Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مريم" الافتراضية تتبنى أحلام ومآسي 40 مليون مراهقة عربية

"الأمم المتحدة" نصّبت فتاة سفيرة نوايا حسنة للدفاع عن حقوق المراهقات تزامناً مع اليوم العالمي للطفلة

علم الأمم المتحدة عند مقر المنظمة الدولية في نيويورك  (رويترز)

شخصيات عامة، منهم من يعمل في الفن، ومنهم من برز اسمه في رياضة هنا، أو إنجاز علمي هناك، بينهم من دفعتهم ظروفهم الصعبة إلى صناعة قصة نجاح ملهمة، وبينهم أيضاً من أهَّلته صفاته الشخصية وأولوياته الإنسانية ليكون خير رسول، أو أفضل سفير لهدف أو غاية أو رسالة تفيد قطاعات عريضة من البشر.

وبين هؤلاء البشر من يحمل لقب "رسول سلام"، ومنهم من يتم اختياره "سفيراً للنوايا الحسنة". باولو كويلهو مثلاً "رسول سلام"، الكاتب البرازيلي الذي انتشرت كتاباته، وأبرزها "الكيميائي"، في شتى ربوع الأرض، يستغل إنجازاته في مكافحة الفقر، والعمل من أجل التقارب والتفاهم بين الثقافات المختلفة. الممثل ليوناردو دي كابريو، صاحب الأوسكار، ومعتنق قضايا البيئة منذ مطلع شبابه في التسعينيات أيضاً "رسول سلام". الفنان المصري عادل إمام "سفير نوايا حسنة" لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ومهمته رفع مستوى الوعي العام عن اللاجئين في المنطقة العربية. الفنانون دنيا سمير غانم، وأحمد حلمي، ومنى زكي، سفراء نوايا حسنة لمنظمة "يونيسيف"؛ المنظمة الأممية التي تُعنى بقضايا الطفولة.

سفير ورسول للتوعية

عرف العالم الفكرة منذ سنوات طويلة؛ إذ تختار منظمات الأمم المتحدة المختلفة أشخاصاً بارزين بعناية شديدة من ميادين الفن والأدب والعلوم والترفيه والرياضة والطب والعلوم. هؤلاء يساعدون، كل في مجاله، في جذب الاهتمام ورفع الوعي بما تقوم به كل منظمة من أعمال: قضايا الطفولة والغذاء والصحة والتنمية والمرأة والسكان والبيئة والمخدرات والجريمة والثقافة والعلوم والتعليم، وغيرها.

قوائم الأسماء التي تشغل منصب "سفير نوايا حسنة" أو "رسول سلام" كثيرة. ونسبة لا بأس بها يتم اختيارها من دول عربية، ومنهم على سبيل المثال الفنانون محمود قابيل (يونيسيف)، وماجدة الرومي (منظمة الأغذية والزراعة)، ومحمد عساف (وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين)، وراغب علامة (برنامج الأمم المتحدة للبيئة)، ويسرا (برنامج الأمم المتحدة المشترك لفيروس نقص المناعة البشرية (إيدز)، وغيرهم.

كل هؤلاء سفراء لا يتقاضون دولاراً أميركياً واحداً نظير تسخير جهودهم وشعبيتهم وجانب من نشاطهم من أجل خدمة قضايا أممية مختلفة. فهي وظيفة شرفية توعوية في المقام الأول والأخير، والغاية منها ليس جمع المال، أو تكوين الثروة. الطريف المُحزن في آنٍ أن محترفي النصب وهواة الاحتيال دأبوا في السنوات الأخيرة على ادعاء تنصيبهم سفراء نوايا حسنة أُممين، ومنهم من استغل قلة وعي هنا، أو رغبة في شُهرة هناك، فباع ما لا يملك، حيث تقاضى رسوماً في مقابل تزوير شهادة تفيد بتعيين فلان سفيراً وعلان رسولاً.

سفيرة فريدة من نوعها

وقبل ساعات خرجت إحدى منظمات الأمم المتحدة بفكرة فريدة من نوعها؛ فقد تم تنصيب فتاة سفيرة نوايا حسنة للدفاع عن حقوق المراهقات، تزامناً مع اليوم الدولي للطفلة في 11 أكتوبر (تشرين الأول)، هذه المرة السفيرة من نوع خاص... "مريم" سفيرة افتراضية لصندوق الأمم المتحدة للسكان استهلت بداية عملها كمدافعة عن حقوق المراهقات في احتفالية هذا العام تحت عنوان "صوتي، مستقبلنا المتساوي".

