Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مآلات دمج قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني؟ 

  إعادة تأهيل المنظومة العسكرية وفق معايير جديدة  

الجيش يتلف أسلحة جمعها من مواطنين سودانيين (غيتي)

مرّ ملف الترتيبات الأمنية المتعلق بدمج قوات الحركات المسلحة في الجيش السوداني خلال المفاوضات التي جرت بين الطرفين بوساطة دولة جنوب السودان، بصعوبات بالغة قبل تجاوزه بالتوصل إلى اتفاق سلام نهائي بعد حرب أهلية استمرت أكثر من عقدين في مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

لكن على الرغم مما حدث، تظل هناك تساؤلات قائمة عن مآلات ومخاطر اندماج تلك الحركات التي قد لا تتماهى عقيدتها السياسية والعسكرية مع تلك الممثلة في الجيش، وما المعايير التي يجي الالتزام بها لاستيعاب تلك القوات؟. 

يشير في هذا الصدد نائب رئيس حزب الأمة القومي السوداني فضل الله برمة ناصر، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، إلى أن "مسألة دمج قوات الحركات المسلحة التي كانت تقاتل حكومة النظام السابق في الجيش السوداني شيء طبيعي، وأمر متفق عليه عالمياً في حالات الحرب يتم وفق عملية السلام لينتقل هؤلاء الناس إلى عملية السلام الاجتماعي، لكن لا يعني أن أي شخص كان يقاتل مع هذه الحركات سيتم دمجه مباشرة، فهناك معايير خاصة بالقوات السودانية لابد من الالتزام بها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت أن ما حدث في مقررات عملية السلام بخصوص مسألة الترتيبات الأمنية لم تكن سليمة، فكان من البداية أن يتم أولاً مناقشتها ثم تأتي العملية السياسية، "لكن للأسف حصل العكس تماماً، ما سيكون له تأثير سلبي". 

وأضاف "كان من المفروض في بداية انطلاقة عملية المفاوضات التي استضافتها حكومة جنوب السودان بعاصمتها جوبا بين الحكومة السودانية ومكونات الجبهة الثورية، أن تحدّد مناطق لتجمع قوات الحركات لحصرها وأسلحتها وعتادها ووضع لجان مراقبة للقيام بهذه المهمة حتى لا تقوم بعد ذلك بأي عمل عدائي، وهذا لم يتم أساساً، حيث اتجه الطرفان إلى مناقشة العملية السياسية مباشرة، لذلك إن عملية الدمج تحتاج خطوات أساسية، لكن أهم بند هو مسألة التقيد بشروط الكفاءة فلكل رتبة عسكرية شروطها، إضافة إلى الشروط الصحية ومسألة العمر والمستوى التعليمي واللياقة البدنية، ثم إن التحاقهم بالجيش السوداني يتطلب أيضاً إخضاعهم لدورات تدريبية تتناول أموراً عديدة تختص بالجوانب العسكرية وقواعدها وعقيدتها".

وقال نائب رئيس حزب الأمة القومي "إن قوات الحركات تضم أشخاصاً في مهن مختلفة، وآخرين لا تتوفر فيهم الشروط الخاصة بالقوات المسلحة، فلا بد أن يتم دمجهم في المجتمع من خلال توفير حياة كريمة لهم فترة من الزمن حتى يتجاوزوا الصعاب الحياتية". 

وتابع "بلا شك إن وقف الحرب هو إنجاز كبير يحسب للحكومة الانتقالية لما بذلته من جهود حثيثة حتى تم التوصل لاتفاق السلام، لأن الحرب تستنزف موارد البلاد الاقتصادية والتي تصل لما يقارب 80 في المئة من ميزانيتها، لكن على الرغم من حق هذه الحركات بموجب القانون الدولي استيعاب قواتها في المنظومة العسكرية، إلا أنه يفترض في حالة السلم أن يتم تقليص الجيش إلى أقصى ما يمكن ويوجه الدخل القومي إلى التنمية والإعمار، إذ إن هذه الحرب استمرت أكثر من 20 عاماً خلفت دماراً كبيراً يستوجب عمليات بناء وتنمية خاصة في مناطق النزاع".

ويشير فضل الله برمة ناصر إلى أنه "صحيح أن حمل الحركات السلاح ضد نظام البشير فرضته ظروف منطقية ووطنية بسب الظلم الجائر وما تعرض له أهالي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق من انتهاكات ضد الإنسانية، لكن علينا لمعالجة هذه القضايا المتعلقة بالنواحي العسكرية أن نستفيد من تجاربنا السابقة التي تمت مع حركة الأنانيا في 1972، واتفاقية نيفاشا عام 2005". 

ويوضح أن "الجيش السوداني تعرض إلى هزة كبيرة وظلم واضح خلال العهد السابق، فقد تم فصل الآلاف من الكفاءات والكوادر المقاتلة من مختلف الوحدات العسكرية المهمة، ما أحدث فجوة كبيرة فيه، على الرغم من أن هذا النظام وصل إلى السلطة على ظهرها، لكن للأسف غدر بها وجعلها في أضعف حلقاتها لأسباب سياسية معلومة للجميع، لذلك إن الأمر يحتاج لإعادة هيكلة وبناء من جديد على أسس القوات المسلحة وقوانينها المنصوص عليها في لوائحها ودساتيرها، ليتم استيعاب المقتدرين فقط، لأن أي تجاوز ليس في مصلحة الوطن أو الجيش أو الحركات المسلحة".  

