Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"في لقاء الجنرال" غراهام غرين يروي قصة صداقة غريبة

يوم كلفه عمر توريخوس بشراء أسلحة للساندينيين

غراهام غرين في منزله في فرنسا (غيتي)

لا يعادل في الأدب الغربي "غرابة" الصداقة التي كانت تربط بين غابريال غارسيا ماركيز والزعيم الكوبي فيديل كاسترو، إلا "غرابة" الصداقة الأخرى التي كانت تربط غراهام غرين بالرئيس البانامي عمر توريخوس الذي بعدما كان ذات حقبة صديقاً للأميركيين صار لاحقاً من أعدى أعدائهم. ولم يكن الأميركيون في حاجة إلى أكثر من ذلك كي تنصبّ عليهم لعنات غرين الذي من دون أن يكون مناضلاً أو يسارياً كان على عداء كبير مع "اليانكي" وعبّر عن ذلك في العديد من رواياته التي كتبها خلال جولات قام بها في قارات العالم الخمس. لم يكن غراهام غرين يسارياً بل كان بالأحرى متعاوناً مع استخبارات بلاده. ومن هنا يُستغرب موقفه من السلطات الأميركية. الموقف الذي قاده، خارج ميدان الأدب، إلى فضح الكثير من علاقاتهم المنتهية دائماً بالسيطرة وتحديداً بالغدر بحلفائهم، وعلى الأقل في نظر الكاتب.

ولقد أوصل غراهام غرين هذا الفضح إلى ذروته في كتاب "في لقاء الجنرال" الذي أصدره عند بدايات سنوات الثمانين يتحدث فيه عن لقاءاته وصداقته مع الزعيم البانامي المشاكس والذي كان قد بات حينها من أشد أعداء واشنطن في أميركا الوسطى. ولم يكن الكتاب رواية ولا تحليلاً اقتصادياً سياسياً، بل بالأحرى كتاب ذكريات، حرص غرين على أن يجعل له عنواناً ثانوياً هو "حكاية التزام" وستفيدنا قراءة الكتاب بأن الالتزام الذي يتحدث عنه الكاتب إنما هو التزامه الأمين تجاه توريخوس وصولاً إلى المساعي والوساطات التي قام بها لمساعدته حين اشتد الحصار عليه.

مغامرة ابن السبعين

والحال أن ما يرويه غرين في الكتاب هو تلك المغامرة التي قام بها بدءاً من عام 1976 وكان في السبعين من عمره استجابة لبرقية تلقاها من توريخوس تلتها ستة أعوام في سفر بين بلدان عدة وضع نفسه خلالها في خدمة "الجنرال وقضيته" جنباً إلى جنب مع... غابريال غارسيا ماركيز الذي كان يؤمن بدوره بقضية توريخوس الذي كان يخوض حينها مفاوضات شاقة مع الأميركيين بغية استرداد القناة التي كان هؤلاء يسيطرون عليها. بيد أن تلك الحقبة كانت حقبة صراعات وتحرر وطني، ومن هنا يفيدنا غرين بأن مهمته كانت تشمل تزويد الساندينيين في نيكاراغوا، حلفاء توريخوس، ببعض الأسلحة، ناهيك بالتحول أيضاً إلى وسيط بين تلك الأطراف الثلاثة: الساندينيين، كاسترو وتوريخوس. وهذا كله يرويه غرين بالتفصيل في فصول هذا الكتاب الذي يبدو في الوقت نفسه مختلفاً عن كتبه الأخرى، لكنه يشكل نوعاً من الامتداد لها. فهنا لا يبتعد غرين عن الجانب الإنساني... انطلاقاً من الطابع الودي الذي وسم علاقته بالجنرال الذي يكتفي غالباً بالإشارة إليه باسمه العلم، عمر، حتى حين يخاطبه خلال عشاء أو جلسة رسمية أم تداول بغية حياكة مناورة ما. ولسوف يرى المعلقون في الكتاب الذي صدر بعيد النهاية المأساوية التي كانت من نصيب توريخوس عام 1981 أي قبل شهور من صدور الكتاب للمرة الأولى، نوعاً من تكريم شديد الود لرئيس "مكافح" يرى غرين أنه قد نُبذ تحديداً حين أراد أن يكون جيداً وأن يخدم شعبه والحركات التقدمية في أميركا اللاتينية، واستعادة لذكراه ناهيك بالرغبة في نفض الغبار الذي ألصقه "إعلام اليانكي" بسمعته.

الديمقراطية وساعة الكوكو

والحقيقة أن في إمكان المرء أن يجد تبريراً لعلاقة غرين بتوريخوس وربما كذلك لعلاقة ماركيز بكاسترو في العبارة التالية: "في إيطاليا، تحت حكم آل بورجيا، كانت هناك حروب ومذابح وإرهاب مستشر، ولكن كان هناك، كذلك، مايكل أنجلو، ليوناردو دا فنشي وعصر النهضة. فما الذي أنتجه السويسريون خلال خمسمئة عام من السلام والديموقراطية؟ ساعة الكوكو لا أكثر".

