Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معرض فرانكفورت للكتاب افتراضي بلا كتب ولا كتّاب

"أصوات عربية" مشروع يقترح كتبا للترجمة وجائزة ألمانية لرواية شعرية واحتفاء بالكاتبة الكندية مرغريت أتوود

معرض فرانكفورت للكتاب 2019 (غيتي)

غيّر فيروس كورونا وجه العالم كله. لا بد أن نعترف بذلك. من كان يتخيّل أن يصعد المرء إلى القطار أو الباص فيجد كل الركاب يرتدون كمامات تغطي الأفواه والأنوف، أو أن يتجول في السوبر ماركت وكأنه يتجول في غرفة العناية المركزة، أهو مشهد من فيلم رعب، أهؤلاء ركاب أو زبائن عاديون أم أطباء وممرضون؟ غيّر فيروس كورونا أيضاً وجه الحياة الثقافية في العالم. بعض المسارح أغلقت أبوابها، وبعضها لا يقبل إلا عدداً محدوداً من المشاهدين، في حين أغلقت دور سينما أبوابها. المتاحف تشكو الخواء، أما المعارض، فقد ألغي معظمها، وإذا أقيم معرض، فهناك عدد محدد مسموح له بالدخول.

وماذا عن أهم معارض الكتاب في العالم، معرض فرانكفورت؟

لفترة طويلة ظل القائمون على المعرض يتمسكون بالأمل، ويحافظون على تفاؤلهم، ويكررون المرة بعد الأخرى: نعم، سيقام المعرض هذا العام في موعده، ربما بعدد زوار وناشرين أقل، لكنه سيقام، وسيحتفي هذا العام بالأدب الكندي، وبالكاتبة الكبيرة مرغريت أتوود. إلى أسابيع قليلة كانت هذه هي الخطة. لكن فيروس كورونا قلب كعادته كل التوقعات، إذ عاد بقوة بعد موسم الإجازات، وأصاب أعداداً متزايدة من الألمان، وعادت التحذيرات من التجمعات البشرية، لا سيما في الأماكن المغلقة. فلم يجد مدير المعرض مفراً من إصدار قرار بإغلاق أبواب معرض فرانكفورت أمام الجمهور، وتحويل هذه الدورة إلى دورة "افتراضية" تبدأ كالمعتاد من الأربعاء وتستمر حتى الأحد "من 14– 18 أكتوبر (تشرين الأول)".

معرض افتراضي، بلا جمهور ولا كتب معروضة، ومن دون لقاءات حية بين الكتّاب والناشرين والجمهور، وبلا احتفالات في دور النشر بكتابها المرموقين! نعم– هكذا ستكون دورة هذا العام. اللقاءات بين الناشرين ستتم عبر شبكة الإنترنت، كما ستقام فعاليات "رقمية" كثيرة، يذاع بعضها على الهواء مباشرة، ويمكن استقبالها مجاناً في كافة أنحاء العالم.

هل هذا هو مستقبل معرض الكتاب؟ هل أصبح المعرض بصورته المعروفة تاريخاً متحفياً؟ بالطبع لا. لكن الأكيد أن الجائحة ستغير شكل المعارض المستقبلية، وأتوقع أن يزداد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية في المستقبل، وأن يجرى كثير من المفاوضات "افتراضياً". لن يصبح كل شيء مختلفاً في الأعوام المقبلة، لكن لن ترجع الأمور أيضاً إلى سابق عهدها.

بدءاً من  اليوم (الأربعاء)، إذن، تنطلق هذه الدورة الافتراضية من معرض الكتاب في فرانكفورت التي تتيح عدداً محدوداً من اللقاءات "الفيزيائية" بين عدد محدود من الجمهور وبعض الكتاب، وتتوزع هذه الفعاليات "الحقيقية" على عدة أماكن من مدينة فرانكفورت. أما الفعاليات الافتراضية - وتمثل العدد الأكبر - فيجدها المهتم على صفحة المعرض، وبإمكانه أن يتابعها على الهواء أو مسجلة تحت الرابط التالي: www.buchmesse.de

ومن أبرز ضيوف المهرجان الإلكتروني، كما ذكرنا، الكاتبة الكندية مرغريت أتوود التي تمثل ضيف الشرف هذا العام. ونظراً للظروف الاستثنائية، فقد تقرر أن يسمح لكندا لتكون ضيفاً للشرف في العام المقبل أيضاً، على أمل أن تصبح الدورة المقبلة دورة "حقيقية". ومن الضيوف الافتراضيين هذا العام الموظف الأميركي السابق في الاستخبارات الأميركية إدوارد سنودن، والكاتب الأميركي إليوت واينبرغر، والألمانية نورا بوسونغ، والكاتب السويدي المشهور بأدب الجريمة هاكان نسير. ومن الملاحظ قصر مدة الندوات الافتراضية وذلك لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المشاركين، فبعضها لا يتجاوز عشر دقائق، أو نصف ساعة (مع سنودن مثلاً). أما الكاتبة الكبيرة مرغريت أتوود فقد خصصت لها ندوة مدتها ساعة كاملة.

