Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنانيون يستعيدون انطلاقة انتفاضة 17 أكتوبر بتحركات مناطقية

تراهن المجموعات على تنظيم جهودها وتوحيد أهدافها لإعادة الزخم الشعبي

اعتصام في مدينة طرابلس شمال لبنان في 16 أكتوبر (اندبندنت عربية)

في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، اجتمعت الساحات في لبنان على شعار "كلن يعني كلن". واليوم الجمعة، وبعد مرور عام، يعود هؤلاء للتأكيد على "مكملين إلى حين التخلص من السلطة الحاكمة". هذه الرسالة أرسلتها مجموعات انتفاضة 17 أكتوبر من خلال تنفيذها تحركات عشية الذكرى الأولى من أقصى شمال لبنان في عكار، وصولاً إلى ساحة إيليا في صيدا، ومروراً بطرابلس، وبيروت وجبل لبنان.

التنظيم آت 

انقضى عام على اتفاق اللبنانيين على شعار "إسقاط حكم الفاسد"، واختلافهم على الطريق الواجب اتباعه لتحقيقه. تعاقبت الأيام، وأطاح فيروس كورونا بجزء من الوهج الشعبي، فيما تولت الأزمة الاقتصادية الجزء الآخر، لتأتي المبادرة الفرنسية بوعد الخلاص من الانهيار عبر مؤتمرات دولية للمساعدة، وهو ما شكل الأوكسيجين للسلطة الحاكمة في أعقاب انفجار المرفأ في 4 أغسطس (آب) الماضي.  

أمام هذا الواقع، لا يجد أهل الانتفاضة من سبيل للتغيير إلا قلع السلطة الحاكمة. تؤكد الناشطة مهى المقدم أن الثورة لم تنتهِ، وإن خفتت في بعض المراحل. وتتحدث عن إنجازات لم ترقَ بعد إلى سقوط الطغمة الفاسدة من رأس الهرم، فـ"الثورة أسقطت حكومتين، وأبقت الأمل". وتدعو إلى تطبيق كافة بنود الطائف، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة بعد تعديل القانون الحالي للانتخابات. وتشكك المقدم في قدرة سعد الحريري على تشكيل حكومة من خارج الفئة التي عاصرت الفساد والإجرام والتجاوزات.

اصطدم مطلب إسقاط السلطة بعدم توحيد مجموعات الانتفاضة الشعبية بعد مرور سنة على انطلاقتها. يؤكد الناشط سمير سكاف أن المجموعات موحدة على الأهداف من خلال إعلان الدولة المدنية لا الصيغة الطائفية، ومنح الشباب اللبناني الفرص للمشاركة، وتحقيق أحلامهم، بالإضافة إلى الحكومة المستقلة والانتخابات النيابية المبكرة واستقلال القضاء. ويعبّر سكاف، وهو من "اتحاد ساحات الثورة"، عن موقف جذري من النظام الحاكم، ويقول إنه لا إمكانية للتعاون مع هذه السلطة القائمة، ويكشف عن اتجاه المجموعات نحو التنظيم وتوحيد الجهود والمبادرات، وتشكيل اتحاد ساحات الثورة. ويعتقد سكاف أن عملية التنظيم المطلق بحاجة إلى بعض الوقت ولا يجب حرق المراحل. 

أمام المأزق الذي يعيشه الفاعلون في الساحة السياسية اللبنانية، يبدو أن الانهيار أسرع من الجميع، ويسابق كافة محاولات الحل وكبح الأزمة المتعاظمة، ولا ينفي سكاف ذلك، لأن الانهيار أسرع من الجميع، متحدثاً عن حالة وعي أسست لها الانتفاضة، وعن وجود خيار بديل جديد خارج اصطفاف قوى 8 و 14 مارس (آذار). 

عودة الحشود

لأشهُر ستة، حافظت الانتفاضة على زخم شعبي قوي. وما إن بدأت أزمة كورونا في مارس الماضي، حتى بدأت الحشود التراجع والانحسار. ووفق نعمة محفوض، النقيب السابق للمعلمين، أسهمت عدة عوامل في كبح الانتفاضة، لأنه "لا توجد ثورة مليونية تستمر لأشهر بالزخم نفسه"، بالإضافة إلى خطر كورونا الزاحف، وحالة الاهتراء الاقتصادي والمالي والاجتماعي التي ولّدت اليأس. ويؤكد محفوض أنه لا سبيل أمام المنتفضين إلا البقاء في الشارع، والنزول بمئات الآلاف لإزالة الطبقة السياسية.  

