انخراطاً، ونكون متفقين على مرحلة إعادة الإعمار في سوريا، والعملية السياسية، والتعامل مع تعقيدات التداخل الإقليمية والدولية في الملف".

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، ذكر عمرو: "هناك أيضا تطورات خطيرة غيرت مسار القضية عما كانت عليه منذ عقود، كنا دائما نتحدث على حل الدولتين، وكان هناك توافق دولي على هذا. بالإضافة إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو(حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، ودولة إسرائيلية، تعيشان في سلام جنباً إلى جنب".

أوضح عمرو: "دائما كانت هناك مفاوضات بشأن موضوع القدس، رغم إرجائه نظرا لصعوبته، اليوم الولايات المتحدة نـحـّت موضوع القدس تماماً من على طاولة أي مفاوضات مستقبلية، والواقع أنها بما اتخذته من إجراءات فقد انحازت لطرف وأعطوها لإسرائيل، وهذا ما يعقد الأمور بشأن أيه مفاوضات مستقبلية بين الجانبين. وهو الأمر ذاته الذي صنعته الولايات المتحدة باعترافها بسيادة إسرائيلي على الجولان السورية المحتلة. وهو أيضا أمرٌ لا يقل خطورة عن القدس، فالقدس كان متنازعا عليها، ومحل خلاف مستمر، أما الجولان فهي أرض سورية محتلة  100%، ولم يكن ثمة نزاعٌ بشأنها على الإطلاق طوال العقود السابقة، ولم يحدث أن قال أحد غير هذا، أو أشار إلى أنها تاريخياً جزء من إسرائيل. وحين تعترف أميركا بالجولان إسرائيلية فهذا تطور خطير جدا، لأن مواقف الولايات المتحدة، إلى حد كبير، تحدد مسار مفاوضات الأزمات في المنطقة. والنظرة المستقبلية لها".

وواصل وزير الخارجية المصري الأسبق حديثه: "حين تقرر الولايات المتحدة الانحياز إلى الطرف الإسرائيلي فيما يتعلق بالجولان والقدس، فهذا تغير كامل في توجه السياسة الأميركية في هاتين القضيتين المركزيتين، وهى مسألة ليست سهلة"، وأشار إلى أن هاتين القضيتين، "من أهم القضايا التي تواجه العالم العربي بأكمله في الفترة المقبلة، ومن ثمّ يجب أن يكون هناك تعاون عربي بشأنهما، لأن أي تطور بهما سيؤثر، بحسب تعبيره، علي  دول المنطقة بأكملها".

وأثني على موقف مصر والدول العربية من التحركات الأميركية "أحادية الجانب"، فيما يتعلق بالملفين الفلسطيني والسوري، "مصر والدول العربية، أعلنت على الفور رفضها للقرارات الأميركية الخاصة بالجولان والقدس، وأن هذه مواقف واضحة لم تتغير على مدار السنوات الماضية وحتى المستقبلية". مشددا في الوقت ذاته "على أهمية أن يكون هناك موقف عربي قوي وموحد لإعطاء زخم وقوة والاتفاق على حلول عربية - عربية للأزمات"، وهو ما دعا إليه دوما فقد "كررت الأمر كثيراً حين كنت وزيراً، ومصر كانت الدولة الوحيدة التي لم تغير موقفها من الأزمة السورية، إذ تدعم القاهرة الحفاظ على الدولة السورية متكاملة بغض النظر عن هوية النظام الحاكم".

كواليس خلافات الخارجية والرئاسة في عهد مرسي

بسؤاله عن قطع العلاقات المصرية السورية، في عهده حين كان وزيراً للخارجية عقب إعلان الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في مؤتمر "نصرة سوريا" باستاد القاهرة الدولي  في 15 يونيو، أمام الآلاف من أنصار تنظيم الإخوان قطع العلاقة مع دمشق، وسحب السفير، ودعوة مجلس الأمن الدولي إلى فرض منطقة حظر جوي فوقها، واعتبار ذلك تغيراً في ثوابت السياسة المصرية، أوضح عمرو أن "قطع العلاقات بين البلدين كان له ظروف خاصة، وتعاملنا معه بخلفيات معينة انطلاقاً من الثوابت المصرية للسياسة الخارجية، وهو مختلف تماماً عما أثير حوله حينها وإلى الآن".

