Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصارف اللبنانية تتراجع عن تقييد السحوبات بالليرة

ضغط الكتلة النقدية على مستويات التضخم وارتفاع سعر الصرف دفعا المصرف المركزي إلى اتخاذ تدابير جديدة

 مصرف لبنان يؤكد توفر السيولة بالليرة من دون أي تغيير (غيتي)

لم يصدق اللبنانيون أنه بعد تقييد ودائعهم بالعملة الصعبة، بدأ تقييد السحوبات بالليرة اللبنانية إلى مستويات متدنية تلامس قيمة 250 دولاراً شهرياً، بحسب سعر السوق الموازية (8000 ليرة لكل دولار). فمع مستويات تضخم فاقت 400 في المئة، لن يستطيع اللبناني أن يؤمن أبسط حاجاته اليومية بهذا المبلغ المتاح.

وفيما دعت المصارف المودعين إلى استعمال البطاقات الائتمانية في عملياتهم اليومية، بدأ مختلف التجار بالتوقف عن البيع بالبطاقات لعدم تقييد أموالهم أيضاً.

ماذا حدث؟ 

أكد مصرف لبنان لـ"اندبندنت عربية" توفر السيولة بالليرة من دون أي تغيير أو مستجد، وإنما تبين أنه خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) سحبت بعض المصارف من حساباتها الجارية خلال 10 أيام أموالاً توازي سحوباتها خلال شهر، في حين أن الكتلة النقدية في الأسواق اللبنانية متضخمة أصلاً. فالمركزي يضخ بحدود 1.4 تريليون ليرة من النقد شهرياً، منذ بداية العام في ظل طلب كبير على العملة الورقية، أرساه انعدام الثقة بالنظام المالي وتوجه لدى المواطنين لتخزين النقد في المنازل.

وتبين مصادر المركزي وجود 7 تريليونات ليرة من النقد في منازل اللبنانيين بالليرة، بينما معدل استهلاك المصارف شهرياً من النقد يوازي تريليوني ليرة لبنانية.

ضغط الكتلة النقدية على مستويات التضخم وارتفاع سعر الصرف دفعا المصرف المركزي، ومن منطلق واجبه القانوني في المحافظة على سلامة النقد الوطني والحيلولة دون قيام البعض بعمليات مضاربة، إلى إبلاغ المصارف بأنه يمكنها سحب أي مبالغ بالليرة، لكن مبالغ السحوبات الإضافية التي تفوق تريليوني ليرة ستتم من حساباتها المجمدة (شهادات الإيداع)، التي تستفيد منها بفوائد نسبتها 7 في المئة. وبالتالي، فإن تحويل هذه الودائع إلى الحسابات الجارية يجعلها حرة، ومن دون فوائد.

أكدت جمعية مصارف لبنان، من جهتها، أنه في ظل استمرار ارتفاع الطلب على النقد من قبل اللبنانيين، وصلت بعض المصارف سريعاً إلى الكوتة الشهرية المتاحة من المصرف المركزي. 

وفي ظل عدم قدرتها على السحب من حساباتها الجارية لتلبية الطلب، وتفادياً لتحرير الودائع، الذي يرتب خسائر إضافية لا قدرة للمصارف على تحملها، اتخذت قراراً بتحديد سقوف السحوبات بالليرة للمودعين.

التطورات السريعة والغضب الشعبي استدعيا اجتماعين بين حاكم مصرف لبنان ووفد من جمعية المصارف، وأديا إلى التراجع عن تحديد السقوف للمودعين، على أن يخفض المركزي خصم تسييل شهادات الإيداع إلى 2 في المئة فحسب من نسبة الفائدة البالغة 7 في المئة. 

أكبر المتضررين

رفضت الهيئات الاقتصادية بشكل قاطع أي توجه لمزيد من التقييد على سحوبات الودائع بالليرة (المقيدة أصلاً عند حدود 25 مليون ليرة شهرياً).

واعتبر نائب رئيسها نقولا شماس، أن "الكابيتول كونترول (تقييد الودائع) في لبنان معلن وغير معلن". فأولاً، قيدت التحاويل مع الخارج، ومن ثم انتقل تقييد الودائع إلى الداخل. وفي الحالتين، يقول شماس "تخبط، ولا إجراءات قانونية أو رسمية، بل عشوائية في القرارات المتخذة".