"أصوات عربية"

ويحضر العالم العربي في برنامج هذا العام الافتراضي، فتقام - على سبيل المثال- ندوة يوم 16 أكتوبر (من الخامسة والنصف حتى السادسة والنصف مساء) تحت عنوان "العالم العربي وأوروبا"، وتتمحور حول اللجوء والهجرة إلى أوروبا وانعكاسهما على كتب الأطفال. وتقام ندوة أخرى مع الكاتبة السورية التي تعيش حالياً في ألمانيا لينا عطفة.

وتنطلق خلال دورة هذا العام مبادرة عربية جديدة، وهي مبادرة "أصوات عربية" التي تقدم "كتالوغاً" للناشرين في العالم، يضم 32 كتاباً من أبرز الكتب الصادرة خلال الأعوام الخمسة الأخيرة. ومن بين الأسماء التي نجدها على القائمة: عادل عصمت، منصورة عز الدين، وحيد الطويلة، إيمان مرسال، طارق إمام، أشرف العشماوي، شادي لويس، محمد خير، وجدي الكومي وسواهم. ويتضمن الكتالوغ معلومات عن كل عمل مرشح، وأصداء نقدية له، وطرق التواصل المباشر مع حامل حقوق العمل، سواء كان الناشر أو المؤلف. أعتقد أن هذه المبادرة جيدة حقاً، وهي خطوة طال انتظارها، كي نستطيع السير على الطريق الصحيح للتواجد على ساحة النشر العالمية، فالناشر الأجنبي لا يتابع حركة النشر في كل دول العالم، وهو بالطبع بحاجة إلى "دليل" إلى أبرز الإصدارات، لينتقي منها – إذا أراد – ما يتماشى مع سياسته في النشر.

ولعل اسم المبادرة مضلل بعض الشيء، فالمرء يتوقع أن تكون "الأصوات العربية" ممثلة لكل دول العالم العربي، لكنها في الحقيقة "أصوات مصرية" فحسب، باستثناء الكاتب السوداني الذي يعيش في القاهرة حمور زيادة. هل هناك من يعتبر الأدب المصري كافياً لتمثيل الأدب العربي؟ تنفي شيرين أبو النجا، أستاذة الأدب الإنجليزي المقارن بجامعة القاهرة وعضو لجنة المبادرة، ذلك وتقول: "ليس في الأمر أي شوفينية، فاللجنة تضم مصريين وغير مصريين، كل ما هنالك أن المبادرة في بداية الطريق، وكان من الأسهل اختيار أدب دولة واحدة". هذا الرأي تؤكده هبة شريف، أستاذة الأدب الألماني المقارن بجامعة القاهرة وعضو لجنة الاختيار، التي تقول: "اخترنا عنوان "أصوات عربية" لأن لغة الأدب الذي نقترحه هي العربية، ثانياً، لأن المشروع يطمح إلى أن يغطي في المستقبل ‏اقتراحات من دول عربية أخرى. وأنا في الحقيقة لا أجد شوفينية في الموضوع لأن اللغة المكتوب بها الأدب، شئنا أم أبينا، هي ‏العربية، ولنأخذ مثالاً على الأدب الناطق بالألمانية، الذي أيضاً يشمل الأدب السويسري والنمساوي‏".

وعن معايير اختيار الأعمال الموجودة على القائمة، والتي يلفت النظر تنوعها الشديد، بل وتباينها، تقول عبير مجاهد، مديرة مكتبة معهد غوته بالقاهرة وعضو لجنة الاختيار: "أهم شيء هو صلاحية العمل للترجمة. هناك أعمال ممتازة محلياً، لن يهتم الناشر الأجنبي لضمها لبرنامجه. كما كان التنوع مما حرصت عليه اللجنة، ليس في الأعمال ومضمونها فحسب، بل أيضاً في المحاولة لإنصاف الكاتبات. على القائمة كتّاب مغمورون، إلى جانب كتّاب من العيار الثقيل، وكذلك دور نشر صغيرة إلى جوار دور نشر كبرى. المهم هو جودة العمل". وتؤكد عبير مجاهد أن "معايير الكتالوغ تختلف عن معايير الجوائز"، لأن الأعمال موجهة – كما قلنا – لقارئ أجنبي.

وقد اعتقد البعض أن الأعمال المقترحة تمت، أو ستتم ترجمتها وعرضها في معرض فرانكفورت. والحقيقة أن المبادرة تقتصر فحسب على التعريف بالأعمال المختارة وعرضها في الكتالوغ باللغة الإنجليزية، على أمل إثارة اهتمام الناشرين الأجانب لترجمة هذه الأعمال. عن ذلك يقول الناشر شريف بكر، منسق المبادرة: "إن هذا المشروع حصل على تمويل بسيط من الاتحاد الأوروبي، غير أن التمويل يقتصر على إعداد الكتالوغ فقط، ولا يشمل بأي حال من الأحوال تكاليف الترجمة أو الطباعة". ويضيف بكر، إنهم اقتصروا على الأعمال المصرية في البداية إلى أن تتبلور الفكرة، فإذا نجحت، فمن الممكن في السنوات المقبلة تخصيص كتالوغ لكل بلد، أو أن تشارك البلدان العربية جميعاً في كتالوغ مشترك، رغم صعوبة تنفيذ ذلك، وكما ظهر في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 عندما استضاف العالم العربي الذي فشل - في رأي كثيرين - في تقديم صورة جيدة للكتاب العربي والثقافة العربية.