بناء جديد 

في سياق متصل، يقول الناطق الرسمي باسم حزب المؤتمر السوداني نور الدين بابكر، "كل الأطراف السودانية على اتفاق تام بأن يكون هناك جيش وطني وقومي واحد، وهو يحتاج إلى إعادة تأهيل المنظومة العسكرية في البلاد وفق معايير وعقيدة جديدة يكون ولائها للوطن وليس لأي جهة سياسية عسكرية وغيرها، لأن الجيش في فترة نظام البشير السابق جهز ليكون ولاؤه للحزب الحاكم في المقام الأول وخدمة توجهاته وأيديولوجيته المعروفة للجميع".

ويضيف "قاد الجيش حملة شرسة بإبعاد كل العناصر الوطنية التي لم تربطها أي علاقة من قريب أو بعيد بهذا النظام، ولم يعد بالتالي جيشاً وطنياً وقومياً كما هو مشهود له في ظل العهود السابقة، لذلك هو بحاجة إلى عملية بناء جديد وفق أسس تراعي قومية هذه المؤسسة العسكرية والتركيبة السكانية حتى يكون ممثلاً لكل أهل السودان ومعبراً عن ثقافاته وتنوعه الجهوي والعرقي والإثني، ولا يكون محسوباً أو تابعاً لأي مكون أو جهة محددة". 

وأوضح بابكر أنه بموجب اتفاق السلام الذي وقّع في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري بالعاصمة جوبا سيتم دمج قوات مكونات الجبهة الثورية التي تضم أربع حركات مسلحة هي حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة برئاسة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان (المجلس الانتقالي) بقيادة الهادي إدريس يحي، والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) برئاسة مالك عقار، وهو عرفٌ متبع بموجب قوانين الأمم المتحدة.

هناك برنامج لإعادة دمج الجيوش في مناطق النزاع والمعروف ببرنامج نزع السلاح وأعادة الدمج والتأهيل والتسريح (دي دي آر)، وسيتم في الغالب "سودنة" هذا البرنامج والاستعانة به في تنفيذ ملف الترتيبات الأمنية والذي من أهمه إعادة هيكلة القوات المسلحة لتصبح قومية تمثل كل أهل السودان، لكن بموجب الشروط العسكرية المتبعة.

ويعتبر بابكر هذه الخطوة لدمج قوات الجبهة الثورية في الجيش السوداني بأنها إيجابية تصب في صالح الأمن القومي، كونها ستؤدي إلى تكوين قوات مسلحة واحدة، وامتصاص الاحتقانات والتوترات التي يمكن أن تحدث. 

الأكثر تعقيداً 

نظراً لوجود القوى المسلحة الموقّعة على السلام على الأرض، فقد كان بند الترتيبات الأمنية الأكثر تعقيداً على طاولة التفاوض، وتسبب أكثر من مرة في تأجيل الوصول إلى اتفاق حتى حسم أخيراً بأن يكون في المنطقتين ودارفور وفق مدد وجداول زمنية للتنفيذ، يتفق عليها في إطار جيش سوداني مهني واحد. 

وتقرر أنه عند الوصول لوقف إطلاق النار الدائم والترتيبات النهائية كجزء من اتفاق السلام، يلتزم الطرفان بمعالجة أمر المجموعات المسلحة التي لم توقع على هذه الاتفاقيات. 

كما تقرر دمج قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان-شمال ومؤسساته الأمنية الأخرى، والقوى المسلحة في حركات دارفور الأخرى، في الجيش السوداني المهني الموحد والقوات النظامية الأخرى، وفق المعايير المهنية المتعارف عليها خلال 39 شهراً. 

وقف العدائيات 

توقفت الحرب المباشرة في إقليم دارفور بين الجيش السوداني والحركات المسلحة منذ 5 سنوات، بعد سلسلة معارك طاحنة أبرزها معركة "قوز دنقو" في جنوب دارفور في أبريل (نيسان) 2015، وقال الجيش الحكومي بعدها إنه نجح في كسر شوكة التمرد، وهو ما نفته آنذاك الحركات المسلحة.

وقد وقّعت اتفاقات بوقف العدائيات يتم تجديدها كل بضعة أشهر تمنع تصاعد المناوشات بين الحين والآخر بين القوات الحكومية والقوات التابعة لحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور على تخوم جبل مرة في إقليم دارفور. 

وأدى الانشقاق الكبير الذي وقع في الحركة الشعبية قطاع الشمال التي تمارس نشاطها العسكري في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق إلى تقسيمها إلى فصيلين أحدهما بقيادة مالك عقار والآخر يقوده عبد العزيز الحلو، ولا توجد سوى مناوشات متباعدة بين قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي" ومجموعة الحلو، كانت سبباً في أن يوقف الأخير مشاركته في مفاوضات جوبا، محتجاً على رئاسة حميدتي لوفد التفاوض الحكومي، باعتبار أن وجوده على طاولة المفاوضات بينما تقاتل قواته على الأرض يفقده الحياد، وهو مطلب لم تستجب له الخرطوم وتمسكت بأن يكون حميدتي رئيساً لوفدها. 

المزيد من العالم العربي