Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مفاوضات "سد النهضة" تدخل نفق الغموض من جديد

القاهرة أعادت فتح ملف حقها في المياه وأديس أبابا تصفها بمحاولات لعرقلة المشروع ومراقبون: المباحثات محكومة بالفشل

سد النهضة لا يزال يثر الخلافات بين مصر وإثيوبيا والسودان  (أ ف ب)

مثّل أسبوع القاهرة للمياه 2020، الذي تستضيفه العاصمة المصرية كحدث إقليمي سنوي، فرصة لإعادة إثارة أزمة سد النهضة الإثيوبي، والتساؤل حول مصير المفاوضات الثلاثية المتعثرة التي تعقد تحت رعاية الاتحاد الأفريقي. فبعد نحو شهرين من فشل الجولة الأخيرة في الوصول إلى مسودة مشتركة للاتفاق المأمول حول قواعد ملء وتشغيل السد الأكبر في أفريقيا، والذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق، حيث بدأ في حجز مياهه من دون اتفاق، وغياب أي دور توفيقي لجنوب أفريقيا، رئيس الاتحاد الأفريقي في صياغة مسودة اتفاق تحظى بقبول الأطراف المتنازعة، عاد الجدل حول فائدة الاستمرار في تلك المفاوضات تحت المظلة الأفريقية، في ظل اتهام القاهرة لأديس أبابا بعدم الرغبة في الوصول إلى اتفاق عادل، وسط دعوات من المعنيين بالملف المائي بضرورة تنويع خيارات التحرك المصري في هذا الملف الحيوي، الذي أكدت القاهرة مجدداً أنه يمثل مسألة "وجود" و"أمن قومي" لـ 100 مليون مصري.

تبادل الاتهامات

بعد أسابيع تبادل فيها البلدان الاتهامات في شأن التسبب بفشل المفاوضات الأفريقية، والتحذيرات من أية خطوات أحادية إضافية، قال وزير الموارد المائية والري المصري محمد عبدالعاطي، إن إثيوبيا ترفض الوصول إلى اتفاق عادل في شأن سد النهضة، مشيراً إلى أن رغبة بلاده في الوصول لاتفاق يراعي مصالح جميع الأطراف، لا تزال تواجه تعنتاً إثيوبياً، وذلك خلال افتتاح أسبوع القاهرة للمياه، أمس الأحد، بمشاركة خبراء ومسؤولين عن المياه من دول عربية ومنظمات إقليمية ودولية.

وأوضح الوزير المصري أن بلاده تواجه تحدياً آخر يتمثل في عدم الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بالرغم مما تقدمه مصر من دعم لما يشغل الجانب الإثيوبي، إذ سعت القاهرة من خلال اتفاق المبادئ الموقع في السودان عام 2015 إلى الوصول لاتفاق عادل متوازن يراعي مصالح مصر والسودان وإثيوبيا، إلا أن أديس أبابا حالت دون ذلك، ليمثل الموقف الإثيوبي تحدياً كبيراً لدولتي المصب مصر والسودان.

وحذر الوزير، الذي تولى رئاسة الوفد التفاوضي في المفاوضات الأفريقية، من ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي دون التنسيق مع دولتي المصب، مؤكداً أن القاهرة سعت إلى اتفاق عادل يراعي مصالح الدول الثلاث منذ توقيع إعلان المبادئ عام 2015.

بدوره، أكد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، ضرورة التوصل لاتفاق قانوني ملزم في شأن قواعد الملء والتشغيل لسد النهضة، بما يحفظ الحقوق والمصالح المشتركة، محذراً من اتخاذ أية قرارات أحادية من شأنها التأثير سلباً في استقرار المنطقة. وأشار إلى أن محور المياه من أهم ركائز الأمن القومي المصري، إذ ترتبط خطط التنمية المستدامة الشاملة في جميع المجالات بقدرة الدولة على توفير الموارد المائية اللازمة لتنفيذ هذه الخطط.

في المقابل، اتهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مجدداً أطرافاً في الداخل والخارج، لم يسمها، بعرقلة استكمال مشروع سد النهضة، واعتبر في كلمة أمام البرلمان الإثيوبي، اليوم الإثنين، أن "التحديات يجب أن تكون فرصة ودافعاً في أن نولي سد النهضة اهتماماً أكبر في إدارته ومراقبته والاعتناء به"، مضيفاً، "هناك جهات كثيرة ترغب في ألا نهتم بالعمل بسد النهضة كثيراً، لكن علينا من دون أي تهاون أن نركز عليه". وأضاف، "لا يمكن أن يتوقف العمل في بناء السد".

