Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعرة هدى عمران تنزع أوهام الرومانسية عن العالم

ديوانها "ساذج وسنتمنتالي" يزاوج بين الصور الفانتازية والتعابير المباشرة

لوحة للرسام المصري عصمت داوستاشي (موقع الفنان)

على الرغم من شيوع فكرة "المجايلة"، فإنها تفتقر إلى الدقة والجدوى في كثير من الحالات. فالشعر – بداهة – إبداع فردي ينأى عن الجماعية التي تهدد خصوصية الذات ورؤيتها للعالم وانحيازاتها الجمالية. فعندما نقول "شعرية التسعينيات"، فإن هذا لا يعني وجود جماليات نهائية ثابتة أشبه بما حاول النقاد تحديده تحت مصطلح "عمود الشعر" قديماً، هذا المصطلح الذي لم يلتزم به الشعراء إلا في أطر القصيدة العربية العامة من حيث وحدة الوزن والقافية. فإذا ما وصلنا إلى العصر الحديث الذي شاعت فيه قصيدة النثر، نلاحظ الحرص على هذه الخصوصيات الفردية وعلى الإبداع مقابل الاتباع. فالشاعر لم يعد ابناً باراً لشعراء سابقين يمثلون سلطة الآباء الشعريين؛ ناهيك عن الانخراط داخل نشيد "جيلي" جماعي عام.

الشاعرة المصرية هدى عمران تعي هذا تماماً حين تؤكد أنها ليست "من أنصار مدرسة التفاصيل الحياتية اليومية لكتابة الشعر حيث كل شيء مفروش على طاولة المتلقي"؛ لأن "التخريب هو أصل الشعر، الذي يأتي من منطقة يغيب فيها العقل والإدراك". ورغم غياب العقل والإدراك فإن ديوانها الصادر عن "روافد" في القاهرة بعنوان "ساذج وسنتمنتالي" خاضع لبناء مُحكم، فهو يتكون من أربع وحدات تحمل العناوين الآتية: "أغاني وأناشيد"، "مقطع واحد من سيرة امرأة عابثة"، "ساذج وسنتمنتالي"، "ميتافور هزلي"، وتتكون كل وحدة من سطور شعرية غير معنونة ثم افتتاحية وأخيراً مقاطع مُرقَّمة تتراوح ما بين أحد عشر مقطعاً في الوحدة الثانية وثمانية مقاطع في الوحدة الأولى، وكأننا أمام محاولات تأطير لآلية التداعي الحر أو الذي يبدو كذلك حين تُغيِّب الشاعرة عقلها بدرجة تسمح بإطلاق طاقاتها التخييلية وهواجسها.

اللعب بالمجاز

لعله الأمر الذي يجعل الذات أشبه بالمغارة التي انكشفت فجأة وانطلقت منها أشباحها وكوابيسها. ومن هنا تسقط ثنائية الذات والموضوع ويصبح "فشخ الذات" بتعبير الشاعرة "فشخاً" للعالم وتعرية لفداحته وزيفه. تقول: "الشاعر الجيد مَن يستطيع فشخ ذاته داخل النص/ كامرأة عاطفية لن أستطيع اللعب بالمجاز أكثر من دقيقتين".

وهذا يعني أن تعرية الذات لا تتم عن طريق المجاز فحسب؛ بل بصورة مباشرة، مع ملاحظة أن صفتي السذاجة والسنتمنتالية أو العاطفية المفرطة، هما صفتان للشاعرة وهو ما تزيده وضوحاً بقولها: "كامرأة عاطفية وساذجة/ أستطيع إفساد اللعبة كاملة/ وأنا أرتكن إلى الرصيف وأقضم رغيفاً ساخناً/ بابتسامة وحيدة – صدقني – سأقول إن العصفور لا يعني إلا جناحين/ و"رق الحبيب" مجرد ملاءة برتقالية ملفوفة على جسدين معاً/ وأن الشعر هو الشجرة التي نبتت يوماً ما على ظهورنا/ وأن عظامنا صارت حطباً ودماءً له".

"ساذج وسنتمنتالي" إذاً صفتان للشاعرة على أن نفهم السذاجة – هنا – بمعنى التلقائية والوضوح ورؤية ما حولها بخيال طفولي، فيصبح العصفور مجرد جناحين وأغنية أم كلثوم "رق الحبيب" توحد جسدين، والشعر شجرة نبتت على الظهر؛ كأنه الداء الملازم. ولا شك في أن دلالة الشجرة تحيلنا على شجرة الخطيئة أو المعرفة أو الجهل أيضاً. فقد كان الإنسان ظلوماً لنفسه وجهولاً بفداحة حمل الأمانة وهي الاختيار بين الشر والخير. تقول الشاعرة: "هنا سقطت تفاحة الجهل والمعرفة/ ها هنا بكى الأب فانخلعتُ من جذعي". وتظل دلالة الشجرة متكررة حين تود الشاعرة كتابة قصيدة عن الإعصار الذي ترك ثقباً على شكل شجرة في جسدها، ما يعني عدم اكتمال شيء في حياة الإنسان.

