Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"شوشا" لإسحاق سنغر: اللغة البائدة لإنقاذ العوالم المندثرة

أدب يسبر تاريخ يهود بولندا قبل المذابح الهتلرية

القمع النازي ليهود وارسو في الثلاثينيات (غيتي)

كان إسحاق باشفيتس سنغر قد تجاوز السبعين بما لا يقل عن أربع سنوات حين كتب روايته الكبرى، والتي تكاد تكون خلاصة كل ما كتبه حتى ذلك الحين سواء من ناحية المواضيع، حيث غالباً ما كانت حكاياته تدور من حول حياة اليهود البولنديين مباشرة قبل الغزو النازي الهتلري بولندا، مع نصوص تعود عشرات السنين إلى الوراء لتتحرى الحياة العائلية لأولئك اليهود؛ أو من ناحية اللغة إذ من المعروف أن سنغر كان أكبر الكتاب في تاريخ القرن العشرين بلغة اليديش التي قد يصل الأمر بالباحثين إلى اعتباره منقذاً لها من الضياع. كانت الرواية التي أصدرها عام 1974 هي "شوشا" واحدة من آخر رواياته الكبرى التي صدرت قبل نيله جائزة نوبل للآداب عام 1978.

انجذاب إلى فتاة غير عادية

مهما يكن من أمر بالإمكان القول إن "شوشا" لم تكن في موضوعها أو لغتها واحدة من تلك الروايات الكلاسيكية الهادئة التي يمكن أن يكتبها عجوز يريد أن يختم حياته الأدبية. بل كانت رواية قوية واقعية في موضوعها، من دون أن تغيب عنها غرائبية تجعل مكاناً أساسياً للغيبيات والجن والمصادفات المدهشة والمعجزات الصغيرة، والمواقف التي تكاد تكون سوريالية. هذه كلها طبعت أدب سنغر منذ بداياته وملأته بالسحر الذي يتحدث عنه دارسوه، وكان في خلفية منحه جائزة نوبل كحكواتي مدهش يعرف كيف يراقب شخصياته وهي تتحرك في عالم من القسوة والسحر والحنان أحياناً.

كأننا هنا نتحدث عن "شوشا" تلك الرواية التي تتحدث أصلاً عن الحب. وهو حب يكاد يبدو عادياً لولا أن من يشعر به تجاه الفتاة شوشا التي أعارت اسمها عنواناً للرواية، ينجذب في الحقيقة إلى فتاة غير عادية: جارة له كانت رفيقة طفولته وحبه الأول. صحيح أنها لن تكون حبه الأخير، ولا الفتاة الأجمل التي سوف يقيم علاقة معها، ولن يلتقي بها كثيراً بعد أن تكبر وتصبح صبية لتغادر جيرته مبتعدة أرقاماً عدة عن رقم بيته. لكنها ستبقى الفتاة التي، حتى في عزّ علاقاته مع أجمل فتيات المدينة والحياة وطوال سنوات طويلة، يفكر فيها وفي أنها هي التي ستكون امرأته حتى النهاية. لكن شوشا قصيرة ونحيلة جداً من جراء سوء التغذية، وهي معقدة ودائمة البؤس فاقدة أية ثقة بنفسها. ولئن سيقول بطل الرواية آرون الملقب تسوتسيك عندما يبدأ فرار البولنديين اليهود نحو أميركا مع بدء هيمنة النازيين، إنها "غداً في أميركا ستتغير" و"ستبرز حتماً بين النساء"، يفاجَأ برفضها الهجرة. لقد قررت أن تبقى هنا ولو حتى أن تموت. وبالتالي يقرر آرون بدوره البقاء لاعتباره ألّا حياة له في أي مكان ليست شوشا فيه.

 

استحالة البعد عن عالم الطفولة

بالنسبة إلى شوشا لا يمكنها أن تكون في أيّ مكان سوى ذلك الذي شهد طفولتها. فما فائدة أن تكون في أي مكان آخر؟ حتى الحب لا يمكنه أن يزعزع قناعتها. أما سنغر فإنه يرسم، من خلال هذا الموضوع الذي يبدو في غاية البساطة، صورة تختصر كل الصور التي كان رسمها سابقاً في معظم رواياته الكبرى لذلك العالم السحري المدهش الذي كانته بولندا بالنسبة إلى اليهود قبل الكارثة التي أوقعهم فيها هتلر. ومن هنا فإن أهم ما في رواية "شوشا" هو رسمها المدهش لعالم يموت.