وكشف عمرو للمرة الأولى: "بعد المؤتمر الشهير للرئيس المصري الأسبق مرسي في استاد القاهرة، التقيته في اجتماع مطول في اليوم الثاني بالقصر الرئاسي، وأكدت على اعتراض الخارجية على الخطوة، وأبلغته الرفض التام لفكرة غلق السفارة المصرية في دمشق وأصررت عليها، رغم أنه كان هناك ضغوط عربية ودولية كثيرة على مصر لغلق السفارة في دمشق وسحب السفير المصري، تماشياً مع موجة سحب البعثات الدبلوماسية حينها من العاصمة السورية، وقطع العلاقات مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد".

وتابع عمرو، "كل ما تم تنفيذه حينها بشأن الخطوة الرئاسية، عدم اعتماد سفير جديد لمصر في سوريا مع حركة النقل الطبيعية والمعتادة بالخارجية المصرية، لكن أبقينا السفارة موجودة، وبقي العلم المصري يرفرف عليها، كما بقيت الأوضاع كذلك بالنسبة للسفارة السورية في القاهرة، ولم تأت دولة ثالثة لرعاية المصالح بين البلدين، كما هو معتاد في حالات قطع العلاقات الدبلوماسية بين دولتين".

وأضاف الوزير : "حدث توافق على رأيي بعدم قطع العلاقات وعدم إمكانية إنزال الأعلام المصرية والسورية من فوق كل سفارة في البلدين، مع الرئيس الأسبق مرسي، رغم اختلاف وجهة نظره"، مشدداً في الوقت ذاته "كانت لدي قواعد ومحددات واضحة في التعامل مع حكومة الإخوان المسلمين في مصر وقت حكمهم، وكنت في أي لحظة سأشعر أني غير قادر على تنفيذ أمرين مهمين وضعتهما في قائمة الأولويات خلال ترأسي الوزارة، وهما حماية الخارجية من أي اختراق من قبل جماعة الإخوان، والحفاظ على الثوابت في السياسة الخارجية، كنت سأستقيل فوراً. وأعلنت هذا آنذاك صراحةً".

وقال عمرو: "فكرت في بعض الأحيان في الاستقالة مع اختلاف التوجهات بين الخارجية المصرية ومؤسسة الرئاسة في عهد مرسي، لكن كان هناك مناشدات شخصية لي، للإكمال في المنصب، على اعتبار أن وجودي يحمي الخارجية المصرية من الاختراق ويحافظ على ثوابت السياسة الخارجية المصرية، إذ لم تكن هذه الفترة سهلة بالمرة على مصر والمنطقة". مشيدا في الوقت ذاته، بالتوافق في الرأي في سنة وزارته الأولى في عهد حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي تولى إدارة شؤون البلاد لمدة أكثر من عام بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير(كانون الثاني) 2011، بعد الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في 11 فبراير(شباط) من العام ذاته.

ودلل عمرو على موقفه الثابت من تطورات الأزمة السورية قائلا: "كانت آخر زيارة بين العرب ونظام الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق، وكنت موجوداً فيها، قبل وقف عضوية سوريا بالجامعة العربية بثلاثة أشهر، حيث ذهبت إلى دمشق ضمن زيارة لخمس وزراء خارجية عرب وهم: وزراء خارجية مصر والسودان والجزائر وقطر وسلطنة عمان، ضمن اللجنة الوزارية المصغرة المكونة بقرار من الجامعة العربية للتعامل مع المشكلة السورية عربياً".

