Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نار المدافئ "فاكهة الشتاء" ولكن كلفتها مرهقة

يخشى الناس التجمع حول النيران هذا الشتاء بسبب تفشي فيروس كورونا

مدفأة الحطب التقليدية (موقع بيكسا باي)

بفطرته ولحاجته، بحث العقل البشري عن وسائل تدفئة منذ القدم. ويبدو أن البرق الذي حرق الأشجار أمامه شغل فكره في الحصول على تلك النيران والسيطرة عليها. وفي آخر اكتشافات في مغارة "وندرويرك" في جنوب أفريقيا بدا أن معرفة الإنسان بالنار عمرها نحو مليون سنة، في زمن الإنسان الأول الـ"هومو إريكتوس" أو الإنسان المنتصب على رجليه، بعد أن ساد اعتقاد لفترة طويلة أن إنسان الـ"نياندرتال" هو الذي اكتشفها وسيطر عليها.

المهم أن النار كانت وما زالت لصيقة بالإنسان وبشعوره بالدفء، وبطعامه الذي طهاه، حيث تشير الدلائل إلى أن المواقد في تلك المغارة تضم بقايا عظام ونباتات متفحمة.


الحطب كان وسيبقى

قد لا يضاهي شيء صوت الحطب وهو يحترق ومشهدية النار التي تبعث الدفء في النفوس والأجساد في الأيام الباردة، وتلك الراحة وذلك الكسل الجميل الذي يُبعث من خلال الجلوس قرب مدفأة متأججة.

ولطالما سمعنا مقولة "النار فاكهة الشتاء"، فهي التي كانت تجمع الناس حولها في حلقات اجتماعية وعائلية، وتكون محور الجلسة. وتزخر ذاكرة جيل كامل بربط هذا المشهد بحكايا الجدات والألعاب الجماعية التي تختصر ليل الشتاء الطويل على أنغام قرقعة احتراق الخشب، الممزوجة بأصوات أفراد العائلة.

وفي وقت لاحق من الزمن اختُرعت مدافئ أخرى تعمل على أنواع الزيوت والفيول والكهرباء، إلا أن الحطب ظل يشعل الحنين لأيام الشتاء الحميمة. ولم يتوقف أصحاب البيوت الكبيرة على تخصيص مكان خاص بالمدافئ التي تعتمد على الحطب وقوداً. حتى أنها أصبحت تدل على الفخامة والترف، حيث تحتاج هذه المدافئ تصاميم خاصة وبناءً وتمديدات للمدخنة إلى خارج المنزل.
 


الصوبيا

أما مدافئ القرى والجبال التي تعمل على الحطب والمازوت فيطلق عليها الناس تسمية "الوجاق أو الصوبيا أو الصوبة". والصوبة كمصطلح تعني غرفة زجاجية تدفئ، وتعتمد لتربية بعض أنواع النباتات، وتسمى أيضاً الدفيئة الزراعية. ويُعتقد أن الكلمة آتية من الأصل التركي "صوبا" والتي تعني المدفأة ذات المدخنة.

أما المدفأة التي تعمل على الطاقة الكهربائية فغالباً ما تسمى بالعامية "دفاية".

وتقول مهندسة الديكور باسكال حرب لـ "اندبندنت عربية" إن "المدفأة تلعب أدواراً متعددة في المنزل، فهي عنصر تدفئة وعنصر جمالي وتضفي أجواء الدفء النفسي إضافة إلى الجسدي، كما تعطي المنزل طابعاً خاصاً".


أنواع المدافئ

وتختلف المدافئ بين المنازل الجبلية والريفية ومنازل المدينة الحديثة، والشقق في البنايات المتعددة الطوابق. كما تختلف بحسب وقودها الذي قد يكون من الحطب أو المازوت أو الغاز أو الكاز أو الكهرباء.

وتقول باسكال أن مدافئ الحطب مناسِبة للمنازل الجبلية والمنفردة وتحتاج إلى أماكن واسعة، وبناء مدخنة، وفراغ كافٍ أمامها ليشكّل مساحة أمان. ويحيط بها أيضاً مكان للحطب الإضافي.