هذا القول المأثور يعتبر عادة من أشهر وأطرف ما كتبه غراهام غرين خلال حياته، ولكن كان من العبث البحث عن نصه الحرفي في أي من رواياته. وذلك بكل بساطة لأن هذا القول ورد في حوار فيلم "الرجل الثالث" الذي كتب غرين قصته والسيناريو مباشرة للسينما، لا على شكل رواية. والحال أن علاقة غرين بالسينما لم تقتصر على كتابته لسيناريو وحوار "الرجل الثالث"، بل أنه كتب العديد من السيناريوهات الأخرى، كما أنه خلال فترة من حياته عمل كناقد سينمائي في عدة صحف ومجلات من بينها "ذي سبكتاتور". ولعل هذا ما جعل الفرنسي فرانسوا مورياك يكتب عنه قائلاً، إن أسلوبه في نهاية الأمر يقترب من السينما أكثر من اقترابه من الأدب. وفي جميع الأحوال كان غراهام غرين كاتباً شعبياً، ينتمي إلى تلك الطائفة من الكتاب الذين يرون أن الأدب إنما يكتب لكي يُقرأ، لذلك اعتبر على الدوام نقيضاً لجويس وربما لداريل أيضاً، ونالت رواياته شعبية ما بعدها شعبية.

تجوال مثمر حول العالم

غرين الذي رحل عن عالمنا في أبريل (نيسان) 1991، عُرف كروائي وصحافي ورحالة من طراز رفيع. غير أن ما لم يعرفه كثير من قرائه كان تفاصيل المرحلة الأولى من شبابه حين عمل لحساب وزارة الخارجية البريطانية، مثله في هذا مثل العديد من زملائه الكتاب من رعايا صاحبة الجلالة: لورانس داريل وسومرست سوم وأنطوني بارغس. وتلك ظاهرة جديرة بالدراسة، طبعاً. لكنها بالنسبة إلى غرين كانت طبيعية، لأن ذلك العمل مكنه من الرحيل في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا الرحيل هو الذي زوده بالعديد من مواضيع رواياته، فمثلاً نجد أن "الأميركي الهادئ" (1955) كانت نتيجة رحلة قام بها إلى ماليزيا والهند الصينية، و"جوهر الموضوع" (1948) كتبت بفضل مهمة كلفته بها وزارة الخارجية في نيجيريا، و"أمنا إنجلترا" (1935) تدور أحداثها خلال زيارة قام بها إلى السويد، و"أوريانت إكسبرس" (1932) تروي أحداثاً تجري على مسار قطار الشرق السريع ذاك، و"موسم الأمطار" (1960) تدور أحداثها في الكونغو و"الممثلون" (1966) في هايتي...

ولئن كنا هنا قد ذكرنا هذه الروايات، فإنها في الحقيقة الأشهر بين نتاج غراهام غرين، إلى جانب روايتين هما "صخرة برايتون" و"العميل السري" ثم خاصة "السلطة والمجد" (1940) التي كتبها خلال رحلة قام بها إلى المكسيك. والحال أن هذه الروايات الثلاث تحسب على حدة في أعمال غرين، لأنها تكاد تختصر وحدها اختياراته الفكرية والسياسية التي لا شك وجدت تتويجاً لها في التزامه بمساعدة الجنرال عمر توريخوس، هو الذي عاش كل حياته منشقاً بشكل أو بآخر، أولاً من خلال اعتناقه الكاثوليكية بدلاً من المذهب البروتستانتي الذي ولد عليه، وثانياً من خلال اختياره العيش خارج بريطانيا خلال النصف الثاني من حياته، حيث من المعروف أنه أمضى آخر سنوات من حياته في جنوب فرنسا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أدب مكرّس لفعل الفشل

مسألتان أساسيتان شغلتا غراهام غرين في حياته وعبّر عنهما في أدبه، ويمكننا أن نلاحظ بكل يسر أن المسألتين نابعتان من اختياره الكاثوليكي: مسألة الخطيئة، ومسألة الفشل الحتمي. ولعل قراءة متأنية لروايته "العميل السري" كافية لوضعنا في مجابهة مع ما شغل بال غرين في هذا الصدد، وذلك من خلال حكاية تدور رحاها أيام الحرب الأهلية الإسبانية حين يأتي مندوب عن المعسكر الجمهوري إلى بريطانيا أملاً في الحصول على كميات من الفحم، لكنه يفشل في ذلك، لأن الفشل وحده هو المفتاح الأساسي لمغامرته تلك، فيفشل في مهمته وفي حياته العاطفية، ويكون اليأس الذي يخلد إليه عزاءه الوحيد. أما في "صخرة برايتون" فإن غرين يرسم لنا حياة فتى في السابعة عشرة من عمره يرفض كل المواثيق والقيم الاجتماعية ويغوص في حياة الفساد. لكن غرين لا يدينه أبداً. وصحيح أن "السلطة والمجد" تدور أحداثها في المكسيك ويتولى بطولتها رجل دين يستبد به القلق والشك، لكن غرين كان يقول دائماً أنه يعتبر هذه الرواية أشبه بسيرة ذاتية مواربة. بمعنى أنه وضع فيها كل أفكاره. وفي وسعنا على أي حال تصنيف "في لقاء الجنرال" في الخانة نفسها باعتباره بدوره كتاباً عن الفشل، فشل توريخوس في مسعاه وفشل غرين في مد يد العون له حتى النهاية.

إذا استثنينا شكسبير وأوسكار وإيلد وبعض الكلاسيكيين الآخرين، يمكننا أن نقول إن غراهام غرين كان الكاتب الإنجليزي الذي ترجمت كتبه إلى أكثر ما يمكن من اللغات، بحيث أن أحداً لم يتفوق عليه في هذا المجال في القرن العشرين سوى أغاثا كريستي وسير آرثر كونان دويل.

المزيد من ثقافة