وتابع عمرو: "ذهبنا إلى دمشق، أنا وأربعة وزراء خارجية آخرين، وخلال لقائي الرئيس السوري بشار الأسد، أبلغته بما هو نصه، أن العلاقات المصرية السورية تاريخية، ومصيرية ولا تحتاج لتوضيح، وقلت له: إن سوريا مستهدفة وأن هناك قوى كثيرة مستعدة وترغب في التدخل فيها، وأنه مؤهل لقيادة التغير في سوريا وسط التغيير الحادث في العالم العربي، وهدفنا في مصر هو الحفاظ على تكامل الدولة السورية كأولوية، فأي تقسيم في سوريا سينعكس سلبا على العرب، والجميع معرض للخطر من تداعيات مثل هذا الاحتمال".

وحول رد الأسد عليه، قال عمرو إن "الرئيس السوري أبلغه بمدى اقتناعه الكامل بكلماته، وأن سيعمل على أخذ ملاحظاته بعين الاعتبار"، وأشار عمرو "كررت مثل هذه الكلمات في لقاءات لاحقة جمعتني، بوزير الخارجية السوري وليد المعلم، ومستشارة الرئيس السوري الإعلامية والسياسية بثينة شعبان، وقلت إن هناك مخططات لتدمير الدولة السورية وتقسيمها، ونحن لا نقبل بهذا كمصر، وينبغي أن نكون على الوعي الكافي بخطورة أمر كهذا".

محاولات اختراق ثوابت الخارجية المصرية

وعن حقيقة تدخل الدكتور عصام الحداد، مستشار الشؤون الخارجية للرئيس الأسبق محمد مرسي، واتساع دوره على حساب الخارجية المصرية، أو أيا من أعضاء جماعة الإخوان، اعتبر عمرو هذا الكلام " أقرب للمغالطات التي تم ترديدها كثيرا وصدقها البعض"، وتابع "الحداد لم يتدخل في عمل الخارجية المصرية بالمرة، كما أنه لم يدخل مقر الوزارة إلا مرة واحد بعد تولي الرئيس مرسي الحكم، في يونيو 2012، للتعرف علي، بقيت الخارجية طوال هذا العام هي الوحيدة التي تمثل مصر في المناسبات والأحداث الدولية، ولم يحدث أن مثــّــل الحداد مصر بصفته في أي مناسبة".

الإخوان ودعم التطرف في مالي

استشهد وزير الخارجية الأسبق بموقف آخر من عدم التوافق مع مؤسسة الرئاسة، وقال: "أكثر من مرة وقع بيني وبين حكومة الإخوان خلاف"، وكشف وزير الخارجية الأسبق، لأول مرة، ما قال إنه خلاف في الرؤى بين مؤسسة الخارجية والرئاسة في عهد الإخوان المسلمين، فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في دولة مالي، وقال: "ففي دولة مالي مثلاً، وبعد إقدام مجموعات إسلامية متطرفة (حركتي أنصار الدين والتوحيد والجهاد) على الإطاحة بالحكومة والسيطرة على البلاد، وما تبع ذلك من حدوث تدخل عسكري فرنسي في مالي بناء على طلب من الحكومة الشرعية في يناير/كانون الثاني 2013، كانت هناك أصوات داخل حكومة الرئيس مرسي، تطالب بالاعتراف بتلك الجماعات كمعارضة شرعية ودعمها، وأوضحت أن هذه المجموعات ما هم إلا مهربو مخدرات وإرهابيون، وليسوا بمعارضة شرعية. رغم وصفهم لأنفسهم بـ"الإسلاميين"؛ لاكتساب عطف العالم العربي والإسلامي، وكان ثمة توجهٌ في مؤسسة الرئاسة المصرية حينها، للاعتراف بهم، فاعترضت وأخبرتهم أن هذا لا يمكن. لا يمكن مساواتهم بالحكومة. لاسيما بعد طلب الحكومة الشرعية التدخل الفرنسي". وأشار إلى أنه "كان هناك محاولات من الرئاسة لانتقاد هذا التدخل، وهو ما رفضته تماما".

