Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف ينظر مناهضو لوكاشينكو إلى زيارته المعارضين في السجن؟

أدرج اسم الرئيس البيلاروسي على قائمة العقوبات الخاصة بالاتحاد الأوروبي

قرر الرئيس البيلاروسي الإفراج عن اثنين من زعماء المعارضة بعد حوار أجراه مع معتقلين سياسيين (أ ف ب)

فاجأ الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، الداخل والخارج بزيارة غير مسبوقة لمعارضيه داخل سجون لجنة أمن الدولة "كي جي بي". لم يكن ثمة من يتوقع مثل هذا التحول في سياسات رئيس بيلاروس الذي يتهم بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ويلقب بـ "الديكتاتور".

لم يكن الأمر أيضاً ليقتصر على مجرد زيارة يتفقد فيها رئيس الدولة السجون في محاولة لتحسين أحوال المعتقلين من منظور "احترام حقوق الإنسان"، فقد جلس لوكاشينكو مع 11 من ممثلي المعارضة البيلاروسية ممن اعتقلوا، سواء قبل بدء الحملات الانتخابية أو بعدها، وكان بينهم فيكتور باباريكو المصرفي المعروف وأحد أبرز منافسيه، في حوار استمر لما يزيد على الأربع ساعات ونصف. وتقول المصادر الرسمية والشعبية إن الحوار لم يكن "شكلياً"، حرص فيه الطرف الأضعف على مداهنة الحاكم أو التزلف إليه، بل اتسم في كثير من جوانبه بالسخونة وحدة الانتقادات.

حوار الضرورة

كان واضحاً أن لوكاشينكو في حاجة إلى مثل هذا الحوار، سعياً على ما يبدو إلى استيضاح مدى ما اتسمت به سياساته من قصور من جانب، وتفريغ الأجواء السياسية في الداخل والخارج من حدة توترها وعدائها لاستمراره على رأس الدولة، من جانب آخر. فضلاً عما كانت، ولا تزال تتسم به، التعليقات وردود أفعال كبار الساسة في روسيا والبلدان الغربية من انتقادات تطالب رئيس بيلاروس بضرورة تنفيذ الإصلاحات الدستورية والحوار مع المعارضة، في توقيت تنتابه فيه "رغبات غير معلنة" في كسر حدة نشاط قوى المعارضة، وإيقاف خروج التظاهرات إلى شوارع وميادين بيلاروس.

لذا، كان من الطبيعي أن تحرص السلطات الرسمية على إذاعة بعض المقاطع من ذلك الحوار، ومنها ما شهد تعالي أصوات المشاركين فيه. كما شمل الحوار كذلك، كما تقول المصادر الرسمية، مناقشة السبل المقترحة للخروج من الأزمة الراهنة، وبحث الأطر العامة للإصلاحات السياسية والدستورية التي سبق أن أعلن لوكاشينكو عزمه على إجرائها بعد الانتخابات الرئاسية، لكن من دون الكشف عن التفاصيل.

أما عن أبرز النتائج التي أسفر عنها ذلك الحوار "غير المسبوق"، فقد تمثلت في الإفراج عن اثنين من زعماء المعارضة، وهما يوري فوسكريسينسكي منسق فريق باباريكو المنافس الرئيس للوكاشينكو، ودميتري رابتسيفيش أحد كبار رجال الأعمال. وعلى الرغم من أن قرار الإفراج لم يكن من دون قيد أو شرط، وجاء مقروناً بشرط "البقاء رهن الإقامة الجبرية"، فقد أشار لوكاشينكو إلى أن المفرج عنهما مدعوان إلى القيام بمهمتين قوميتين، الأولى تتعلق بإعداد المقترحات اللازمة للإصلاحات الدستورية، وإعداد الدستور الجديد، وهي المهمة التي كلف بها الرئيس لوكاشينكو، فوسكريسينسكي رئيس أركان فريق منافسه باباريكو. أما المهمة الثانية فكانت من نصيب رجل الأعمال رابتسيفيش، وتتعلق بإعداد قوائم المعتقلين المقترح الإفراج عنهم، الذين لا يخشى من تأثيرهم في أمن المجتمع.

نزع فتيل التوتر

وبينما تباينت ردود الأفعال والتعليقات حول الخطوة المفاجئة التي قام بها لوكاشينكو، أعرب دميتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم الكرملين، عن استحسان القيادة السياسية في روسيا مثل هذه الخطوة، مؤكداً "أن الكرملين يرحب بلا شك بأي اتصالات أو تحركات عملية في المجتمع البيلاروسي، ومن باب أولى من جانب رئيس بيلاروس".

كما يتوقع عدد من المعلقين أن تسفر الخطوة عن نزع فتيل التوتر القائم، وحدة المواجهة التي تتواصل للشهر الثاني على التوالي منذ التاسع من أغسطس (آب) الماضي، تاريخ إجراء الانتخابات الرئاسية في بيلاروس.

وتعليقاً على الخطوة، نقلت وكالة "نوفوستي" عن المعلق السياسي يفغيني مينتشينكو، تصريحاته حول أن ما فعله لوكاشينكو يستهدف بدء الحوار الذي قد يسهم في توقف التظاهرات، وتغيير النظرة العامة تجاه شخصية الرئيس. أما المدير العام للمجلس الروسي للعلاقات الدولية أندريه كورتونوف، فقال إن ذلك قد يساعد على بدء الحوار على مختلف المستويات، ويغير النظرة العامة إلى لوكاشينكو بوصفه رئيساً تتسم تصرفاته وقراراته بالحدة والقسوة، وهو الذي كان يبدو حتى الأمس القريب، على استعداد لارتكاب أي شيء يسهم في بقائه على رأس السلطة. وأضاف أنه في حاجة إلى الظهور بمظهر الإنسان الذي يتسع قلبه لاحتواء منافسيه، والقادر على التغاضي عن الضغينة، وإبداء أكبر قدر من التسامح مع معارضيه.