وتكون هذه المواقد مفتوحة غالباً للوصول إلى بيت النار واستخدامه في الشواء مثلاً، وهذه متعة لأهل المنزل وضيوفهم. لكنها تحتاج إلى دقة في بناء المدخنة بحيث تُخرِج الدخان إلى خارج المنزل. أما تلك التي تُقفَل بباب زجاجي تضمّ أماكن لتسريب الهواء الساخن داخل الغرفة، فتوزع الدفء من خلال شفرات أو فتحات علوية.

النوع الآخر من المدافئ هي تلك الكهربائية، تقول مهندسة الديكور حرب، وتكون بأشكال وأحجام مختلفة، وهي مثالية للشقق الصغيرة ومنازل المدينة حيث لا تتوفر مساحات كبيرة، وأُضيف إلى بعضها أصوات احتراق الخشب وشكل النار، لكنها مجرد مؤثرات صوتية ومشهدية تعطي شعوراً نفسياً من الدفء والحميمية. أما الدفء الحقيقي الذي تؤمنه فهو من خلال المراوح أو السخان، كما يمكن التحكم بدرجات حرارتها عن بُعد.

وتضيف حرب أن مدفأة الغاز تُعد من المدافئ العملية، وتأتي في أشكال متعددة، حتى أن البعض بات يصمم لها فتحات خاصة في المنزل أو يخصص لها مكاناً بين أقسامه. وتشير المتحدثة إلى أن "مدفأة المازوت، هي تلك المدفأة التقليدية بعامود من المعدن يُخرج الدخان، ولها أحجام وأشكال مختلفة تُستخدَم في غرف الجلوس عادةً، ويمكن أن تعدل حرارتها يدوياً". وتضيف أنها تُستخدم أيضاً في المطابخ حيث تجتمع العائلة في الشتاء. وتتوسط الغرف عادةً لتوزع الدفء بشكلٍ متوازنٍ. ويكون لبعضها واجهة أو واجهتان للنار، بينما يضم بعضها الآخر فرناً يُستخدم للشواء والخَبز.
 


مدافئ الحدائق

من جهة أخرى، لفتت مهندسة الديكور حرب إلى أن "المدفأة لم تُصنَع لتكون داخلية فقط، ففي القدم كانت موجودة في الأحراش والمغائر، حيث كانت النار وسيلة التدفئة وإبعاد الحيوانات. وأصبحت المدفأة أداةً جمالية أيضاً في حدائق المنازل إذ ينعم محبو المناخ البارد في أيام الصحو في فصل الشتاء، بالجلوس في الحديقة أو على التراس. ويكون وقودها إما الغاز أو المازوت أو الحطب، أو الفحم الذي لا يُستخدَم في الداخل لأنه مؤذ للصحة ويؤثر على رائحة الغرفة والأثاث". وشددت على أنه من غير الآمن أن تكون المدافئ الخارجية كهربائية.

وتُستخدم مدافئ الخارج في المقاهي والمطاعم أيضاً وتعمل بمعظمها على الغاز، وهي مصممة لتوزع الدفء في كل الاتجاهات.


جمالية وشعور بالدفء
وعلى الرغم من عمر المدفأة القديم فإنها في القرن الـ18 بدأت إلى جانب دورها في تدفئة المنزل، بالظهور بطرق فنية وذات جمالية، بحسب باسكال حرب، "فظهرت الفخامة في التصميم والزخرفة والمدافئ المرصّعة بالأحجار، وتلك الخشبية والممزوجة بالمعادن".

أما المدافئ الحديثة فتتناسب ونمط الحياة السريع والمريح، ويمكن أن تُستخدم كأداة ديكور، كونها أصبحت تُصنع بأشكال وألوان تضفي على المنزل جمالية ورقي.

وتعتبر حرب أنه "من المهم التنبّه أثناء البناء إلى مكان وتمديدات المدفأة ونوعها إذا كانت بحاجة إلى آلية معينة. إذا كانت من الحجر أو المعدن أو تحتاج توصيلات كهربائية". وتضيف أن "وجود المدفأة مريح أيضاً على الصعيد النفسي والشعور بالأمان والدفء".

وتفضل حرب تلك التي توزع الحرارة، ويمكن الاستمتاع بمشاهدتها من عدة اتجاهات، بخاصة إذا كانت في وسط الغرفة. وتعتبر أنه من المهم التنبّه إلى المساحة المفروضة لإبعاد الأثاث والمقاعد وضمان عدم تعرّضها لخطر الاحتراق.


