Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحكومة التايلاندية تواجه احتجاجات الشباب بـ"حالة الطوارئ"

تظاهرات في بانكوك وزلزال ثقافي يهدد استقرار البلاد

ما زالت شوارع العاصمة التايلاندية مكتظة، فالمسيرات والتظاهرات ملأت جنبات الطرقات للمطالبة بتنحي رئيس الحكومة وتعديل نظام الحكم في البلاد، ويقود تلك التظاهرات العارمة، مجموعة من الطلبة والشباب الذين برزوا على الساحة السياسية منذ فبراير (شباط) الماضي. ومع ازدياد حدّتها، أعلنت الحكومة حالة الطوارئ في البلاد ومنعت التجمعات لأكثر من خمسة أشخاص وألقت القبض على عدد من قادة الحراك. وعلى الرغم مما تُعرف تايلاند به من استقرار، فإن الأوضاع في الآونة الأخيرة تبدّلت مع تصاعد القوة الشعبية للمعارضة، مما قد يؤدي إلى صدام مباشر مع الحكومة والملكية التايلاندية على حد سواء.

خريطة سياسية

يعتبر نظام الحكم في تايلاند ملكياً دستورياً. فبعد ثورة عام 1932، تحوّلت البلاد من حكم الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية. ولا تزال تعطي للملك مكانة خاصة ومقدسة بموجب القانون والدستور، فيما يعدّ منصب رئيس الوزراء، رأس النظام السياسي والحكومة في البلاد، كما يجب أن يكون عضواً في البرلمان. ولكن رئيس الوزراء الحالي برايوث تشان- أوتشا جاء إلى الحكم بعد انقلاب عسكري في 2014، ثم أعاد البرلمان انتخابه مجدداً رئيساً للحكومة بعد الانتخابات النيابية في 2019، كما أن هناك  عدداً من الأحزاب السياسية، منها "حزب بيو ثاي" و"حزب "المستقبل إلى الأمام" و"حزب الحركة إلى الأمام" وهي من أكبر الأحزاب المعارضة، كما يستحوذ "حزب بيو ثاي" على الغالبية في البرلمان بـ135 مقعداً، يليه الحزب الحاكم "بالانج براتشاراث".

طلاب ضد السياسة

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاءت نهاية فترة الاستقرار وبدايات الاضطراب مع قرار المحكمة الدستورية بحلّ "حزب المستقبل إلى الأمام" ومنعه من ممارسة نشاطه السياسي لعشر سنوات بسبب قرض وتبرّع حصل عليه الحزب من قبل رئيسه، مما اعتبرته المحكمة غير قانوني. وأدى القرار إلى سخط الشارع التايلاندي، فالحزب الذي يعدّ من أهم الأحزاب المعارضة في البلاد على الرغم من حداثته، استطاع كسب شعبية كبيرة بين الشباب والمواطنين، كما حصل على 81 مقعداً في انتخابات مجلس الشعب في 2019 وجاء في المركز الثالث كأكبر الأحزاب السياسية في البرلمان. فيما أطلق المحتجون على ائتلافهم اسم "حزب الشعب" الذي يرمز إلى مجموعة من الثوار الذين وقفوا وراء تحوّل تايلاند من ملكية كاملة إلى ملكية دستورية عام 1932.

مع بداية الحراك الشبابي في فبراير، لم تلقَ أشهره الأولى تفاعلاً على أرض الواقع بسبب إجراءات التباعد الاجتماعي وتقليل التجمعات الخاصة للوقاية من فيروس كورونا. فلم يخرج المعارضون إلى الشوارع بل اكتفوا بالاحتجاجات على منصات مواقع التواصل الاجتماعي

لكن الأمور تبدّلت مع يوليو (تموز) الماضي، إذ نظم الطلبة وقفات احتجاجية في مختلف الجامعات والمدارس، بالتزامن مع أنشطة متعددة ومختلفة للمطالبة بالمساواة والعدالة وإجراء إصلاحات في النظام الملكي والنظام التعليمي. واستمر الطلاب في مسيراتهم الاحتجاجية لأشهر، ومع ازدياد حدة هذه التظاهرات بعد الجلسة النيابية التي عقدت في 24 من سبتمبر (أيلول)، حين قرر النواب عدم التصويت على ستة مشاريع لتعديل المواثيق التي قدّمت من التحالف الحاكم والأحزاب المعارضة. وعوضاً عن ذلك، شكّل المجلس لجنة لدراسة هذه الاقتراحات لثلاثين يوماً في خطوة اعتبرت أنها محاولة حكومية لكسب الوقت وتأخير التعديلات الدستورية.

