Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة "تكسير عظام" في مصر بين وزير الإعلام وصحافيين

اتهامات بـ"الأخونة وخدمة الإعلام المعادي" تلاحق الوزير والأخير يتعهد بكشف مصدر الحملة ضده وسط ترجيح استبعاده من الحكومة

تولى أسامة هيكل وزارة الدولة للإعلام في ديسمبر الماضي بعد 5 سنوات من شغور المنصب (رئاسة الجمهورية المصرية)

ما بين اتهامات بـ"الأخونة والاصطفاف إلى جانب وسائل الإعلام المعادية لمصر"، والردّ بـ"عدم الصمت أمام إهدار الكثير والكثير" والتعهد بـ"كشف حقائق الحملة الإعلامية الممنهجة ضد شخصه"، تحتدم في مصر حرب كلامية بين عدد كبير من الإعلاميين والصحافيين من جهة، ووزير الدولة للإعلام أسامة هيكل، في سابقة غير معهودة، على وقع تصريحات للأخير قال فيها إن "الأعمار أقل من 35 سنة، ويمثلون حوالى 60 أو 65 في المئة من المجتمع، لا يقرؤون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون، وعلى القائمين التفكير في نمط حياة هذه الفئات".

واتخذت الحرب الكلامية بين الطرفين خلال اليومين الماضيين، "منحنيات غير مسبوقة"، إذ بدأت بالتلاسن وتبادل الانتقادات بين الوزير الذي تولّى منصبه أواخر العام الماضي، بعد نحو 5 سنوات من غياب ذلك المنصب عن التشكيل الوزاري، وبين إعلاميين، ووصلت في أحدث حلقاتها إلى التلفزيون الرسمي، الذي عرض تسريباً لهيكل يرجع إلى عام 2011 إبان الإطاحة بنظام الرئيس الراحل محمد حسني مبارك، ما عدّه مراقبون "تمهيداً للإطاحة بوزير الدولة للإعلام في أول تعديل وزاري مرتقب".

معركة "كسر عظم"

في مساء 17 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، كتب هيكل على صفحاته على منصات التواصل الاجتماعي، أن "الشباب ذوي الأعمار أقل من 35 سنة، يمثلون حوالى 60 أو 65 في المئة من المجتمع، لا يقرؤون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون، بالتالي من المهم التفكير في نمط حياة هذه الفئات"، لتشتعل بعدها معركة تلاسن مع رؤساء تحرير صحف وإعلاميين مقرّبين من الحكومة، اتهموا فيها الوزير "بعدم المهنية والمسؤولية وخدمة أجندة وسائل الإعلام المعادية لمصر بتصريحاته"، معتبرين أن هيكل يردّد مقولات "إعلام الأعداء" ويقدم لهم "مادة خصبة للنيل من سمعة الإعلام المصري".

وقال رئيس تحرير جريدة "اليوم السابع" المصرية خالد صلاح، إن "قنوات الاستخبارات التركية تقف إلى جانبه (هيكل) وتدافع عنه" في إشارة إلى القنوات المناهضة للقاهرة وتبثّ من تركيا. ووجّه صلاح كلاماً إلى هيكل "لماذا لم تتحرك خطوةً واحدة إلى الأمام حين تولّيت مسؤولية الإعلام مرتين في سنوات معدودات؟ كفاك تنظيراً من دون بصمة لك لا في الإعلام التقليدي أو الإعلام التكنولوجي، الإعلام في مصر سبق أفكارك بسنوات، وأنت لا تدري إطلاقاً، ولا نحتاج إلى وزير يجلس في مقاعد المتفرجين".