الوجاق وأكواز الصنوبر

من ناحية ثانية، تفضل باسمة غزال "صوبيا الحطب" أو ما يسمى "الوجاق"، إذ إنها تسكن في منطقة جبلية، وتشتري إضافة إلى الأخشاب أكواز الصنوبر بعد إزالة ثمرها، "لأن صمغها يعطي رائحة زكية في المنزل كالبخور". وتخبر أنه لا يزال لديها "مونة وقود" منذ العام الماضي لأنها أمضت معظم الشتاء خارج لبنان، وأنها لا تجرؤ على سؤال كم سعر الحطب هذا العام، وذلك بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان. وتضع باسمة هذه المدفأة في المطبخ الكبير وتطبخ عليها وتخبز الحلويات، كما تشوي البطاطا العادية والحلوة والكستناء واللحوم في الفرن وعلى سطحها. كما تغلي أوراق الكينا باستمرار في إبريق خاص لتنقية الجو من الميكروبات وفيروسات الإنفلونزا. وقد ورثت هذه العادة عن جدّتها.

المدفأة الأخرى في البيت تعمل على المازوت الذي اشترته على مراحل وتأمل أن يكفيها هذا الشتاء، إضافة إلى مدفأتين لغرف النوم تعملان على الكهرباء والغاز في آن.


غلاء الحطب

ويقول كريم حسن الذي يمضي عطلة الأسبوع في قريته العالية، نحو 600 متر عن سطح البحر، أنه اشترى للمدفأة في منزله، 4 أمتار من الحطب المنوّع بين الصنوبر والسرو والسنديان والحمضيات واللوزيات بمليونَي ليرة لبنانية (أي ما يعادل أثناء كتابة النص 250 دولاراً أميركياً بحسب سعر السوق). ويدفئ حسن بقية غرف المنزل بمدافئ الغاز، إضافة إلى مدفأتين كهربائيتين لدعم الدفء في الأيام الأكثر برودة.


بطانيات الصوف

أما رانيا بطرس التي تسكن في العاصمة اللبنانية بيروت، فقالت، إنها أكثرت هذا العام من البطانيات الصوفية خوفاً من انقطاع الكهرباء والمازوت والغاز. وأضافت أن "المشكلة أكبر لدى سكان المناطق الباردة، قلبي معهم، كيف سيمر عليهم هذا الشتاء مع وضع البلد، وإمكانية رفع الدعم عن كثير من السلع ومنها المازوت". وتنصحهم بشراء أو حياكة الكثير من الأغطية الصوفية بخاصة لمَن لديهم أطفال، مع إقفال المدارس والأعمال، إذ هناك حاجة إلى تأمين التدفئة على مدار الساعة في المنازل.

و لدى رانيا 4 مدافئ متحركة تعمل على الغاز والكهرباء، وتقول إنه من الممكن تشغيل المكيف لتأمين الدفء في الغرف والصالون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العودة من الأنتيكا

في موازاة ذلك، فإن مدفأة الكاز القديمة التي نقلها إيلي عواد لتكون من "أنتيكا" الأيام الغابرة منذ نحو 15 سنة، قد تعود إلى الخدمة هذا العام، على حد قوله. كونه وفق بمخزون مقبول من الكاز تخلى عنه بعض الأقارب الذين هاجروا من لبنان هذا العام. ويقول عواد إنه قد يعود ويشتري قناديل الكاز أيضاً إذا توقف أصحاب المولدات عن تأمين الكهرباء البديلة عن كهرباء الدولة المنقطعة بشكل شبه مستمر في لبنان. ويخبر أن لديه "صوبيا مازوت"، وأنه اشترى 2000 لتر بسعر 1850000 ليرة لبنانية (نحو 238 دولاراً أميركياً) تكفي لإشعال صوبيا مازوت واحدة بشكل معتدل طوال الشتاء في منطقة البقاع (شرق).

وأفاد عواد بأن هذا الشتاء سيكون مكلفاً، على الرغم من أنه كان ينتظره بفارغ الصبر لتمضية الليالي مع العائلة والأصدقاء حول الصوبيا، لكن هذا العام سيكون صعباً من الناحية المادية، نظراً إلى غلاء وقود المدافئ من ناحية، ورعب التجمعات في أماكن مقفلة بسبب كورونا من ناحية أخرى.

المزيد من منوعات