إضافة إلى مبادرة "أصوات عربية" سوف تعرض مجلة "بانيبال" التي تصدر بالإنجليزية وتعنى بالأدب العربي تجربتها إلكترونياً، وتعقد ندوة تشارك فيها ناشرتها الكاتبة البريطانية مارغريت أوبانك ومدير تحريرها الكاتب صموئيل شمعون وكتّاب عرب وأجانب. و تعقد جلسة تضامنية لمساندة لبنان، كواحد من أهم البلدان العربية في حركة النشر.

واختارت العناوين في "أصوات عربية" لجنة مشكلة من هبة شريف، وشيرين أبو النجا، ونيل هوسن، المدير السابق لدار نشر الجامعة الأميركية بالقاهرة، ومارشا لينكس، أشهر مدونة بالإنجليزية عن الأدب العربي، وتينا لافيت، مديرة مكتبة المعهد الهولندي الفلمنكي بالقاهرة، وعلا عادل المديرة السابقة للمركز القومي للترجمة بالقاهرة، وعبير مجاهد التي ستقدم هذا المشروع في ندوة إلكترونية خلال المعرض الافتراضي تستمر لمدة ساعة.

من ناحية أخرى نشرت الرابطة الدولية للناشرين المستقلين قائمة للترشيحات السنوية، ضمت لأول مرة قائمة تضم كتباً من مختلف الدول العربية، وذلك تحت عنوان 2020 ARABHOTLIST. ومن بين الأسماء على هذه القائمة: شكري المبخوت، وخيري الذهبي، وسومر شحادة، وحليم يوسف، وأحمد ناجي، ومحمد ربيع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جائزتا الكتاب الألماني و السلام

ومثل كل عام، استهل المعرض فعالياته بحفل إعلان جائزة الكتاب الألماني التي تشبه جائزة "البوكر"، وتمنح في كل عام لأبرز عمل إبداعي صدر خلال العام الفائت. وفازت بالجائزة (25 ألف يورو) الكاتبة والمترجمة الألمانية آنه فيبر عن روايتها "أنيته – ملحمة بطلات". هذه الرواية متميزة على أكثر من صعيد. إنها حقاً "ملحمة" تستلهم ذلك الشكل الأدبي الشعري لكتابة قصة بطولة. ولعلها الرواية الأولى في الأدب الألماني الحديث والمعاصر المنظومة شعراً حراً، لا يتقيد بالوزن أو القافية أو البحر الشعري. وتتمحور الرواية حول الطبيبة الفرنسية آنه بومنوار (من مواليد 1923) التي كانت من المشاركات في المقاومة الفرنسية ضد الألمان خلال الحرب العالمية الثانية، وأنقذت في تلك الفترة طفلين يهوديين من يد النازيين. بعد الحرب درست بومنوار الشيوعية الطب، ثم شاركت في نضال أهل الجزائر من أجل الاستقلال عن فرنسا، وكانت تجمع التبرعات للمناضلين الجزائريين، مما عرضها للاعتقال عام 1959، وصدر حكم ضدها بالسجن عشر سنوات، غير أنها استطاعت الهرب إلى تونس قبل تنفيذ الحكم. وشاركت في الحكومة الجزائرية المؤقتة التي تشكلت في تونس، إلى أن نالت الجزائر الاستقلال عام 1962. وتعيش بومنوار اليوم في الجنوب الفرنسي. الجدير بالذكر، أن الكاتبة الألمانية آنه فيبر (من مواليد 1964)، تحيا منذ 1983 في باريس، حيث درست في السوربون الأدب الفرنسي والأدب المقارن، وهي تعمل مترجمة من وإلى الفرنسية، وقد حازت على عدة جوائز عن ترجماتها، منها جائزة الترجمة الأوروبية لعام 2008. ولعلها تعكف حالياً على ترجمة روايتها الفائزة إلى لغة فولتير، أو بالأحرى إعادة نظمها شعراً فرنسياً.

يختتم معرض فرانكفورت فعالياته ككل عام بمنح جائزة السلام (25 ألف يورو) التي ذهبت هذا العام إلى عالم الاقتصاد والفيلسوف الهندي أمارتيا كومار سن (من مواليد 1933) الذي حصل في عام 1998 على جائزة نوبل في الاقتصاد لأبحاثه عن اقتصاد الرفاه. وسوف يلقي كلمة التكريم الرئيس الألماني شتاينماير، وذلك كالمعتاد في كنيسة القديس بولس في فرانكفورت - ولكن طبعاً مع اتخاذ كافة الاحتياطات الوقائية من فيروس كورونا. وبالتأكيد سيكون عدد المقاعد الشاغرة أكبر بكثير من عدد الحاضرين.

المزيد من ثقافة