ومضي عمرو قائلاً: "كانت هناك محاولات مصرية ليست من الخارجية، (تصريحات لها علاقة بمؤسسة الرئاسة). وأوضحت لباريس أن أي موقف من مصر يصدر فقط من مؤسسة الخارجية. وليس أي جهة أخرى"، مضيفاً "حينما وجدت أن الموضوع بدأ في فرنسا ينعكس سلبا على العلاقات مع القاهرة؛ مع شعور أن مصر قد تنتقد باريس أو تدين تحركها في الموضوع، أجريت زيارة لفرنسا، والتقيت الرئيس الفرنسي آنذاك فرنسوا هولاند ووزير خارجيته لوران فابيوس، لتوضيح الأمر".

تابع: "خلال مقابلة هولاند في الإليزيه، ورغم اعتقادي أنه لقاء بروتوكولي مع الرئيس، بعد لقاء وزير الخارجية الفرنسي، فإن اللقاء استمر أكثر من ساعتين ونصف الساعة، بصحبة وفد مفاوضات مع الرئيس، وأخبرته أننا لا نرفض التدخل الفرنسي في مالي، لأن القانون الدولي يؤكد إجازة طلب الحكومة الشرعية للتدخل، كما شددت على أن أي شيء تسمعه باريس غير صادر عن الخارجية المصرية لا تأخذ به، إذ لا يمثل موقف مصر".

ويشرح الوزير المصري السابق في عهد الإخوان بشكل مفصل : "كل المواقف التي أرادت جماعة الإخوان المسلمين، أن يأخذوا فيها مواقف وخطوات من دون استشارة الخارجية المصرية، كنت أقف أمامها طوال الوقت، وأؤكد أن هذه هي ثوابت السياسة الخارجية المصرية الملتزمين بيها، ولو أردتم تنفيذ أمر آخر فلن أكون وزيراً، ومن ثم كنا غير معنيين بتصريحات فرديه أو من مؤسسات أخرى في البلد. وأكدنا أن موقف مصر يصدر فقط عن الخارجية".

"صفقة القرن" ليست واضحة بعد

أخبرنا كامل عمرو، بشأن خطة السلام الأميركية في المنطقة والمعروفة إعلامياً بـ"صفقة القرن": "إن هذا المصطلح يتردد منذ أكثر من عامين دون تفاصيل لمحتوي واضح، ولا يوجد شيء ملموس لما يسمي بصفقة القرن، حتي السلطة الفلسطينية تتساءل بشأنها وليست هناك معلومات، كلها تعبيرات أو أفكار مطلقة، وليست واضحة أو محددة للتفاوض والحديث بشأنها".

وأكد عمرو، بهذا الصدد، "ما أود التأكيد عليه بخصوص هذا الشأن، أن لمصر وكل الدول العربية ثوابت متوافقاً بشأنها لحل القضية الفلسطينية، والجميع متمسك بها"، مرجحاً "فشل أي بديل عن حل الدولتين، بصورة عادلة ومستدامة"، مشددا في الوقت ذاته أن "الوضع الآن ليس سهلاً، وأن الخيارات أيضاً أمام العالم العربي، ليست سهلة. وأن حل القضية الفلسطينية حلٌّ عادلٌ وشاملٌ ودائمٌ ضرورة ليس فقط للدول العربية وانما للعالم أجمع".

وحول قدرة الجانب الأميركي على فرض أجندته في القضية الفلسطينية أوضح عمر، "لا أحد ينكر قوة أميركا ونفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي في العالم، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، إلا أنه حين يتعلق الأمر بالشعوب، فلمثل هذه القوة والقدرة حدود، ولا يمكن أن تكون مطلقة".

