Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيرار دوبارديو مكرماً في الجونة: الممثل الأسطورة بشخصه وفنه

من فتى أميّ مشاغب إلى صدارة المشهد السينمائي في فرنسا وأوروبا والعالم

الممثل الفرنسي جيرار ديبارديو (غيتي)

نادراً ما يستضيف مهرجان عربي قامة سينمائية كبيرة من حجم جيرار دوبارديو، الأمر الذي نجح فيه مهرجان الجونة المصري هذا العام. فالممثل الفرنسي الذي يحمل أيضاً الجنسية الروسية سيكون ضيفاً استثنائياً على مائدة الدورة الرابعة من التظاهرة السينمائية المصرية الفتية التي تقام من 23 إلى 31 من الشهر الحالي في مجمع الجونة السياحي. النجم السينمائي الفرنسي الأعظم من المتوقع أن يحضر حفلة التكريم، إلا إذا اعترضت طريقه محاولات شن حملة من بعض الناصريين في مصر الذين يدعون إلى إلغاء هذا التكريم بسبب تصريحات سابقة له قال فيها إنه يحب إسرائيل. مهرجان القاهرة شهد حملة مشابهة العام الماضي من المجموعة نفسها، عندما أعلن عن نيته تكريم المخرج الفرنسي الكبير كلود لولوش، وكانت نتيجتها اعتذار المخرج عن قبول الدعوة.

يُعد دوبارديو البالغ من العمر 72 عاماً، ثروة وطنية في فرنسا. من فتى مشاغب شبه أمي في الستينيات، تحول إلى ظاهرة عالمية ليس فحسب بسبب الموهبة الضخمة التي دفعته إلى صدارة المشهد السينمائي في فرنسا وأوروبا والعالم، بل أيضاً من خلال مواقفه وآرائه وفضائحه التي كانت مادة دسمة للإعلام على أنواعه. لم يكف يوماً عن السباحة عكس التيار. عُرف بحبه للحياة التي لا حدود لملذاتها وجنونها، وقد عاشها على أوسع نقاط، مثلما اشتهر بالمنحى الاستفزازي من ذاك النوع الذي يجعل الشغف لا يخبو في داخل الإنسان. مذ كان مراهقاً اكتشف الحياة، عشق الكثير من النساء، وتعلم منهن الكثير مهنياً وحياتياً، ولا يمكن إخفاء شيء من الأنوثة عنده. إذا أردنا اختزاله، يمكن القول إنه طفل كبير داخل جسد وحش.

أدوار متناقضة

دوبارديو أحد عمالقة التمثيل في القرن العشرين. قدم ما يقارب الـ200 دور على الشاشة. إنه من أسياد التشخيص في السينما والمسرح، فنان شامل اضطلع بدور الفلاح والمتمرد والصعلوك والمواطن والفاسد والعاشق والأب والسياسي، إلخ. كل هذه الطائفة من الشخصيات صنعته منذ مطلع السبعينيات، تاريخ انطلاقته في التمثيل، عندما جاء إلى باريس من الريف، وهو في السادسة عشرة من العمر، شبه أمي، ولا يملك فلساً واحداً في جيبه. أطل في عشرات التحف السينمائية، راكم تجربة ممتازة، في إدارة جهابذة الإخراج (رينه، تروفو، سوتيه، برتوللوتشي، فيريري، بيالا، فايدا، شيرو، غودار، بيري، إلخ)، إلى أن أصبح يحمل كل أدواره على ظهره، ليغدو بهيئة رجل "متهالك، ولاهث يحمل كرشاً خزن فيه كل ماضيه".

خياراته لطالما كانت غير اعتيادية، وأخباره فضائح تتناقلها الصحف والمجلات. حتى السجن دخله مرات عدة بسبب جنح متفرقة، في حين حوادث السير التي تسبب بها وهو يقود دراجته النارية لا تُعد ولا تُحصى. الرجل الذي يدّعي أنه يشرب عشر قناني نبيذ يومياً، ضبط أيضاً وهو يتبول في إحدى الطائرات بعدما كانت قد منعته المضيفة من دخول الحمام لحظة الهبوط على المدرج.

في السبعينيات، كان رمزاً للتمرد على قيم المجتمع. يروي أنه اعتنق الإسلام خلال شبابه بعدما حضر حفلاً غنائياً لأم كلثوم في باريس. وهذا يقول الكثير عن الشخصية الحماسية لدوبارديو الذي يلقي بنفسه جسداً وروحاً في المشاريع بنزعة إكزوتيكية أحياناً. فيه شيء من معظم الشخصيات التي لعبها، لكن فيه الكثير من رومنطيقية سيرانو دو برجوراك، شخصية الكاتب إدمون روستان التي جسدها في رائعة جان بول رابنو. اليوم يقال إنه محافظ إلى حد ما. فماذا تغير في حياته؟ في مقابلة سابقة لي معه، قال: "لم ألعب المتمردين فقط، هذا غير صحيح. هكذا صنفت، وهذا كله بعد فيلم (ليه فالسوز)، إخراج برتران بلييه، لكن، لا تنسَ أنني لعبت بعد ذلك في أفلام موريس بيالا، وجسدت أيضاً شخصيات تاريخية، كدانتون وسيرانو وكريستوف كولومبوس ورودان؛ ذلك أنني كنت مصاباً بهوس التاريخ مُذ كنت في المدرسة، لكن أكثر ما علق في ذهن الناس هو شخصيتي في فيلم برنار بلييه. شخصياً، أرى مثلاً أنني لم أجسد بما فيه الكفاية شخصية الشرطي. لعبت فحسب في ثلاثة أفلام بوليسية هي (بوليس) لبيالا و(36) لأوليفييه مارشال، و(ديامان 13) لجيل بيا. في المقابل، لعبت كثيراً في أفلام كوميدية، واضطلعت أيضاً بدور المغرم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لغة الجسد