صوت السفيرة الافتراضية مريم وغيرها الملايين من الفتيات في العالم العربي ما زال مصنفاً، إما أنه عورة يجب أيا يُسمع، أو سخافة لا تستحق أن يلتفت لها أحد، أو تحصيل حاصل يعرف من حولها الأفضل لها، لكن في اليوم الدولي للطفلة هذا العام، وفي المنطقة العربية تحديداً، تحاول منظمات أممية، وعلى رأسها صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمات أهلية وناشطون وناشطات في مجال حقوق الفتيات، إلقاء ضوء ساطع منير على حقوق ومتطلبات ونقاط ضعف الفتيات المراهقات، بالإضافة إلى ما يمكن أن يقدمنه من مساهمات وإمكانات تساعد على تحقيق مستقبل أفضل لهن، ومن ثم لمجتمعاتهن.

 

 

أصوات المراهقات

ولأنه نادراً ما يُسمع صوت المراهقات في قاعة حكومية أو بيت أو فصل دراسي، ولأن القيود الثقافية المفروضة عليهن منذ مئات السنين تُدمي القلوب وتعطل العقول وتشل الأحلام، فإن اليوم الدولي للطفلة هذا العام لم يجد حرجاً في القول إن الاستماع إلى الفتيات في الفترة الأخيرة كشف عن أنهن لا يُردن أن ينظر إليهن باعتبارهن أجساداً في المقام الأول، وأفراداً في المقام الثاني. وإذا كانت الفتيات في جميع أنحاء العالم يجدن حياتهن ومستقبلهن مقيدين بنظرة تقوم على أنهن "أشياء للرغبة الجنسية"، و"أوعية للتكاثر"، و"مصادر للعمل الحر غير المقيد بحقوق"، فإن الفتيات في العالم العربي قيودهن مضاعفة، ومشكلاتهن متواترة، وأزمتهن متصاعدة، لا سيما في ضوء هيمنة العديد من الأفكار الرجعية المُلتحفة برداء الدين وسيطرة عادات وتقاليد أقل ما يمكن أن توصف به هو انتماؤها للعصور الوسطى، ناهيك عن الأثر المضاعف للحروب والاقتتالات والصراعات على المراهقات النازحات واللاجئات والمضطرات للإقامة في كنف الأزمات.

الأزمات الكلاسيكية التي تنفرد بها المراهقات في أوقات السلم مستمرة. ووفقاً لـ"يونيسيف"، فإن كثيرات منهن يُجبرن على التسرب من المدارس لرعاية أسرهن وإخوتهن. ويكفي أن المراهقات يمضين 40 في المئة من وقتهن في إنجاز الأعمال المنزلية أكثر من المراهقين، وهو ما يحد بشدة من الوقت المتاح للدراسة وممارسة الهوايات والأنشطة الترفيهية والرياضية. وبالطبع، تبقى معضلة تزويج المراهقات وحملهن مشكلة عالمية، حيث إن مراهقة واحدة من دون سن الـ18 عاماً بين كل خمس مراهقات، متزوجة بالفعل، أو في طريقها إلى الزواج. وفي كل يوم في الدول النامية تلد 20 ألف مراهقة لم يبلغن سن الـ18 عاماً.

أمثلة عربية

مثال لما تتعرَّض له المراهقات ينقله صندوق الأمم المتحدة للسكان، حيث أمل، مراهقة سورية، تقول "عندما كبرت شعرت وكأن جناحيَّ تم قصهما ببطء رغماً عنّي". وتقول لمى، مراهقة سورية "يتمتع الأولاد بكل الحرية في العالم. أما الفتيات فيتم تقييدهن بالعديد من القواعد والموانع". وإذا كانت أمل ولمى لم يجدا سوى الاستسلام للتيار السائد، فإن "ينال"، مراهقة سورية لاجئة في الأردن، قررت أن تقاوم التيار.

