Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جون راسكين الناقد الفني الذي أمضى حياته يصنع ثواراً حقيقيين

هاجم اقتصاديي الرأسمالية مدافعاً عن البشر وألهمَ المهاتما غاندي

جون راسكين (غيتي)

كان بالتأكيد رساماً متوسط المستوى، لكنه كان في المقابل ناقداً فنياً كبيراً ناصر تورنر وخاض معارك قضائية ضد ويستلر. وإلى هذا كان باحثاً في نظريات الهندسة المعمارية خلّف كتباً رائعة في هذا المضمار. وكان نجماً في المجتمع اللندني في زمنه وصاحب نفوذ في الجمعية الملكية للفنون فيما كان رسامو تيار "النيو رافائيلية" يعتبرونه زعيمهم وحاميهم. ولكن كل هذا لم يكن يكفيه. كان يريد أن يكون زعيماً سياسياً ومصلحاً اجتماعياً أيضاً. والحقيقة أنه تمكن من ذلك ولو جزئياً.

وبحسبنا أن نقرأ ما قاله عنه يوماً جورج برنارد شو:

"لقد قابلت خلال حياتي عدداً لا بأس به من الثوار الحقيقيين، وكنت كلما التقيت بواحد منهم أسأله: من الذي وضعك على طريق الثورة... أهو كارل ماركس؟ فيجيبني: بل هو جون راسكين...". ولم يكن شو من الذين يلقون الكلام على عواهنه بحيث يصل بشكل مجاني إلى حد مقارنة أيّ كان بكارل ماركس الذي كان بالنسبة إليه مثلاً أعلى. ومن هنا تزداد أهمية هذا الكلام ويصبح التساؤل مشروعاً عن جون راسكين، والأمور التي جعلته قادراً على أن ينفخ الثورة في أفئدة "ثوار حقيقيين" من طينة الذين كان من شأن شو أن يتعرّف عليهم. ولعل الأمر يزداد حدة إن نحن تنبهنا إلى أن فيلسوفاً كبيراً هو هنري برغسون لم يتوانَ عن المزايدة على شو حين قال: "لقد أدهشني دائماً ما لدى جون راسكين من ثراء في كتاباته، ومن عبقرية".

بين راسكين وغاندي

ونحن لو بحثنا عن خلفيات هذين الموقفين في كتابات راسكين ومواقفه سنجدنا أمام عشرات الكتب والدراسات. ومن هنا لا بد من الاختيار. وليكن هذا الاختيار واحداً من أشهر كتب راسكين في ميدان علم الاجتماع، المعنون "حتى هذا الأخير". والواقع أنه بقدر ما كان العنوان مربكاً وعصياً على الإدراك على الرغم من بساطته، إلى درجة أنه بقي في اللغة الإنجليزية في معظم الترجمات وسوف يستخدمه غاندي على تلك الشاكلة في اقتباس هندي للكتاب، كان النص نفسه واضحاً وسهلاً.

فالكتاب نصّ في الاقتصاد الاجتماعي نشره راسكين على حلقات شهرية في "كورنهيل ماغازين" في ديسمبر(كانون الأول) 1860 سرعان ما اضطرت المجلة إلى إيقاف نشرها حين تزايدت احتجاجات قرائها وهدد كثر منهم بسحب اشتراكاتهم. هؤلاء لم يتحملوا ذلك الجهد العلمي الذي بذله راسكين لفضح الاقتصاديين الرأسماليين الذين كتبوا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كان الكتاب كتاب معركة ومن هنا، طبعاً، اهتمام الزعيم الهندي غاندي به في شبابه حين اكتشفه وهو بعد في جنوب أفريقيا.

في هذا الكتاب الذي يغلب عليه مزيج من الطابع الإيديولوجي والتقني، هدف راسكين في آن معاً إلى تعريف الثروة من ناحية، ومن ناحية أحرى البرهنة على أن الحصول عليها يحتاج إلى توافر عدد من الشروط الأخلاقية. وبالتالي فإن جلّ فصول الكتاب مكرّس لدحض العديد من الآراء الشعبوية التبسيطية الرائجة من حول فكرة الثروة. بالنسبة إلى راسكين لا يمكن الركون مثلاً إلى فكرة ستيوارت ميل حول الإنسان الاقتصادي الذي من شأن إقباله على العمل أن يخلق الثروة في المجتمع. فالمسألة ليست ميكانيكية إلى هذه الدرجة إذ أين هو الإنسان نفسه في هذا كله؟ الإنسان البسيط الذي هو الخالق الحقيقي للثروة؟ هذا الإنسان كان هو محور كلام راسكين وغاندي من بعده بالطبع.

 

ابن حقيقي للقرن العشرين

من هنا علينا أن لا ننسى هنا أن جون راسكين كان، في ثقافته وحداثته وميوله الفكرية والاجتماعية، ابناً حقيقياً للقرن العشرين حتى وإن كان قد افتتح بموته بداية 1900 أحزان هذا القرن، هو الذي عمل خلال السنوات العشر الأخيرة من حياته على محاولة سحب كتبه الأولى، التي وضعها حول الفن وفلسفة الفن، من التداول، ولكن عبثاً لأن إقبال الجمهور عليها جعل لها مكانة كبرى في تاريخ الفن. ولعل السبب الذي حدا براسكين إلى محاولة إخفاء كتاباته، هو أنه كان ينادي فيها علناً بأن المعمار والفن اللذين يبدعهما شعب من الشعوب إنما هما التعبير الحقيقي عن إيمان ذلك الشعب الديني وعن أخلاقه وعن تطلعاته القومية وأعرافه وعاداته الاجتماعية.