عرف دوبارديو باستخدامه المفرط للغة الجسد التي يلجأ إليها الممثلون الأميركيون عادةً أكثر من الأوروبيين. يقول إنه عندما يكون الممثل على خشبة المسرح، غالباً ما يكون التمثيل عالي النبرة ومفخماً. شيئاً فشيئاً، كل شيء يعود إلى طبيعته. ويستطيع قول الكلام نفسه عن الجسد. الأهم أن ينسى الممثل جسده، وأن يساعده الجسد في الوصول إلى تلك الحالة. هو من الذين لا يمانعون أن يزداد وزنهم من أجل الاضطلاع بدور. فكل شيء يجب أن يكون في خدمة المهنة. مع ذلك، يوم قابلته وجدته يقول وهو يضرب بكفه على بطنه: "عندما تنظر إلى جسد مثل جسدي، مع هذا الكرش الذي يزن 30 كيلو غراماً على الأقل، لا يمكنني القول، وبصراحة، إنني أحب نفسي على هذا النحو. ولكن، لا يجوز أن ينحصر همنا في مظهرنا الخارجي. لو جلست أمام المرآة ونظرت إلى نفسي، حتماً لكنت سأُصاب بالإحباط والحزن".

علاقته بوطنه فرنسا فيها مد وجزر بكل تأكيد. يعشقها، ولكن ضاق ذرعاً من أوضاعها. ذات يوم، قرر أنه يدفع الكثير من الضرائب قياساً بمدخوله. فقال "تحيا فرنسا، أنا أغادر"، وتوجه إلى روسيا. الأمر الذي جلب له الكثير من الانتقادات اللاذعة من جانب المواطنين الفرنسيين. يقول إنه لا يتعاطى السياسة في حياته اليومية. أحياناً، أصدقاؤه يقولون عنه أنه "ديكتاتور كفيديل كاسترو". هو لا يرى كاسترو ديكتاتوراً، بل قائداً وثائراً عظيماً. عرف ميتران والبابا يوحنا بولس الثاني وآخرين، لكنه لم يقترب من السياسة، ولم ينتخب؛ وهذه معلومة شائعة عنه في فرنسا، وهذا الرفض مُتأتٍّ من تربيته، ذلك أن والده كان رجلاً أمياً لا يعرف القراءة. كان فلاحاً لا يفكر إلا في إطعام أولاده. في سن الثامنة كان ينام تحت ضوء القمر، وترك المدرسة في الثانية عشرة. لم يتلقَ تربية كلاسيكية، لكنه ثقف نفسه من خلال المطالعة. الأدب أنقذه. وكذلك كتب الأديان السماوية، كالتوراة والإنجيل والقرآن، ثم اكتشف دوستويفسكي وبلزاك وهوغو. هكذا أصبح من هو.

لا يستعد للدور الذي يحمله على كتفيه. لا يُجرب أي شيء البتّة، بل يعتمد على غريزته. يقول إنه يفشل إذا حضر. الأشياء تصل إلى أهدافها عندما يعيشها. لا يعرف شيئاً عن الدور مسبقاً. هناك ممثلون يحضرون، أما هو فلا. هذا جزء من تكوينه. تسنَّت له الفرصة كي يحضر لأنه عاش الحياة بكل تفاصيلها منذ سن مبكرة. كان يراقب كثيراً جداً.

الأعوام الأخيرة لم تكن الأفضل في سيرته، بدءاً من وفاة ابنه غيوم (2008) الذي كان بدأ يسطع نجمه كممثل، وصولاً إلى القرف من السياسة الذي جعله ينقلب على انتماءاته الأولى، فينتقل من اليسار إلى اليمين، فاقداً بعضاً من شعبيته (علماً بأنه الممثل صاحب القدر الأكبر من الإيرادات في تاريخ فرنسا)، مروراً بالفشل الجماهيري الذي تعرَّض له بعض رهاناته السينمائية غير الصائبة. هذا كله أوقع صاحب دور أوبيليكس الذي لقبه فرنسيس فيبير بـ"العبقري الشوارعي"، في نوع من إحباط، لا ينتشله منه إلا دور على طريقة مارلون براندو في "العراب" كي يسجل عودة أسطورية.

المزيد من سينما