وجاء حديث رئيس الوزراء الإثيوبي بعد أسبوع من إقرار البرلمان مناقشة مشروع قرار يطالب باتخاذ موقف عادل في مفاوضات سد النهضة، بما يحفظ حقوق مصر وإثيوبيا والسودان، خصوصاً بعد قيام واشنطن بخفض المساعدات الخارجية لأديس أبابا بنحو 100 مليون دولار قبل شهرين، فيما اعتبره مراقبون بادرة إيجابية لاستئناف المفاوضات.

وبينما أقر آبي أحمد بأن بلاده تواجه تحديات مالية وفنية في بناء السد، فقد تعهد أمام نواب البرلمان في جلسته الاستثنائية اليوم "بالتغلب عليها"، داعياً إلى التعاون والعمل المشترك في إكمال بناء سد النهضة، مشدداً أن على الجميع التعاون لمواصلة العمل، من دون الاستماع للأصوات المشوشة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لماذا تتمسك مصر بالمفاوضات؟

وجدد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي خلال محادثات هاتفية مع رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، التأكيد على "الثوابت المصرية" في شأن سد النهضة، بخاصة ما يتعلق باستئناف المفاوضات الثلاثية لبلورة اتفاق قانوني ملزم وشامل بين كافة الأطراف المعنية في شأن قواعد ملء وتشغيل السد، ورفض أي عمل أو إجراء يمس حقوق مصر في مياه النيل، وهو ما اعتبره مراقبون بداية للإعداد لاستئناف المفاوضات بالتوافق بين رؤساء الدول الثلاث، ورئاسة الاتحاد الأفريقي من خلال قمة مصغرة للاتحاد لدفع المفاوضات كما جرى في الجولات السابقة.

من جانبه، قال وزير الموارد المائية المصري الأسبق محمد نصر الدين علام، لـ "اندبندنت عربية"، إن مصر لم تعلن فشل المفاوضات أو الانسحاب منها، وإنما أرادت تحميل إثيوبيا مسؤولية فشل الجولات السابقة، في ظل دور "المراقب الصامت" الذي يقوم به الاتحاد الأفريقي، كما أن تواصل القيادة المصرية والجنوب أفريقية في شأن المسألة يمثل محاولة لإعادة تحريك الملف، لكن "مواقف الدول الثلاث معروفة، ومطالبها محددة في الاجتماعات والخطابات والمسودات التي جرى التفاوض حولها، لكن الاتحاد الأفريقي لم يطرح حتى الآن مبادرة معلنة، وتحركاته تصطدم بتشدد الموقف الإثيوبي، ومصير المفاوضات برمتها لا يزال غير واضح، ولا نعلم كيف ستسير الأمور، والقاهرة حتى اللحظة تؤكد تمسكها بالتفاوض كحل للأزمة، كما أن أية خطوات أخرى حتى لو كانت تحركات تصعيدية على المستوى الدبلوماسي سيكون هدفها دفع المفاوضات قدماً وليس الخروج عنها".

وبينما نظمت السفارات المصرية بالخارج ندوات افتراضية حول سد النهضة بمشاركة متخصصين دوليين لتأكيد موقفها، أعادت القاهرة إثارة الأزمة مع العديد من الشركاء الدوليين، مؤكدة تمسكها بالمسار التفاوضي المؤدي إلى اتفاق عادل وملزم يحقق مصالح الدول الثلاث، كما تطرق الرئيس المصري، خلال اتصال أخير مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون إلى قضية سد النهضة، حيث أكد الأهمية القصوى لقضية المياه بالنسبة للشعب المصري باعتبارها مسألة أمن قومي، ومن ثم تمسك مصر بحقوقها المائية من خلال التوصل إلى اتفاق قانوني يضمن قواعد واضحة لعملية ملء وتشغيل السد، ويحقق المصالح المشتركة لجميع الأطراف.

ويرى رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، هاني رسلان، أن صمت الاتحاد الأفريقي لا يعني أنه لم يكن يبذل جهوداً لتحريك الملف، لكنه اصطدم كالعادة بالتحفظات الإثيوبية في شأن القضايا التي لا تريد مناقشتها، وكان موقفها ثابتاً خلال المفاوضات. مضيفاً، "ما نراه من تحركات لفظية لاستئناف المفاوضات والدعوات المتكررة من أطراف أفريقية وأوروبية لا يقدم جديداً في هذا الملف، من دون إعلان إثيوبي واضح يلتزم بالوصول إلى اتفاق قانوني، وليس مجرد تمسك بمفاوضات بلا أفق واضح، كما أن تمسك الجانبان المصري والسوداني بالتفاوض فقط من دون خطوات عملية، يحمل دلالات ورسائل سلبية للطرف الآخر، ويشجعه على مزيد من التعنت، ثم استئناف المفاوضات لتخفيف الضغط كما حدث على مدى عشر سنوات من التفاوض".