وبرهن الوزير السابق، على حدود القوة الأميركية، بما حدث أثناء حربها في فيتنام (في الفترة ما بين 1954 وحتى 1975، حيث تدخلت الولايات المتحدة الأميركية عسكريا بدءا من العام 1961)، قائلاً: "أمريكا بكل قوتها لم تتمكن من فرض سيطرتها على القضية الفيتنامية"، مضيفاً "هناك حدود للنفوذ والقوة، خصوصا إذا كان الهدف المراد السيطرة عليه، هو الشعب، وإذا كان الشعب رافضاً، فلن تتمكن أي دولة من فرض قوتها أو نفوذها عليه، ولنا في التاريخ عبر ومواعظ".

وتابع: "نأمل أن القضية الفلسطينية تحل على أساس دولتين، بعد التوافق الدولي بشان هذا الحل"، معتبراً أن "عدم حل القضية الفلسطينية يبقي أحد الأسباب المباشرة للاضطراب والفوضى في المنطقة، ولا يمكن فصل ذلك عن قضايا الإرهاب وتوفير مناخ خصب للمتطرفين والإرهابيين في استغلال مثل هذه الأوضاع".

وحول موقف جماعة الإخوان المسلمين أثناء فترة حكمهم لمصر من خيار حل الدولتين وتعثره، كشف وزير الخارجية المصري الأسبق، "في هذا الشق، كان هناك رأي داخل الجماعة مع وجودها في الحكم، بضرورة تبني خيار المقاومة والنضال العسكري بعد فشل خيار حل الدولتين، والمسار التفاوضي". لكن، وفق تعبير عمرو، "أكدتُ أن حلّ الدولتين هو ما توصل إليه المجتمع الدولي بالإجماع، ومن ثم لا يمكن اعتماد مثل هذا الخيار"، معبراً عن مدى استغرابه من طرح أطراف في الرئاسة مثل هذا الخيار بعد توافق المجتمع الدولي والدول العربية على "مبدأ السلام".

سوريا ستعود للجامعة العربية

بشأن عودة سوريا إلى الجامعة العربية بعد وقف عضويتها عام 2012، وعدم التوافق بين الدول العربية بهذا الشأن، قال عمرو: "ستعود سوريا إلى الجامعة في وقت من الأوقات، فهي واحدة من الدول المحورية في العالم العربي، لكن التوقيت لذلك متروك للقادة العرب والتوافق بشأنه".

وعن الشروط التي يرددها البعض بشأن عودة سوريا، ذكر عمرو: "هناك شروط مقبولة وأخرى غير مقبولة، علينا الأخذ في الاعتبار عند التعامل مع الملف السوري أن نفرق بين الدولة السورية والنظام السوري، والانطلاق من قاعدة الحفاظ على تكامل ووحدة الدولة السورية"، لا سيما في ظل تعدد الأدوار والتدخلات والنفوذ في سوريا الأن من إيراني لتركي لروسي وكذلك أميركي وغربي.

وحول الأزمة الليبية واستمرار الانقسام بين الفرقاء الليبيين منذ سنوات، أوضح "أن مناخ عدم الاستقرار الموجود في ليبيا هو المناخ الملائم لوجود جماعات إرهابية، وعلى العالم العربي أن يكون مهتماً بعودة الاستقرار إلى ليبيا، من خلال الدفع لوجود توافق وقناعة داخلية ليبية فيما بينهم، لاستعادة الاستقرار، وعدم الدفع بصيغة "هشة" لا يمكنهم التوافق بشأنها. داعيا الأطراف الليبية لتغليب المصالح الوطنية العليا على المصالح الشخصية لتحقيق التوافق".

الجزائر والسودان

وبشأن تطورات الأوضاع في الجزائر والسودان، وتصاعد حدة المظاهرات المناهضة للحكومات في هذين البلدين، ذكر عمرو، الذى رفض الإدلاء برأيه فيهما، كي لا يكون تدخلاً منه في شؤون البلدين الشقيقين، لكنه ركز، على ضرورة تعاطي الحكومات مع الشباب ودمجهم بصورة حقيقية على اعتبار أنهم هم المستقبل المحرك لتلك البلدان.