يتحدث محفوض عن رمزية بعض الأماكن في تزخيم التحركات، وتحديداً طرابلس التي تحولت إلى "عروس الثورة"، لأنها أعطت القوة لكافة الساحات، واستمرت فيها الحشود صامدة لعدة أشهر. ويدعو محفوض إلى تغليب المصلحة العامة على الخاصة، والابتعاد عن المصالح الشخصية والذاتية، لأن الأولوية هي للإطاحة بالسلطة وإعطاء الأمل للشباب بأن الأفق غير مسدود.  

القضاء المستقل 

يتعرض القضاء اللبناني باستمرار لانتقادات بسبب عدم استقلاله عن السلطة السياسية، ويجزم الناشط واثق مقدم، من "نقابيون أحرار"، أن لا مجال لإصلاح حال الاهتراء والتخلص من منظومة الفساد إلا بقضاء نزيه ومستقل. ويلفت إلى أن الانتفاضة لم تتنازل عن مطالبها في تطبيق القانون واسترداد الأموال المنهوبة، وعدم الرضوخ لقوة السلاح بكافة أشكاله غير الشرعية، مذكراً بتعطيل المؤسسات الدستورية لسنتين وستة أشهر من أجل انتخاب رئيس الجمهورية ميشال عون، وتعطيل تشكيل الحكومة لأشهر من أجل توزير صهره جبران باسيل. 

يعتبر مقدم أن القضاء المستقل ضروري لاجتثاث الدولة العميقة، وثقافة الفساد التي تتحكم بالإدارة العامة، ومصالح الزعامات السياسية.

إستراتيجية الفضح

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تمكنت الانتفاضة من فضح عدد  كبير من التجاوزات، التي ارتكبتها القوى المتحالفة في السلطة. ورسخت مبدأ المساءلة والمحاسبة الشعبية. ويشير الناشط ناصر سليمان، من حلبا في عكار، أن الانتفاضة فضحت كثيراً من السمسرات والصفقات المالية، كما كشفت ضعف منطق التسويات بين أركان السلطة السياسية، وكان الهدف منها تحقيق مكاسب مالية. 

ويشير سليمان إلى ولادة رأي عام يشكك في مصداقية النظام اللبناني وقدرته على الاستمرارية. كما أن هناك شبه إجماع على فشل السلطة وضرورة إعادة النظر بالنظام السياسي والاقتصادي.

يحمّل سليمان الطبقة الحاكمة منذ عام 1992 وحتى اليوم، مسؤولية ما جرى في لبنان، معتبراً أن هناك "طبقة نفعية" تُقر بأن الزعيم فاسد، إلا أنها تستفيد من بعض الخدمات. ويعتقد أن عكار أسهمت في الحراك الشعبي على نطاق واسع، واستعادت تجربتها في النضال منذ ثورة فلاحي السهل، التي كبحها النظام السوري عام 2004، ومن ثم إسقاط مشروع تحويل عكار إلى "مزبلة" لنفايات مناطق العاصمة بيروت ومحيطها، وصولاً إلى تكريس ساحتي حلبا والعبدة كمحطتين أساسيتين في الانتفاضة والمشاركة الكثيفة في إسقاط حكومة حسان دياب. 

يأمل سليمان في ترجمة الخطاب التغييري في الانتخابات النيابية المقبلة، واتساع نطاق الوعي الشعبي ليشمل أغلبية المواطنين ودفعهم لتبني الحراك.   

قوة السلمية

حافظت انتفاضة 17 أكتوبر على سلميتها على الرغم من كل الاستفزازات. ويعتقد النحات عبد الرحمن محمد أن السلمية هي مصدر قوة الانتفاضة اللبنانية، لأنها لو اتخذت منحى عنفياً ما كانت لتستمر. ويعوّل محمد على عودة الناس إلى الشارع وتجاوز حالة الإحباط، لأنه "لم يعد هناك شيء لنخسره سوى الكرامة". 

لكن محمد يتخوف من الانزلاق إلى العنف الثوري، على الرغم من أنه لا يزال على نطاق ضيق ومحدود، ويتهم السلطة بوضع الجيش في مواجهة أهلهم المنتفضين.  

إنصاف الأم اللبنانية   

منذ انطلاق الثورة شكلت النساء أحد مرتكزاتها، ولم يتأخر النسوة في رفع مطالبهن في الساحات. وتشكل مسألة المساواة بين اللبنانيين أحد هذه المطالب. وتطمح الناشطة ناهد عوض أن تنصف انتفاضة 17 أكتوبر الأمهات المتزوجات من أجانب. وتطالب بتعديل القانون للسماح للنساء اللبنانيات بمنح حق الجنسية لأبنائهن. وتؤكد عوض أنها ستثابر على مطلبها الذي بدأته منذ 20 عاماً، رافضةً إدخال هذا الملف المُحِق في المساومات الطائفية والحزبية. 

المزيد من تقارير