Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيوت "الشناشيل" في البصرة تراث عراقي مهدد بالزوال

مشروع أوروبي لترميم بعضها والحكومات المحلية لم تنجح في الحفاظ عليها

صورة تظهر أحد بيوت "الشناشيل" من الداخل (اندبندنت عربية)

خلال القرون القليلة الماضية أبدع بناؤون في تطوير طرازٍ معماري ينافس النخيل والأهوار والأنهار في الدلالة على الهوية الجمالية لمدينة البصرة الواقعة جنوب العراق، فكانت بيوت "الشناشيل" بشرفاتها الخشبية المزخرفة بمهارة وإتقان، وأفنيتها الفسيحة، ونوافذها ذات الزجاج الملون، وسطوحها العالية، ومنها اكتسبت البصرة اسماً جديداً، إذ صارت تسمى "أم الشناشيل" إعجاباً واحتفاءً بهذا الإرث المعماري الناتج عن تمازج ألوان من فنون العمارة العربية والإيرانية والتركية والهندية.

طراز فريد

تتميز بيوت "الشناشيل" بالمتانة والجمال، وتتألف من طابقين، الأول، يبنى بالطابوق (مادة بناء)، والثاني، تكون واجهته من الخشب، وهي بخلاف البيوت التقليدية تمنح سكانها إحساساً بالجو الخارجي دون إخلال بالخصوصية، فتصميمها يحقق تحكماً مريحاً في كمية أشعة الشمس وشدة الضوء داخل الغرف، فضلاً عن التحكم في اتجاه حركة الهواء أسفل أو أعلى الغرف من خلال (القلاليب)، وفي نفس الوقت تبدو "الشناشيل" متناسقة تماماً مع المناخ الاجتماعي السائد، فالجالس وراء الشرفات الخشبية لهذه البيوت يرى ما يجري في الخارج، ولا يرى من الخارج.

ويعتقد مختصون أن "الشناشيل" حلقة وصل بين فنون العمارة البصرية بطابعها القديم ونسقها الحديثة، وإن انتشارها في البصرة ابتداءً من القرن السادس عشر يرتكز على مبررات موضوعية، فالبصرة معروفة برخاوة تربتها وارتفاع مناسيب مياهها الجوفية، وبيوت "الشناشيل" خفيفة نسبياً بسبب استخدام الخشب في تشييدها، ولا تحتاج عند البناء إلى حفر أسس عميقة، وأيضاً مناخ البصرة اللاهب صيفاً يجعل توظيف الخشب في البناء ضرورة لتخفيف الحرارة، ومن الأسباب الأخرى لشيوعها وفرة الخشب بأسعار مناسبة آنذاك، فضلاً عن كثرة الأيادي العاملة الماهرة، وكان الكثير منهم من الهنود، ولهذا ثمة بصمة واضحة للعمارة الهندية في هذا الطراز من البناء.

 

ويقترح أستاذ التاريخ في جامعة البصرة عادل هاشم للحفاظ على "الشناشيل" تفكيكها وإعادة بنائها في مواقع أخرى مناسبة، وقال لـ"اندبندنت عربية"، إن "العملية يمكن تنفيذها بالاستفادة من تجارب دول أخرى نجحت في هيكلة مشيدات ذات قيمة أثرية وتراثية وأعادت تركيبها في مواقع أخرى أفضل من مواقعها الأصلية".

منطقة تراثية

تسمى "الشناشيل" في مصر (مشربيات)، وفي الجزيرة العربية (رواشين)، أما كلمة (شناشيل) فهي تعريب للكلمة الفارسية المركبة (شاه نشين) التي تعني "الشرفة أو الشرفات البارزة من القصر التي يجلس فيها الملك".

وتحتفظ محلة نظران في منطقة البصرة القديمة بكثيرٍ من عبق الماضي وسحر التراث، وهي تصلح عن جدارة لأن تكون منطقة سياحية ذات طابع تراثي وثقافي، وأهم ما يميزها كثرة هذه البيوت فيها، إذ ما زالت أكثرها شاخصة على وهنها، في ظل تهالك أسسها، وتصدع سقوفها، وتشقق جدرانها، وتآكل شرفاتها المزخرفة، وعلى الرغم من قيمتها التراثية لم تنجح الحكومات المحلية المتعاقبة في ترميمها والحفاظ عليها، إلا أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) أظهرت بعض الاهتمام بها خلال عام 2018، ومن المقرر أن يمول الاتحاد الأوروبي مشروعاً يشمل في مرحلته الأولى ترميم بعض بيوت "الشناشيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب الباحث في شؤون الآثار والتراث قحطان العبيد، فإن "الخطوة الأولى لجعل نظران منطقة جذب سياحي يجب أن تكون باتجاه الحفاظ على المباني التراثية المتبقية، وتحسين البنى التحتية في المنطقة، بما في ذلك تأهيل النهر الذي يمر فيها متفرعاً من نهر العشار"، مؤكداً أنه "من الجميل تحويل أحد بيوت الشناشيل إلى فندقٍ تراثي، وجعل آخر مطعماً تراثياً، مع الالتزام بشروط ومحددات تضمن الحفاظ على هذه البيوت".

ما تبقى منها

بيوت "الشناشيل" في البصرة كانت تُشيد عادة لحساب الأثرياء وأصحاب النفوذ من مسؤولين ودبلوماسيين وتجار ووجهاء، ولم يكن بوسع أي أحد تحمل تكاليفها الباهظة، ولا الصبر على فترة بنائها الطويلة التي كانت تمتد أحياناً إلى عامين وثلاثة أعوام، وأكثر الوقت كان يفنى في تصميم ونجارة الشرفات والأبواب وزخرفتها وتركيبها، وفي الحاضر لم تعد اليوم "شناشيل" البصرة مساكن للأعيان وكبار التجار، بل صارت مأوى لعوائل من الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، وما تبقى من هذه البيوت لا يزيد على 40، منها أربعة بيوت تتمتع بقدرٍ جيد من الحماية لإشغالها من قبل اتحاد الأدباء والكتاب وجمعية الفنانين التشكيليين والقصر الثقافي التابع لوزارة الثقافة، وأفخمها تشغله دائرة الآثار والتراث، والبيوت الأخرى تبدو في طريقها إلى الزوال ما لم يحافظ عليها قبل فوات الأوان.

المزيد من تقارير