هل غادرت تيخانوفسكايا البلاد مجبرة؟

في هذا الإطار، حرص الرئيس لوكاشينكو على التذكير بما سبق وفعله مع منافسته سفيتلانا تيخانوفسكايا التي طالما قال إنها "امرأة بسيطة لا تعرف شيئاً عن فنون السياسة"، وأنها راحت ضحية الدسائس الانتخابية. واستطرد لوكاشينكو في إعادة تفاصيل ما جرى معها بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، "اتصلت بمكتب يوري كارايف وزير الداخلية تطلب موعداً للقاء، وهو ما أبلغني به كارايف. وأرسلت إليه شخصين، هما نائبه الأول ورئيس مركز العمليات والتحليل التابع للرئيس. عموماً، اقتصر طلبها على شيء واحد. قالت، أرجو إبلاغ الرئيس بأنني أريد مغادرة بيلاروس. كانت تريد المغادرة للحاق بأولادها في ليتوانيا. وخوفاً من حدوث كارثة أعطيت تعليماتي وبناء على رغبتها، لتوفير الحراسة اللازمة، برفقة الشخصيات التي أشارت إلى أسمائهم لمصاحبتها حتى ليتوانيا للانضمام إلى أطفالها، الذين كانت أرسلتهم إلى هناك. (كان زوجها سيرجي تيخانوفسكايا الناشط السياسي معتقلاً بسجون بيلاروس قبل الانتخابات الرئاسية الماضية، وذلك ما دفعها إلى الترشح مكانه)".

واستطرد لوكاشينكو، "حين اشتكت من أنه ليس لديها ما يعينها على الإقامة هناك أصدرت تعليماتي بتسليمها 15 ألف دولار من موازنة إحدى مؤسسات الدولة، ما دفعها إلى الإجهاش بالبكاء وهي تقول جزيل الشكر لكم".

 

وقال أيضاً إنه أصدر تعليماته إلى سفارة بيلاروس في ليتوانيا بتيسير كل الأمور المتعلقة بانتقالها، بما في ذلك ما يتعلق بالبحث عن السكن اللازم لإقامتها هناك. لكن أجهزة الاستخبارات الليتوانية سرعان ما تلقفتها فور وصولها إلى البلاد.

ولم يذكر لوكاشينكو شيئاً عن ذلك الخطاب الذي سجلته إلى شعب بيلاروس قبل مغادرتها إلى الأراضي الليتوانية، وقالت فيه إنها تعترف بنتائج الانتخابات، وتغادر بيلاروس بناء على رغبتها الشخصية وبكامل إرادتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونقلت المصادر ما قالته تيخانوفسكايا من "أنها لم تتعرض إلى أي ضغوط، فضلاً عن قرارها بالرحيل إلى ليتوانيا، لم يكن بوازع من أقاربها أو ذويها أو زوجها سيرجي. إن الكثيرين سيتفهمون موقفي، وإن كان هناك آخرون يمكن أن يحاكمونني أو يكرهونني، لكن الله يرى ويغفر، وعليكم أن تضعوا أنفسكم مكاني".

ودعت تيخانوفسكايا أنصارها ومؤيديها إلى عدم الخروج في التظاهرات، والتسبب في تكدير الأمن العام وزعزعة استقرار البلاد. وقالت إنها لا تريد دماء أو عنفاً. لا ترغب في مواجهة مع الشرطة، أو حشود في الميادين خشية تعريض حياتهم للخطر. وذلك ما قالت مصادر المعارضة في وقت لاحق، إنها فعلته تحت ضغوط من السلطات الرسمية البيلاروسية.

لوكاشينكو مستعد للتنحي

ويقول مراقبون كثر اليوم في بيلاروس إن لوكاشينكو يفعل كل ذلك، في إطار سيناريو متعدد التوجهات لإظهار وجهه الإنساني بعيداً مما التصق به من أوصاف واتهامات بانتهاكات حقوق الإنسان، وممارسات ديكتاتورية.

لكن مصادر داخل الاتحاد الأوروبي كشفت أن كل ما تقدم ذكره كان وراء إدراج اسم لوكاشينكو على قائمة العقوبات الخاصة، وعلى الرغم من ذلك يواصل رئيس بيلاروس حواره الذي يتناول فيه نقل 71 من مهمات الرئيس إلى مختلف أركان السلطات التنفيذية والتشريعية، في وقت يتوقع آخرون في موسكو احتمالات تنحيه لاحقاً عن رئاسة الدولة فور توفر البديل المناسب للتنسيق بين مصالح بلاده، وحماية مصالح روسيا في المنطقة.

وكانت وكالة أنباء "تاس" نقلت عن لوكاشينكو ما سبق، وأعلنه صراحة حول استعداده للتنحي عن السلطة، حين قال، "بالطبع سأترك السلطة يوماً ما. إما في غضون عام أو عامين. لكن لا يجوز إعطاء هذا الدستور لأي طرف غامض. لأنه سيكون كارثة. أخشى هذا قبل كل شيء".

المزيد من تقارير