Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

منافسة بين واشنطن وموسكو للهيمنة على الملف الليبي

تحضّر روسيا لمنتدى حوار دعت إليه نحو 100 شخصية سياسية وعامة

تحرك روسيا يهدف إلى استعادة دورها السياسي في ليبيا (غيتي)

مع توسع الانخراط الأميركي في الأزمة الليبية، وتواصله المستمر مع أطرافها بغية إيجاد حل سلمي للنزاع الممتد منذ عقد كامل، كان الجميع ينتظر الرد الروسي على التحركات الأميركية التي تهدف، بحسب تصريحات مسؤولين في واشنطن، إلى التصدي للتمدد الروسي في ليبيا، ومنع موسكو من وضع قدم لها في بقعة استراتيجية لا تخفى مزاياها عن أحد.

ووجّهت واشنطن، على مدار الأشهر الماضية، رسائل واضحة ومبطنة إلى موسكو تحذرها من محاولة الهيمنة على المشهد الليبي، مطالبة بوقف إمداداتها العسكرية لحليفها في الشرق قائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، وكان آخرها تصريحات من أنقرة للسفير الأميركي في ليبيا ريتشارد نورلاند، والتي حملت إشارات أميركية إلى وقف التدخلات الروسية في الأزمة.

في المقابل، ردت موسكو بتحرك دبلوماسي جديد، وذلك بإعلانها مؤتمراً حول ليبيا يجمع 100 شخصية من الأقاليم التاريخية الثلاثة للبلاد، إضافة إلى حلفائها القدامى من أنصار نظام القذافي، معتبرة أنها تسعى لمعالجة الأزمة الليبية، ما اعتبره مراقبون رداً على تحركات واشنطن ضد خطط وأهداف موسكو الاستراتيجية في ليبيا، ومحاولة لسحب الملف الليبي من الإدارة الأميركية.

سر الاهتمام الأميركي

بدأ الاهتمام الأميركي بليبيا يتزايد بداية العام الحالي مع تواتر المعلومات عن تنامي التمدد الروسي فيها، والذي كشفت عنه تقارير متتالية للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم(، مدعمّة بصور أقمار صناعية كانت تلاحق بشكل خاص فرقة "الفاغنر" العسكرية الروسية من مكان إلى آخر داخل ليبيا .

واتهمت واشنطن الفرقة بدعم قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر في حملته العسكرية ضد حكومة الوفاق، وهو ما نفته موسكو بشكل قاطع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولقطع الطريق على روسيا ومنعها من اتخاذ ليبيا، صاحبة أطول شريط ساحلي على البحر الأبيض المتوسط، قاعدة لها في مواجهة أوروبا، وعلى بعد كيلومترات قليلة من مركز القيادة العسكرية للناتو جنوب إيطاليا، كثفت الولايات المتحدة نشاطها الدبلوماسي للضغط على أطراف الأزمة للالتزام بخطة السلام التي ترعاها الأمم المتحدة، وتحريكها بسرعة لإنهاء الوجود الروسي في ليبيا.

وأشارت واشنطن صراحة إلى غايتها هذه في آخر تصريح لسفيرها في طرابلس حول ليبيا، ريتشارد نورلاند، قال فيه إن "بلاده تحث جميع أطراف النزاع على اختيار الحوار بدلاً من الصراع، وبمجرد حل النزاع الليبي فلن يكون هناك أي مبرر لاستمرار وجود المسلحين الأجانب".

وأضاف، "حان الوقت للحد من التدخل العسكري الأجنبي بسحب المسلحين والشركات العسكرية الأجنبية والمقاتلين من ليبيا".

واتفقت كثير من المصادر على أن تصريح نورلاند رسالة لا لبس فيها، موجهة إلى تركيا وروسيا لإنهاء وجودهما العسكري في البلاد. 

موسكو تجمع أفرقاء ليبيا

لم تخف المساعي الأميركية على موسكو التي ردت عليها بتحرك دبلوماسي لمنع واشنطن من الانفراد بالملف الليبي، إذ أفادت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن بلادها تحضّر لمنتدى للحوار السياسي في ليبيا، ودعت إليه 100 شخصية سياسية وعامة من برقة وفزان وطرابلس.

وقالت زاخاروفا في بيان لها، إن "هدف المنتدى هو إعداد اتفاقات حول إدارة انتقالية موحدة في ليبيا". وأضافت أن "مفتاح نجاح عملية التسوية الشاملة في البلاد هو شمولها، ولذلك يجب على جميع القوى السياسية المشاركة في المنتدى، بما في ذلك أنصار النظام السابق".