وأوضح رسلان، أن استنزاف هذا الوقت في المفاوضات، وتحول المشروع الإثيوبي إلى واقع بعد إتمام المرحلة الأولية من الملء من دون اتفاق، وضعا قيوداً على الخيارات المصرية والسودانية لحفظ حقوقهما المائية، داعياً إلى ضرورة تنويع التحركات بدلاً من نجاح الرهان على المسار التفاوضي فقط.

وعرضت وزارة الري المصرية خلال مؤتمر "أسبوع القاهرة" مقترح بلادها خلال المفاوضات، وما قدمته من ضمانات لتأكيد حق إثيوبيا في توليد الكهرباء من السد بالطاقة القصوى، من دون التنازل عن حقوق مصر المائية، موضحة أن الخلاف حول إلزامية الاتفاق، ووجود آلية ملزمة لفض المنازعات، ينبع من رغبة إثيوبيا في وجود قواعد استرشادية يمكن تعديلها من دون موافقة دولتي المصب.

أي أفق لحل الأزمة من خلال المفاوضات؟

وتوقع الباحث السياسي الإثيوبي عبدالقادر عثمان، أن يتم استئناف المفاوضات في ضوء الاتصالات الأخيرة بين مصر وإثيوبيا ورئاسة الاتحاد الأفريقي، لأن رفض استئناف المفاوضات سيكون محرجاً للاتحاد الأفريقي الذي لم يعلن فشل مهمته بعد، معتبراً أن أسباب تعطل المفاوضات تتمثل في تمسك كل طرف بمواقفه، مشيراً إلى أن بلاده تتمسك أيضاً بإعلان المبادئ الذي يتيح حرية أكبر في تشغيل السد، بدلاً من فرض قيود من خلال اتفاق ملزم.

وأضاف، "مبدأ تسويه المنازعات في اتفاق المبادئ نص على أنه في حال نشب أي خلاف فيتم حله بين الدول الثلاث بالتشاور، وما تقوم به كل الأطراف من شد وجذب في هذا البند يدل على أنها مفاوضات لأجل المفاوضات، كما أن هدف القاهرة الوصول إلى اتفاق ملزم لقواعد الملء، وهو ما سيكبل أديس لضمان عدم الإضرار بالقاهرة مستقبلاً، وربما يكون الأمر منطقياً، لكن القاهرة فرّطت في هذا البند خلال اتفاق إعلان المبادئ، وإثيوبيا تدرك ذلك، ولا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تفرط باتفاقها مع القاهرة، وتضع قيوداً إلزامية على نفسها".

ويرى عبدالقادر أن "هناك استثماراً واضحاً للأزمة من جانب الدول الثلاث لاعتبارات داخلية، أو لاستقطاب مزيد من الدعم الدولي لمواقفها، لكن الظروف الراهنة غير مواتية لذلك، ولن يحدث انخراط من جانب القوى الكبرى للدفع إلى التسوية قبل انتهاء الانتخابات الأميركية".

من جانبه، يرى المحاضر في القانون بجامعة وولو الإثيوبية ديجين يماني، في تصريح خاص، أن مفاوضات سد النهضة محكومة بالفشل من الأساس، "لأن منهجها اعتمد على تجزئة الأزمة بالتفاوض حول السد، وليس تسوية مسألة استخدام مياه نهر النيل وحمايته وصيانته وإدارته بطريقة شاملة، ولذلك فهذه المفاوضات لن تجلب أي حل، وتدخل القوى الدولية الخارجية مثل الولايات المتحدة والبنك الدولي يؤدي إلى تصعيد التوترات، وأعتقد أنه إذا أرادت جنوب أفريقيا أن تلعب دوراً فيجب أن تنصح الدول الثلاثة بإنهاء المفاوضات".

وتابع يماني، "جميع الأطراف المتنازعة لا تدرك حقيقة أن سد النهضة ليس الموضوع الصحيح للمفاوضات الثلاثية، ولا توجد سابقة واحدة أخضعت مشروع سد أحادي لمفاوضات ثلاثية أو ثنائية، ومن هنا فإن الحل أمام الاتحاد الأفريقي هو إقناع الدول الثلاث بإنهاء المفاوضات بالتوافق، أو استكمالها بلا اتفاق".

المزيد من تقارير