في المقابل، اعتبر الإعلامي المصري محمد الباز، رئيس تحرير جريدة "الدستور"، أن تصريحات وزير الإعلام "يمكن أن تؤثر سلباً في صناعة الإعلام"، قائلاً إن الوزير "يتفرغ للهجوم على الإعلام والتقليل من شأنه". أما عضوة الهيئة الوطنية للصحافة، فاطمة سيد أحمد، فطالبت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بـ"إقالة الوزير الذي حنث بالقسم، وقدّم مادة خصبة إلى الإعلام المعادي". كما وصف نقيب الإعلاميين طارق سعدة تصريحات هيكل بأنها "أداة لهدم الإعلام المصري"، وذلك في وقت طالبه آخرون بـ"البحث عن وظيفة أخرى وترك الوزارة بعدما فشل في تحقيق أي إضافة إلى الإعلام".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد تلك الاتهامات، غرّد هيكل مجدداً، قائلاً "من حقي الردّ وإيضاح الصورة، ولست مضطراً لتحمل أخطاء إعلامية يرتكبها آخرون... أنتم الممنوعون من الكتابة عن وزارة الدولة للإعلام إلا نقداً. وعندما يتم السماح لكم بالتواصل مع وزارة الدولة للإعلام ووزيرها ربما تعرفون ماذا فعلت الوزارة خلال 9 أشهر مضت".

وفنّد هيكل "الادعاء" بأن تصريحاته ستؤثر سلباً في إعلانات الصحف بالقول إن "أرقام التوزيع الحقيقية الرسمية موجودة، وصحفكم خالية من الإعلانات منذ أشهر طويلة حتى قبل أن أتولّى منصبي. فإن أعلنت تلك الأرقام لوجبت محاسبة كل مَن شارك في هذه الجرائم". وتابع "أقول لمَن يريدني أن أبحث عن وظيفة تناسب قدراتي، إن تاريخ كل منّا يحدد قدرات كل منّا، كفاكم عبثاً وسذاجة، واتركوا غيركم يعمل لعله يصلح ما فشلتم به".

المعركة تحتدم بالتسريبات

في السياق، وفيما لم تهدأ رحى الحرب الكلامية بين الوزير وعدد من الإعلاميين والصحافيين، أعلن هيكل أن "الأوامر صدرت بشنّ حملة جديدة على شخصي، بعد حملة سابقة منذ شهرين"، من دون تسمية الجهة ولا مصدري الأوامر، متابعاً أنه "في توقيت واحد، وبذات الكلمات وذات الأسماء، بل وذات التوقيت، شنّت الهجوم أقلام معروف للجميع مَن يحرّكها. لا إبداع على الإطلاق. وأقول لهؤلاء إن أخطر أنواع الفساد هو أن يترك الكاتب قلمه لغيره، ويكتفي هو بالتوقيع، والحقيقة إنني لا أريد أن أردّ على هؤلاء لأنهم مجرد أدوات، ولكنني سأردّ على مَن أعطاهم الأمر بالكتابة... لن أصمت فأنا أقول الحقيقة، والحقيقة ستظهر عاجلاً أم آجلاً، فقد أهدرتم الكثير والكثير بلا خبرة وبلا هدف واضح".

وجاء كلام هيكل مع دخول المعركة بين الطرفين مرحلة "تكسير العظام"، بعد أن أذاع التلفزيون المصري الرسمي مساء الاثنين، تسريباً للوزير يعود إلى عام 2011. وعرض الإعلامي وائل الإبراشي في برنامج التاسعة على القناة الأولى المصرية، تسجيلاً قال إنه للسيد البدوي، رئيس حزب الوفد السابق، وهو يعطي تعليمات إلى وزير الإعلام أسامة هيكل، عقب أحداث 25 يناير (كانون الثاني)، لمهاجمة "جماعة الإخوان" والسلطات الحاكمة آنذاك، بسبب عدم دعوة "حزب الوفد" إلى الحوار الوطني حينها، متهماً إياه بأنه هو مَن "يتلقّى التعليمات".

وتساءل الإبراشي "مَن الذي استخدم هنا؟ الذي استخدم هو وزير الإعلام أسامة هيكل في تحقيق مصالح حزبية. وما خفي كان أعظم"، معتبراً أن "أسامة هيكل رفع شعار سأحطّم إعلام الدولة وأخدم إعلام الإخوان". وتابع أن "هيكل جاء على رأس حقيبة وزارة الإعلام من أجل مواجهة القنوات المعادية لمصر، ولكنه تحوّل إلى بطل الشائعات التي تعمل على إشعال الفتن، وعلى الفور دخل في شيطنة إعلام الدولة". وتساءل "كيف يمكن لوزير الإعلام أن يمارس مهماته وهو دخل في حالة خصومة شديدة جداً مع العاملين في الإعلام؟".