مطالبات بالإصلاح

ويطالب المتظاهرون بإصلاحات في النظام السياسي والدستوري للبلاد. وعلى رأس مطالبهم، استقالة تشان-أوتشا وإصلاح منظمة الحكم الملكي وتقليص سلطات الملك وضمان امتناعه عن تأييد أي انقلابات مستقبلية. وتقول إحدى الناشطات في الحراك أن أهم الأسباب التي دعتهم إلى الاحتجاج هو حاجتهم إلى المساواة والعدل في البلاد وإلى ضمان حق الجميع.

كما اعتصم المتظاهرون أمام مبنى رئاسة الحكومة لأيام للضغط على رئيسها بالاستقالة، فيما وصف مراقبون التظاهرات التي ينظمها الطلبة والشباب في تايلاند بـ"الزلزال الثقافي" للبلاد، معتبرين أنها تبيّن ضعف التأثير الثقافي للسلطات في الشباب اليافع. غير أن رئيس الوزراء التايلاندي أعلن رفضه الاستقالة. وينبع ذلك "الزلزال الثقافي" من تحدي الاحتجاجات الأخيرة للملك وسلطاته وهو أمر غير معتاد في تايلاند، بخاصة أن الذات الملكية تتمتّع بقدسية يحميها القانون، إذ تُمنع إساءة المواطنين للملك أو كتابة الصحافة لأخبار حرجة عن القصر والعائلة المالكة. ووفقاً للقانون الجنائي التايلاندي، فمن يتعرّض للملك أو الملكة أو وريث العرش أو وصيّه بالإهانة والتهديد، يحكم عليه بالحبس لمدة تتراوح بين ثلاثة و15عاماً.

حالة الطوارئ وضعف الحراك

وفي 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، حظرت الحكومة التايلاندية الاحتجاجات والمسيرات، وأعلنت حالة الطوارئ مع تزايد التظاهرات المناهضة لها، فيما اعتقلت الشرطة عشرات المعتصمين وأبرز قادة الحراك ووجّهت إليهم تهماً بمخالفة حالة الطوارئ وتنظيم تجمعات غير قانونية، متوعّدة بإلقاء القبض على أي شخص سيشارك تقنياً أو حضورياً.

ويرى مراقبون في تايلاند أن الاحتجاجات المناهضة للحكومة في طريقها إلى الأفول مع توقيف الشرطة عدداً من قادة التظاهرات وحظر تجمع أكثر من خمسة أشخاص بحجة منع أي أحداث عنف، وفقاً لأحد المصادر الحكومية، فيما تؤكد المعارضة أن إعلان حالة الطوارئ يدلّ على فقدان الحكومة السيطرة على الأمور وغياب النظام الديمقراطي. في هذا السياق، يبيّن أستاذ العلاقات السياسية فيتشاي راتناتيلاكا أن تلك الخطوة على المدى الطويل قد تحفّز عدداً كبيراً من المواطنين على المشاركة في المسيرات الرافضة للحكومة. فيما أعلن قادة الاحتجاجات في 16 أكتوبر إنهاء التظاهرات بعد إطلاق الشرطة لخراطيم المياه ضد المتحتجين، الذين عادوا واحتشدوا مجدداً في اليوم التالي، متحدّين الحظر المفروض على التجمعات.

التعرض للموكب الملكي

في سياق متصل، اتهم رئيس الحكومة التايلاندي المسيرات الاحتجاجية الحالية بإعاقة طريق الموكب الملكي غير مرة، مؤكداً أن المتظاهرين قد انتهكوا قوانين التجمعات العامة، فيما حمل على قادة المسيرات استخدام طرق عدة للتحريض على الاضطرابات في البلاد. وينفي المحتجون من جهتهم اعتراضهم الموكب "الموناكي"، إذ أوضح بيان لأحد أحزاب المعارضة أن المتظاهرين لم يكونوا على علم بمرور الموكب الملكي في نقطة تجمّعهم وأنهم أفسحوا الطريق أمامه حين رأوه.

تظاهرات بلا كورونا

على الرغم من اعتصام المئات في شوارع بانكوك لأيام عدّة، فقد سجّلت تايلاند رقماً قياسياً بانعدام حالات جديدة محلية لمصابي كورونا لما يزيد على ثلاثين يوماً، وأعلن مركز إدارة كوفيد-19 اليوم تسجيل أول حالتي إصابة محليتين بالفيروس بعد شهر من عدم وجود أي حالات جديدة في البلاد، في ما يعدّ مؤشراً خطيراً مع استمرار الاحتجاجات المناهضة للحكومة، مما قد يؤدي إلى فرض الحكومة إجراءات احترازية أكثر صرامة لمنع التظاهرات وتفشي الفيروس على حد سواء.

المزيد من تقارير