في سن الـ16 عاماً تبنت دعوة لإنهاء زواج الأطفال بعد ما رأت بنفسها أثر مثل هذه الزيجات على الفتيات. من داخل مركز الشباب المدعوم من "صندوق الأمم المتحدة للسكان" في مخيم الزعتري في الأردن تقول "اليوم لا أخشى من أن أرفع صوتي وأقول إن الفتيات يتسربن من التعليم ويتم الدفع بهن في منظومة الزواج المبكر. ونسبة كبيرة من الفتيات يكن مُجبرات على ذلك. أحلم بأن تمتلئ كل محطات التلفزيون برسائل موجهة إلى الفتيات وأهلن قوامها أن زواجهن دون سن الـ18 عاماً يشكل خطورة صحية ونفسية واجتماعية عليهن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الثقافة الجنسية

إذا كانت العادات والتقاليد والثقافة العربية تتحسّس أحاديث الثقافة الجنسية وحماية المراهقين والمراهقات من الأمراض المنقولة جنسياً والحمل غير المقصود، فإنها يجب ألا تقف أبداً عائقاً أمام تثقيف الفتيات اللاتي يضطررن للزواج المبكر مثلاً دون تمكينهن من المعلومات التي تضمن صحتهن الجسدية وقدرتهن على اتخاذ القرارات التي تؤثر في أجسادهن. ويشير "صندوق الأمم المتحدة للسكان" إلى أن آفاق الفتيات المستقبلية تتألق حين يعرفن أنهن يستحقن العيش دون عنف أو إكراه، لا سيما فيما يتعلق بالجوانب الجنسية والإنجابية لأنها تؤهلهن لاتخاذ القرارات الصحية الصائبة لأنفسهن وأسرهن في المستقبل.

توريث الإحباط

ولأن المستقبل لا يصنعه الرجال والشباب والمراهقون وحدهم، فإن حرمان المراهقات من إمكاناتهن وحقوقهن لا يصيبهن وحدهن بالضرر، بل يلحق بالمجتمع كله الذي يصبح أكثر فقراً، حيث إن الفقر لا يفرق بين ذكر وأنثى. وبينما يحتفل العالم بفوز سيدتين عالمتين بجائزة نوبل للكيمياء، وهما للفرنسية إيمانويل شاربانتييه، والأميركية جنيفر داودنا، وهما عالمتا وراثة "مقصات جزيئية" قادرة على تعديل الجينات البشرية، يظل العالم العربي يبحث في حرمانية خروج الطفلة لتتعلم أو جواز تقلد امرأة منصب مدير أو قاضٍ أو خفير.

وعودة إلى الزواج المبكر الذي يجهض أحلام التعليم والعمل والتميز والآدمية الكاملة، حيث تحرم الفتيات ليس فحسب من تطلعاتهن العادية من تميز في عمل أو نجاح في دراسة، بل يحرمن كذلك من الاستمتاع بحياة بسيطة مع شريك محب، وليس زوجاً إجبارياً، وهو ما يؤدي إلى حلقة مفرغة من الاكتئاب وتدهور الصحة وتوريث الفقر والجهل والإحباط.

ظلال كوفيد-19

إحباط من نوع آخر، لكنه أعم وأشمل، حيث الظلال الوخيمة التي يصر وباء كوفيد-19 أو كورونا المستجد، أن يمعن في الإبقاء عليها. فقد ضاعف فيروس كورونا من حجم المشكلات التي تحول دون تحقيق أحلام المراهقات في العالم بأسره، وفي العالم العربي وما يمر به من مشكلات كبرى، يتفاقم الوضع أكثر في ظل الجائحة، لا سيما حين يتعلق الأمر بحياة ملايين الفتيات العربيات المراهقات. ويكفي أن الجهود الدولية المبذولة لحماية الفتيات وتمكينهن تتراجع بسبب الوباء، وهو ما يعني تراجعاً عربياً مضاعفاً.

إغلاق المدارس وتقليص جهود التوعية والتمكين وزيادة القيود المفروضة على التحرك والتنقل مع تأخر أو وقف برامج مواجهة زواج الأطفال وختان الإناث بسبب الوباء يضاعف من معاناة الفتيات العربيات.

مريم انطلقت

واليوم، تنطلق "مريم" المراهقة العربية ابنة الـ15 عاماً التي تتحدث اللغة العربية الفصحى لغة كل الدول العربية، التي تفهم اللغة العربية بلهجاتها العامية التي تنطق بها 40 مليون مراهقة عربية.