وأوضح عمرو "أن العالم العربي من أكثر من المناطق التي تحتل نسبة الشباب فيه بين 16 و23 عاماً الغالبية الكبرى، وهذا الشباب ليس منغلقاً، بل هو منفتحٌ على ما يحدث في العالم وله نظرة في دوله غير نظرة الأجيال السابقة والقديمة، والتي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار، والتأكيد على أن المستقبل للشباب".

مخاوف عدم الاستقرار

أوضح محمد كامل عمرو، أن "عدم الاستقرار في أي من دول المنطقة، يفتح لقوى كثيرة جدا التنازع والتدخل تحقيقاً لمصالحها، على حساب الاستقرار في دول المنطقة". وحول التدخلات التركية، قال: "أنقرة تعتبر نفسها الآن قوة سياسية واقتصادية إقليمية، ومن ثمّ تعطي نفسها الحق لدور أكبر وأوسع في الشرق الأوسط، ولا يقبل أن يكون هذا الدور على حساب الاستقرار في المنطقة أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول في المنطقة، ومن المهم أن تكون هناك خطوط ومحددات لتوضيح العلاقات العربية مع الدول الإقليمية، مع التأكيد على عدم السماح لهذه الدول بتأييد قوي وحركات داخلية، تحاول إثارة قلاقل داخل بلدانا العربية، كما الحال في دعم إيران للحوثيين في اليمن، وحزب الله اللبناني. فهذا غير مقبول وغير مسموح به".

وتابع: "إيران تحاول دوما استغلال القلاقل التي تحدث في المنطقة، واضطراب الأحداث لإنشاء موطئ قدم لها وفرض نفوذها، كما يحدث في سوريا واليمن. ولا أتصور أن أيا من الدول العربية ضد أي علاقات سوية وطيبة مع أي دولة في العالم، فمثل هذه العلاقات في صالح كل الدول، لكن عندما تتعدي العلاقات لتأييد جماعات وحركات داخلية لتثير قلاقل داخل الدول، فهذا أمر غير مسموح به".

وذكر عمرو، أن أفضل رد عربي على التدخلات الخارجية المزعزعة للاستقرار، هي محاولة (عربية _ عربية) لخلق استقرار في المنطقة، قائلاً: "لو استقرت الأوضاع في أحد المناطق الملتهبة في المنطقة بحل عربي عربي، على سبيل المثال في سوريا أو ليبيا أو اليمن، فبحكم طبيعة الأشياء فإن التدخل الخارجي الذي يستغل الفراغ الموجود وعدم الاستقرار، والذى أحد مظاهره تركيا وإيران، سينتهي ويتلاشى، فمع استقرار الأوضاع في أحد الملفات، فلن يكون هناك وجود لهما، فالمناخ هو المشجع على استمرار التدخلات التركية والإيرانية، ويجب تهيئة المناخ وعلى العالم العربي ألا يعطي فرصة للتدخل، وعلينا سرعة تدارك أخطاء الماضي، وسرعة البدء عربياً، لتكوين رؤية واضحة تقتضي عدم ترك المساحة للدول الخارجية لتحدد مستقبل منطقتنا". وشدد: "لو نجحنا في واحدة من الأزمات.. ثق تماما إننا ممكن بالتبعية نحل المشاكل والقضايا الأخرى".

"أميركا ترمب" حالة غير مسبوقة

وبشأن السياسات الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب، و"غير المتوقعة" منذ وصوله للحكم في 2016، أوضح عمرو، "الحالة الأميركية الجديدة أول ناس غير قادرين علي فهمها هم الأميركيان أنفسهم أكثر منا، وبحكم عملي الطويل في الولايات المتحدة سواء في السفارة المصرية أو البنك الدولي، فيمكن القول، أن ما يحدث في عهد ترمب لم يشهده التاريخ الأميركي، وتظل المشكلة أن ما يحدث في أميركا ينعكس على كافة المناطق في العالم، ومنها منطقتنا". وذكر عمرو، "أن العلاقات الدولية تحتاج إلى استقرار في القواعد، وإلا تعقدت الأمور واستعصت على الحل".

المزيد من سياسة