والحقيقة أن كل ما في طفولته وتعليمه والأجواء البيئية التي تحيط بحياته وهو صبي، يشير إلى أن إسحاق باشفيتس سنغر كان ابن عالم يموت، وأن موت ذلك العالم نهائي وقاس إلى درجة أن أحداً ليس في إمكانه أن يعبّر عنه حتى ولو بأكثر اللغات حياة وحيوية، لكن هذا الكاتب لم يكتفِ بأن يعيد إحياءه في أدبه، بل كان من الجرأة أنه استخدم لذلك واحدة من أكثر اللغات مواتاً، هو الذي ظل يفخر حتى آخر أيامه بأن أهله إنما ربوه بواسطة ثلاث لغات، كل منها أكثر موتاً من الأخرى، في ذلك الحين على الأقل: اللغة العبرية، اللغة الآرامية وأخيراً لغة اليديش، تلك اللغة الهجين التي هي خليط من العبرية والعربية والألمانية والآرامية بحسب وصف سنغر نفسه، والتي يتكلم بها بخاصة يهود أوروبا الشرقية والوسطى، لا سيما بلاد ألمانيا وبولندا، البلد الذي ولد فيه سنغر في 1904، وإليه ظل ينتمي حتى اضطر للنزوح في 1935 إلى الولايات المتحدة هرباً من زحف النازية.

التعبير عن روح الجماعة

لكن الكاتب ظل حتى آخر أيامه يقول إن نزوحه عن بولندا كان جسدياً. وأنه ظل يشعر بأن جذوره هناك في تلك المدينة التي شهدت طفولته ويكتب عنها وعن أهلها البسطاء، لا سيما منهم سكان الغيتو من اليهود أرباب الحرف الصغيرة والصداقات المتنوعة والحيوات الملونة والآفاق المستقبلية المسدودة. ودائماً مستخدماً لغة اليديش التي كان لديه إصرار غريب على إحيائها والكتابة بها، حتى بعد عقود على وصوله إلى نيويورك التي تبنته وراحت تقرأ كتبه بلهفة، وقد تُرجمت من لغة اليديش إلى اللغة الإنجليزية.

منذ بداياته، عرف سنغر الذي تحدّر من أسرة ينتمي أغلب رجالها إلى سلك رجال الدين، كيف يضفي على أدبه طابعاً إنسانياً، هو الذي بعدما كان راغباً في أن ينخرط في سلك رجال الدين، وما إن بلغ العشرين من عمره حتى راح يبتعد عن التقاليد العائلية حذو أخيه جوشوا سنغر الذي كان قد أضحى قبله روائياً واشتهر في بلدان أوروبا الوسطى. اتجه إسحاق للكتابة وراح ينشر الروايات والقصص القصيرة، على طريقة الحكواتية الشرقيين الذين يبدؤونها عادة، بعبارة، "كان يا ما كان". ويختار شخصياته من أبناء الجوار، الناس البسطاء، لكتابة أعمال تؤرخ، كما قلنا، لعوالم كانت في طريقها للاندثار، ولكنها عبر ذلك التاريخ ترسم الصراعات الحادة بين التقاليد الدينية السلفية، وبين تيارات الشك المتصاعدة وسط عالم يموج بالحركة. وكان ما يهم الكاتب قبل أي شيء آخر، هو التعبير عن الروح الجماعية في الوقت الذي يرسم صورة حية لضرورة خروجها من جموديتها. وعلى هذا النحو كان العديد من قصصه يلقى معارضة رجال الدين الذين كانوا يرون في أدبه مروقاً عن الخط المستقيم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الزيارة الأخيرة إلى ملاعب الطفولة

والحال أن وصوله إلى نيويورك حيث راح يكتب المقالات في إحدى المجلات المنشورة بلغة اليديش، أعطاه مزيداً من حرية التعبير بخاصة أن أبرز أعماله مثل "الشيطان في غوراي" (1935)  و"العائلة موسكات" (1950) و"غمبل المجنون" (1957) و"ساحر لبلن" (1960) و"سبينوزا شارع السوق" (1961) و"العبد" (1962)، وصولاً لاحقاً إلى "شوشا وغيرها، راحت تترجم إلى الإنجليزية ومنها إلى العديد من اللغات الأخرى. لقد كان فوز سنغر الأكبر في رهانه في 1978 حيث منح جائزة نوبل للآداب، من دون أن تكون له من الشهرة الحقيقية ما يجعل الجمهور العريض يتقبل النبأ بارتياح/ لكنها ساهمت في نشر أعماله، كما أن إعلان العديد من الفنانين اليهود التقدميين في نيويورك، من وودي ألن، إلى بول أوستر وفيليب روث ومالامود، انتماءهم إلى عالمه، عزّز من شعبيته.

قبل رحيله عام 1991، بسنوات، زار الكاتب بولندا، ليقوم بجولة في الأحياء التي شهدت طفولته لكنه فوجئ بأن كل تلك الأحياء اختفت، وأن عالم صباه اختفى، فأعلن حزنه لذلك، لكنه أبدى في الوقت نفسه ارتياحه قائلاً، إن ذلك المصير يثبت له أن اختياره كان على الدوام صحيحاً، إذ لئن كانت أحياء وارسو اليهودية القديمة قد اختفت فإنها موجودة هناك، وإلى أبد الآبدين، داخل كتبه ورواياته وقصصه. وأعلن من ناحية ثانية ارتياحه لاختياره اللغوي إذ إن أدبه الجميل والإنساني قد عرف كيف يسبغ قيمة روحية على لغة اليديش، لغة كان الكل يعتقد أنها مندثرة، أو أنها من الجمود بحيث لا يمكن التعبير بها.

المزيد من ثقافة