فإذا كانت التفاحة علامة المعرفة فهي أيضاً علامة الجهل، وإذا كان الثقب جميلاً على شكل شجرة، فهو فى النهاية ثقب داخل الجسد. وتنتقل صفة السنتمنتالية من الشاعرة إلى حبيبها حين تقول: "أريد أن أكتب قصيدة عن أبي الذي لم يعد أبي/ عنك لأنك تشبهني/ عن كائني السنتمنتالي الساذج الجميل/ عن القمر الذي صار رمادياً وعملاقاً".

أوهام الرومانسية

تنزع الشاعرة أوهام الرومانسية عن العالم،عن ذلك القمر الذي كان رفيق العشاق والمسافرين ثم أصبح "رمادياً وعملاقاً". وتأتي صفة السنتمنتالية من تصديق أحلام الثورة الكبيرة؛ التي تُختزل في قصيدة تُكتب ثم تُحذف من دون أسى؛ تقول: "أستطيع كتابة قصيدة عن الثورة وتستطيع أنت حذفها"؛ الأمر الذي يدفع الجميع إلى عدم الاكتراث بالعالم واعتناق "التفاهة" بوصفها هوية وشيئاً أصيلاً: "أستطيع الكتابة عن التفاهة كشيء أصيل/ أستطيع الكتابة عنها كهوية". لكن هذا بما يشبه القدرية، قدرية "المدينة" فالشاعرة تستطيع أن تكون شبيهة كل شيء وكل اللاشيء ما عدا هذه المدينة؛ "التي تنبت كلما قطعتها من لحم أحدهم/ تنبت بكآبة في نفسي/ تنبت ومعها شجيرات كثيفة يابسة وغارقة في الوحل". فالمدينة أصبحت بعض لحم ساكنيها ولم تعد تعيش تحت جلودهم، كما كان يقول أحمد حجازي: "شمسُك يا مدينتي قاسية عليَّ وحدي/ أهرب منها كيف يا مدينتي وهي تنام تحت جلدي".

نحن أمام علاقات عنفية مع المكان. وكذلك في علاقات الحب كان الطفل الوديع – شبيه كيوبيد – رمزاً للحب عند الرومانسيين وجيلَي الريادة والستينيات في الشعر الحر، لكنه أصبح – عند الشاعرة – طفلاً جشعاً يقتات على لحم أصحابه؛ تقول: "يبدو التفكير في الحب في لحظة كهذه أمراً طبيعياً/ الحب على الطريقة الحديثة/ الطفل الجشع/ أكل كل شيء وأكلنا/ ثم استدار ليأكل نفسه". كما أصبح "الجنون" مطلباً للشاعرة حين تقول: "العالم – واعذرني فأنا أكرر كلمة عالم باستمرار – مثل قطيع مُجمَّد مِن الخِراف/ الفكرة أن لحظة كهذه تجعلك تفكر في أشياء عجيبة كالنوم إلى الأبد مثلاً/ أو طرق باب الجنون والتجول عارياً في الشوارع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إستئناس الأشباح

هذه السطور توحي باستحضار المتلقي والنظر إلى النوم بوصفه خلاصاً من العالم الذي تظل فيه رغم فداحته أشياء يمكن التعلق بها مثل "الأكل" الذي يأخذ دلالات مختلفة في مواضع كثيرة، والغناء الذي يظل بعيداً ومستعصياً. وتبدو الشاعرة – في بعض السطور – كأنها تنفصل عن قصيدتها لتتأملها، وأحياناً تسخر منها؛ تقول: "هذه أعضاؤكم تركتموها معلَّقة على الأبواب تنعق بلا ملل/ وهذه أرواحكم وأرواحنا تهيم في المدينة كالظلال/ المدينة التي لا تبدو مثل قلعة سوداء جاثمة/ أو أي تشبيه آخر يدخل فى كليشيهات الشعر الحديث". فالسطر الأخير يبدو كما لو كان صوتاً ثانياً يتأمل مجازات الصوت الأول ويصفها بالكليشيهات التى فقدت تأثيرها، بل إنها تتجاوز هذا إلى الانشطار الكامل حين تقول: "كيف كان لك جسدان: واحد للعدم والآخر للحياة/ وتركت الولد يضيع وتتلقفه الريح ثم يبتلعه العالم؟". ولسنا في حاجة إلى البحث عن هذا الولد فقد يكون رمزاً للحب أو للمستقبل المجهَض في ظل حاضر يتم فيه استئناس الأشباح: "الأشباح الطيبة التي لم تكن يوماً رمادية/ سوداء وجميلة/ شاحبة باستمرار". بل إنها تتحول إلى شبح كل همه قتل صاحبه وولادته من جديد. هذا التجاور بين المتناقضات - القتل والولادة مثلاً – يعد ملمحاً في الديوان، ويرجع ذلك إلى طبيعة العنف الذي تستشعره الذات حتى في علاقات الحب؛ تقول: "حدثني هكذا/ ونحن نتمدد على الحافة/ رأسانا للهاوية وأقدامنا في وجه العالم/ أو ونحن نتمدد ها هنا/ رأسك على صدري وفي يدي سكين".

وأخيراً تمكن الإشارة إلى اعتماد الشاعرة على السطور المتعانقة؛ حيث يبدأ كل سطر بآخر كلمة في السطر السابق، واعتمادها على التضمين المباشر وغير المباشر ومزاوجتها بين الصور الفانتازية والتعبيرات المباشرة، ما أكسب ديوانها زخماً شعرياً لافتاً.

المزيد من ثقافة