"مريم" الافتراضية على دراية كاملة بكل ما تعانيه المراهقات العربيات، وعلى علم كامل بأحلامهن المقيدة والصعوبات المتواترة التي يجاهدن من أجل عدم الوقوع في شراكها. تعرف "مريم" أنها والـ40 مليون مراهقة عربية يشكلن تسعة في المئة من مجموع التعداد العربي. وتعرف أن 19 في المئة من قريناتها لا يكملن تعليمهن الثانوي. وتدري أنه بسبب الوباء، سيصل عدد حالات زواج الأطفال إلى 13 مليون زيجة، كما سيزيد عدد عمليات ختان الإناث مليونين إضافيين حتى عام 2030 عما كان متوقعاً قبل حلول كورونا المستجد.

الاستثمار في المراهقات

المدير الإقليمي لصندوق الأمم المتحدة للسكان للدول العربية، لؤي شبانة، قال في مؤتمر افتراضي في مناسبة إطلاق "مريم" إن الاستثمار في المراهقات العربيات هو أذكى استثمار يمكن عمله في المنطقة العربية، لأنه سيُسفر عن تحول إيجابي كامل في المجتمعات العربية، مع ارتفاع احتمالات الوصول للسلام ودعم الاستقرار وعمليات البناء، لكنه يشير إلى أن وباء كورونا المتزامن واستمرار النزاعات المسلحة في العديد من الدول العربية يمثلان عائقين كبيرين أمام المنطقة برمتها، وعلى المراهقات العربيات بشكل خاص.

يقول "رغم أن مريم عربية، فإنها لا تحمل جنسية معينة. هي على علم كامل بما تعانيه المراهقات العربيات وبأحلامهن واحتياجاتهن. مريم تعيش مع أب وأم وأخ وأخت افتراضيين، وتذهب لمدرسة افتراضية، وستكون في متناول التواصل والاتصال مع كل مراهقة عربية كأداة معرفة وضغط وتوعية مستمرة".

استمرار الويلات العربية من احتلال ولجوء ونزوح مع إضافة عنصر الوباء يجعل من "مريم" ملجأ مثالياً للفتيات العربيات، هكذا تقول الأمين العام المساعد رئيس قطاع الشؤون الاجتماعية في الجامعة العربية، هيفاء أبو غزالة، في المؤتمر الافتراضي.

وتضيف "من حق الفتاة العربية أن تنعم بحياة كريمة. والظروف التي تعيشها الدول العربية حالياً تجعل المراهقات العربيات أكثر عُرضة للاستغلال والإهمال، لا سيما في ظل استمرار وجود الجماعات الإرهابية وتدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية والاجتماعية والاقتصادية في العديد من الدول العربية. وتضاف إلى كل ذلك أكبر مأساة في القرن الـ21، ألا وهي كوفيد-19. ستكون مريم قادرة على تخفيف الحمل والمساهمة في رفع الوعي وتقديم الدعم المعلوماتي والنفسي للفتيات".

معلومات ودعم ومشورة

المعلومات والدعم النفسي والمشورة تشكل أعمدة احتياجات المراهقة العربية في الظروف الاستثنائية التي تعيشها، التي ساعدت على إمعان هيمنة ممارسات ضارة عدة على حياة ملايين المراهقات العربيات. فبسبب الأعراف والممارسات التقليدية التي فترت جهود تصحيحها وتنقيتها بسبب الوباء، تتعرض 55 في المئة من الفتيات العربيات للختان، وتتزوج واحدة من كل خمس قبل بلوغ سن الـ18 عاماً وتحرم 19 في المئة منهن من التعليم الثانوي.

ومع إطلاق "مريم" يؤمل أن تساعد في تغيير وتصحيح الأعراف الخاطئة بناء على نشر خبرات من الحياة الواقعية وتفنيد نظريات لا أساس لها من الصحة بالحجة والبرهان. مريم ستتواصل مع الملايين، بمن فيهم آباء وأمهات وأشقاء وأقارب وأصدقاء المراهقات العربيات. ستتحدث وتشرح وتعرض قصصاً وحكايات وخبرات ووقائع من شأنها أن تجعل حياة المراهقات العربيات أفضل وأنجح وأصح، على أمل أن يؤدي إدخال هذه المفاهيم إلى تحول الأرقام المفزعة الخاصة بالممارسات الضارة إلى صفر، والأرقام الخاصة بقصص النجاح والنبوغ والأمل والبهجة إلى أقصى درجة ممكنة، وذلك عبر "مريم" سفيرة المراهقات للنوايا الحسنة.