وأرسلت زاخاروفا رسالة طمأنة إلى المجتمع الدولي بأن تحركات بلادها للإسهام في حل الأزمة الليبية متسقة مع الجهود الدولية في هذا الشأن ولن تتقاطع معها، وذك بتأكيدها أن "الاجتماعات الليبية التي عقدت في بوزنيقة المغربية ومونترو السويسرية تسمح بالاتفاق على مبادئ تشكيل الهيئات الحكومية المستقبلية"، موضحة أن "الأمم المتحدة مدعوة لتنسيق الجهود الدولية بشكل فعال لتقديم المساعدة إلى الليبيين للتغلب على عواقب الأزمة"، كما أعربت عن "قلق موسكو من التأخير في تعيين ممثل خاص جديد للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا".

منافسة على دور الريادة

يرى مراقبون للمشهد الليبي أن تحرك موسكو لتنظيم الملتقى يهدف إلى استعادة دورها السياسي في ليبيا بعد تراجعه أخيراً، في مقابل تقدم واضح للدور الأميركي الساعي إلى الخروج بالأزمة من النفق المظلم عبر باب الحوار والحلول السلمية.

فبعد سنوات من تراجع الدور الأميركي بشكل ملحوظ في ليبيا، لعبت واشنطن دوراً كبيراً في دفع الأفرقاء الليبيين إلى التوقيع على أول اتفاق بينهم في المغرب يتعلق بتقاسم المناصب السيادية، وواصلت تحركها الدبلوماسي للضغط على أفرقاء الخارج من اللاعبين الدوليين والإقليميين الفاعلين في المشهد الليبي، مثل مصر وتركيا، لضمان دعمهم نتائج الحوارات الليبية وعدم عرقلتها، وتثبيت الهدنة العسكرية المستمرة منذ أشهر عدة.

وجاء هذا النجاح للإدارة الأميركية خلال أشهر قليلة من تحركها لتولي زمام الأمور في الملف الليبي، ما شكل حرجاً كبيراً لكل القوى الدولية والإقليمية التي حاولت لسنوات تحقيق نجاح مماثل لدبلوماسيتها في ليبيا من دون نجاح يذكر، وعلى رأس هذه القوى روسيا التي حاولت أكثر من مرة رسم خريطة طريق للحل السياسي من طريق جمع الأفرقاء على طاولتها للحوار، من دون أن توفق في ذلك.

خشية من تبعات التنافس

من جهة ثانية، يوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية جمال الشطشاط، أن هذا التنافس يُخشى من تداعياته على الزخم السياسي في النزاع الليبي، الذي أفضى إلى نجاحات لافتة أخيراً.

ويقول في حديث إلى "اندبندنت عربية"، إن "عودة التنافس والحرب الباردة بين موسكو وواشنطن في ليبيا يمكن أن يعقد الأزمة، فموسكو لها حلفاء وشركاء فاعلون في بلادنا، ويخشى من ضغطها عليهم لعرقلة مساعي الحل الأميركية، لا لشيء إلا لأنها جاءت من واشنطن".

ويضيف أن "التنافس بين العملاقين بترسانتهما السياسية والعسكرية وعلاقاتهما الواسعة، وهيمنتهما على الإرادة السياسية لكثير من القوى والمنظمات الدولية لم يأت بخير لأي منطقة نقلا إليها صراعهما التاريخي والدائم، ولنا في سوريا دليل كاف على نتائج هذا الصراع المحموم على الهيمنة".

ويشير الشطشاط إلى ورقة مهمة لمّحت موسكو باستعمالها في بيان خارجيتها لقلب الطاولة في ليبيا، إذ "تعمّد البيان الإشارة إلى أنصار نظام القذافي في ليبيا، وهم كثر ويشكلون قوة نائمة ومستضعفة حالياً ومستبعدة من الحوارات الجارية والمشهد برمته، ولكن دعم دولة مثل روسيا قادر على النهوض بها لخلط الأوراق تماماً".

ويعتقد أن "روسيا خبأت هذه الورقة للحظة مثل هذه، علماً أن علاقتها بهذا التيار قديمة وتاريخية، وهناك تقارير عن خطط روسية لتهيئة نجل القذافي سيف الإسلام لمرحلة مقبلة، ورهانها عليه إذا جرت انتخابات في ليبيا، اعتماداً على قاعدة نظام والده الشعبية الواسعة، بخاصة غرب ليبيا وجنوبها، وبالتالي فإن طرح هذه الورقة الآن ليس عبثياً ولا يمكن الاستهانة به".

المزيد من العالم العربي