وفيما يتفهم التجار والاقتصاديون دوافع هذه التدابير، يمكن الخوف في نتائجها الكارثية.

من الدوافع هذا القرار احتواء انفلاش الكتلة النقدية بالليرة، والحد من ارتفاع نسبة التضخم التي أصبحت من الأعلى في العالم، ووقف تفريغ مقتنيات الأسر التي تقدر بين 8 و10 مليارات دولار، بالإضافة إلى غياب الأموال الآتية من الخارج.

في مقابل ذلك قد تكون الانعكاسات وخيمة، وهي تتمثل في الانكماش النقدي الذي يؤدي في أي دولة وأي زمن إلى انكماش اقتصادي وحبس مزيد من الأموال في المصارف وفقدان قيمتها التي تذوب بشكل سريع، وضرب الاستهلاك في الصميم، هو الذي يشكل 85 في المئة من الناتج، وبالتالي ضرب النشاط التجاري في ظل انعدام القدرة الشرائية النقدية لدى المواطنين، وبخاصة أن القطاع التجاري لن يقبل التداول بوسائل الدفع الإلكترونية لصعوبة تسييلها.

الواقع المالي والنقدي والاقتصادي مُزرٍ 

شخصت الهيئات الاقتصادية، وفق شماس، ومنذ سنوات طويلة الانفلات المالي بشر الشرور، وحذرت من أن ذلك يؤثر سلباً على الوضع النقدي والواقع الاقتصادي. فالعجز في ميزانية الدولة معطوفاً على عجز مماثل وحتى أكبر في الحساب الحالي في ميزان المدفوعات، دفعا بالمصرف المركزي إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لجلب النقد الصعب من الخارج وضبط الإيقاع في الداخل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الفوائد المرتفعة والمتأتية من هذه السياسة والهندسات المالية، أدت وفق شماس إلى تهميش وتهشيم القطاع الخاص بشكل كبير، فسقط الاقتصاد، وانقلبت المعادلة رأساً على عقب، فأصبح الوضع الاقتصادي المنكمش يؤثر بدوره على الواقع النقدي من حيث شح العملات الصعبة، ما حمل السلطات النقدية على اتخاذ إجراءات المراد منها الإنقاذ ونتيجتها المزيد من التراجع.

ويؤكد شماس أن القطاع الخاص أصبح اليوم شبه مفلس، ولم يعد قادراً على دفع الضرائب، ما أدى إلى عجز كبير في الوضع المالي وفي مالية الدولة التي بدورها لم يعد بإمكانها القيام بأبسط واجباتها تجاه الاقتصاد والمجتمع "فدخلنا في الفترة الأخيرة في حلقة مفرغة من التخبط المالي والنقدي والاقتصادي".

ويشير شماس إلى أن المشهد الاقتصادي مرعب في القطاع الخاص بمختلف مكوناته، خصوصاً أن إقفال المؤسسات، وخاصة التجارية والسياحية، سيبلغ بين 35 و40 في المئة حتى نهاية 2020 بالمقارنة مع الفصل الرابع من العام الماضي، مع ما يعنيه ذلك من وضع مئات الآلاف من الموظفين خارج الخدمة كلياً أو جزئياً. كما أن 60 في المئة من المؤسسات الباقية وضعها غير مريح وتفصلها خطوات قليلة جداً عن التعثر الكلي، باستثناء القطاعات المصدرة أو التجارية المعنية بالاستهلاك اليومي. 

وتواكب الهيئات الاقتصادية، وفق شماس، تطور الأوضاع باستمرار، وتتحرك بوتيرة سريعة، كما عند تحذيرها من التخلف عن تسديد "اليوروبوندز" في مارس (آذار) الماضي، أو في إحباط ما سمي خطة النهوض المالي بمؤازرة من المجلس النيابي ومصرف لبنان، أو حتى في التعامل مع وباء كورونا، حيث نجحت الهيئات في تخفيف القيود إلى أبعد الحدود.