فالحال أن راسكين كان عند نهاية حياته الطويلة، قد أضحى من النزوع الفردي في النظر إلى عملية الخلق الفني ما يمنعه من قبول نظرياته السابقة، حتى وإن كان في الوقت نفسه قد أمعن في استلهام المبادئ الاشتراكية والاجتماعية في دعواته السياسية والفلسفية الخالصة التي شغلت منه النصف الثاني من حياته، بخاصة بعدما كان قد أنجز نشر الجزء الخامس من كتابه الشهير في نقد الفن والتنظير له "فنانون محدثون". وفي هذا الإطار نشير إلى أن حياة راسكين قد انقسمت قسمين متساويين في عدد سنيهما: انهمك في أولهما في التنظير للفن ولضروب الابداع كافة، كما أنه كتب الشعر ورسم اللوحات، بينما حوّل نفسه في ثانيهما إلى مصلح ومنظر اجتماعي اهتم بالمشكلات الاجتماعية وبالمسائل الدينية والتربوية والأخلاقية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

شبيه لروسو على الطريقة الإنجليزية

ولد جون راسكين العام 1819 ابناً لأسرة موسرة مثقفة، وكان والداه من الاهتمام بحيث منعاه من أن تكون له طفولة عادية، بل أصرّا على أن يحشرا رأسه بكل ضروب الآداب والفنون الكلاسيكية، فزار برفقتهما القصور والكاتدرائيات والمتاحف في طول أوروبا وعرضها، وتعرف على الموسيقى الكلاسيكية وعلى أعمال كبار الرسامين والمسرحيين. وفي المقابل نراه لم يفلح في الدراسة كثيراً لأن ثقافته كانت أكبر من أن يستوعبها عمل مدرسي. ثم حين لاح له أن يهتم بالدرس حقاً وهو في الخامسة عشرة من عمره، وقع في غرام فتاة فرنسية وكان غراماً مستحيلاً، أقعده عن أي رغبة في التحصيل، وحوّله إلى شاعر ورسام. وكان هذا أمراً طبيعياً لمن له ثقافته وحساسيته. وهو بدأ يلفت الأنظار، باكراً كشاعر ورسام، ثم ركز أموره وتحول إلى ناقد، لكن نقده كان هرطوقياً في مقاييس تلك المرحلة، إذ إن الجزء الأول من سفره "فنانون محدثون" والذي خصصه لأعمال الفنان تيرنر أثار من حوله عاصفة نقدية، بينما ظل تيرنر نفسه صامتاً إزاءه.

غير أن العاصفة لم تثبط من عزيمة راسكين، بل تابع كتابته وراح ينشر الكتب والدراسات وهو موقن من أنه سيصل أخيراً إلى إقناع معاصريه بصواب نظرته حول علاقة الإبداع بالمجتمع. وهو تمكن من ذلك بالفعل في كتابه الأفضل "مصابيح الهندسة العمرانية السبعة" (1849) الذي كرسه وفتح أمامه كل الأبواب. بعده لم يتوقف راسكين عن الكتابة، فأصدر خلال عقد ونصف العقد نحو دزينة من الكتب كان أبرزها إلى جانب "حتى ذلك الأخير"، "حجارة البندقية" و"موانئ إنجلترا" و"عناصر الرسم" و"عناصر المنظور" وصولاً في 1860 إلى الجزء الأخير من "فنانون محدثون". ومع هذا الجزء قرر التوقف عن الكتابة في الفن ليخوض الكتابة في المجتمع والتربية والدين والأخلاق قائلاً: "أنا لم أعرف في حياتي شخصاً يمكنني أن أزعم أنني أشبهه كلياً، سوى جان جاك روسو".

وبالفعل بدأ راسكين ينشر ويحاضر ويجادل حول نظريات اجتماعية اشتراكية وإنسانية تقربه من روسو، وواصل طوال عقدين من السنوات إصدار الكتب الفكرية في الوقت الذي أصبح مدرساً في جامعة أوكسفورد (1869 - 1884)، وألقى في 1870 محاضرات تابعها جمهور غفير، ما جعله يشعر بأنه قد حقق حلمه بأن يصبح معلم أجيال حقيقياً. ولقد ساعدته الثروة التي ورثها عن والده في تعزيز موقفه عبر دعم المشاريع الثقافية وإنشاء المتاحف وإعطاء منح للطلاب المتفوقين وتأسيس الجمعيات الاشتراكية والثقافية. ثم فجأة سئم ذلك كله، وانعزل خلال العشرية الأخيرة من حياته في عزبة له كان اشتراها قرب برانتوود، منكباً على تصحيح بعض نصوصه القديمة على ضوء معارف ومكتشفات العصر. وهو حين رحل عن عالمنا كان موضع احترام جماهير المثقفين في إنجلترا وفي جميع أنحاء أوروبا أيضاً.

المزيد من ثقافة