إلى أين تقود المعركة؟

من جهة أخرى، وفيما رجّح صحافيون مصريون لـ"اندبندنت عربية"، خروجاً محتملاً للوزير هيكل من منصبه، مع احتدام الخلافات بينه والإعلاميين، لم يجب هيكل على استفساراتنا وقال المسؤولون في مكتبه، إن "الوزير قرّر التواصل مباشرة مع منتقديه صباح غد الأربعاء (21 أكتوبر)".

وترى مصادر صحافية أن "انتقاد بعض الإعلاميين المحسوبين على الدولة ونشر تسريب للوزير على تلفزيون الدولة لم يكن محض صدفة، بل هو نتاج عدم قدرة الوزير على تحقيق نجاحات ملموسة على صعيد المؤسسات الإعلامية في الدولة طوال الأشهر التسعة الماضية منذ تولّيه منصبه".

وكان أسامة هيكل أدى اليمين القانونية كوزير للدولة لشؤون الإعلام في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بعد نحو 5 سنوات من غياب المسمّى عن التشكيل الوزاري، وكانت تلك هي المرة الثانية له في المنصب ذاته الذي شغله لأشهر عام 2011 قبل أن يغادره.

مناقشة الخلافات

ودعا هيكل الإعلاميين في تسجيل مصور إلى مناقشة الخلافات التي شهدتها الأيام الأخيرة في مقر الوزارة الأربعاء. وقال إنه "كان لافتاً للنظر أن عدداً كبيراً من الإعلاميين هاجموني من دون التواصل وفهم ما قصدته بتصريحاتي"، معتبراً أن "الوضع الحالي في مصر لا يحتمل أن يكون بمثابة باب تستغلّه أطراف خارجية". من جانبه، اعتبر أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة صفوت العالم، أن "الإشكالية تقع في علاقة الوزير بالمؤسسات الصحافية والإعلامية، بخاصة أن تعيين هيكل جاء متأخراً وبلا صلاحيات، ما جعل العاملين في المؤسسات الإعلامية والصحافية يشعرون بأنه لا يفعل شيئاً ومن دون تأثير، ومن هنا ظهر نوع من التناطح المتبادل".

وبحسب الدستور المصري، فإن ثلاث هيئات مستقلة هي "المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام" تتولّى "تنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي وتنظيم الصحافة المطبوعة والرقمية، وغيرها". وتتمتع جميعها بـ"الاستقلال الفني والإداري والمالي" عن السلطة التنفيذية. وبعد اختيار هيكل وزيراً، دعا خبراء في الإعلام إلى تحديد اختصاصاته بدقة وتلافي تناقضها مع المحددات الدستورية التي تضمن استقلال الهيئات الثلاث المعنية بإدارة وتنظيم المؤسسات الإعلامية والصحافية.

وقال صفوت العالم إن "انتقادات الوزير للمؤسسات الصحافية والإعلامية غير موفّقة، إذ يفترض ضمناً أنه مسؤول عن تدعيمها وتطويرها". وتابع "يبدو أن المستفيد الوحيد من تلك المعركة هي وسائل الإعلام المناهضة التي تبثّ من خارج البلاد. للأسف الشديد هناك حجم كبير من الممارسات في الإعلام المصري ولا يستطيع وزير الإعلام الحالي أن يفعل أو يتدخل بأي درجة فيها. وأعتقد أن الخلاف الحالي سيحسم ببساطة بخروج الوزير، واستقدام آخر من داخل المؤسسات الصحافية أو الإعلامية ويتوافق مع الأوضاع القائمة".

من جانبه، قال محمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحافيين المصريين، "يعلم كل مَن يعمل في الوسط الصحافي أن انتقاد أي مسؤول في السلطة غير مقبول". وأردف "المدهش في الأزمة الراهنة أن تتطوّر حملة انتقاد هيكل عبر بثّ مكالمة مسرّبة لرئيس حزب الوفد السابق، لم يظهر فيها صوت هيكل"، معتبراً أن "حرق وزير لا يزال في موقعه، فهذا أشبه بمَن يشعل ناراً في جزء من ملابسه، ويتخيّل أن تلك النار لن تصيبه".

المزيد من العالم العربي