Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعرة التونسية هدى الدغاري تروض الكوابيس لغوياً

قصائد الديوان لقطات تصويرية تتراوح بين التشكيل والسينما والمسرح

لوحة للرسام التونسي علي بن سالم (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - الموقع الرسمي للفنان علي بن سالم)

تقترح الشاعرة التونسية هدى الدغاري في ديوانها الجديد "يا كلي الناقص... يا فداحتي الكاملة"، صداقة حميمة مع بخار الماء، ذلك المتغير الذي تتوحد معه في التطاير والتكثف والتفكك، عبر رحلة دائرية لا نهائية، تتوالى فيها حركات الصعود بغير سقف، والهبوط بلا قرار.

في ديوانها الرابع، الصادر حديثاً عن دار "سحر" بغلاف للتشكيلية السورية فاطمة إسبر، تنفي الدغاري احتمالية احتوائها في بحر داخلي، أو حتى نهر صغير، لكنها في الوقت نفسه تعرف السيولة جيداً، والتجمد، والذوبان، والغليان، متنقلة كالماء وبخاره بين حالات متناقضة، متنافرة. ولا مجال لهندستها تحت مظلة الفوضى السائدة.

همهمة الصمت

يحيل العنوان المثير، بادئ ذي بدء، إلى نقصان الكل، واكتمال الفداحة، فالذات تشرذمات وانقسامات، والعالم نثارات موجعة وشظايا مستعرة. والكمال الافتراضي لا ينطلي إلا على ما هو فادح قاس، كالفقد والخذلان والتوحش والاغتراب والأسى والظلمة، والحاجة الملحة إلى الآخر، ذلك الذي تماهى مع الخارج، فبات شبحاً: "لا أحب الخارج مطلقاً/ يستهويني الداخل بفوضاه الحارة/ عروة معلقة بفوهة بركان/ لحم مقدد تحت شمس قاتلة".

تجفف هدى الدغاري قصيدة النثر كورقة شجرة يابسة، معتمدة التكثيف والاختزال بقسوة، ومستغنية عن الزوائد والزخارف ، فكأنها تقتل الحروف المجانية قتلاً لكي تكتب "همهمة الصمت المتعرق"، فتزحف القصيدة نحوها خفيفة بلا تكلف واصطناع. هكذا، مثلما تأتي الحياة بغتة، وتغيب فجأة، بغير تحضيرات استباقية، فإن الشعر صدمة انفجارية لا تتطلب تجهيزات معملية وحشداً معرفياً وطقوساً خاصة وأمزجة شياطين: "لا أدمن القهوة كعادة الشعراء، ولا أعدل مزاجي بنيكوتين السيجارة".

القصيدة لدى هدى الدغاري، ببساطة، عملية حيوية بيولوجية، ومكابدة روحية متأججة، بغير رضوخ لانتظام ميكانيكي. وهذه اللانسقية الفنية الجمالية هي مرآة عاكسة لكل ما بداخل الذات الشاعرة وما حولها من انهيارات متلاحقة، وبقايا أبنية متهاوية؛ لم تكن أصلاً مستندة إلى أسس وأنساق. وتلك سمة الطبيعة برمتها، بعد نسف قوانينها، وتقاطع أضدادها "شتاء يطوي الصيف تحت إبطه الباردة". وعلى الرغم من هذه القتامة المحيطة من كل جانب، التي يصعب الفكاك من أحضانها، ليس مستحيلاً ذات حلم أن يومض من تحت الباب ضوء، بالتفاتة خاطفة. ومن أجل تلك التخييلات العابرة، يمكن أن يبقى للوجود معنى، ولو للحظة واحدة، بعد زوال كل شيء. ويمكن للقلب أن يطرق ثقب الأمل، بمنأى عن رصاصات قناص لا ينام، اسمه: الحظ العاثر. وإن لم تسفر تلك المحاولات عن حقيقة ما متفائلة، فإنها قد تبقى حيلة مناسبة "من أجل ترويض الكوابيس قبل قدومها".
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يعني تراكم الخسارات والانهزامات في تجربة الدغاري ركوناً استسهالياً إلى اليأس والعدمية، فالتحرك بحد ذاته شكل من أشكال الخلاص، وضرب من ضروب الوصول. ولو كان هذا التحرك دوراناً حول الذات، أو عبوراً من صفر إلى صفر مماثل، أو أقل قيمة، أو سقوطاً في فخ "كان من الممكن أن تحفر فخاخاً تحتك، توقع نفسك فيها، ثم تنجو بحبك". كل ما في واقع هدى الدغاري يستحق التعرض لأشعة الشمس وللرياح الراقصة، فالحزن تعلقه بمشبك، والكآبة تنشرها على حبل غسيل، والأرض الجليدية ترسل لها قبلات برتقالية لعلها تنبت ثمرات دفء. والموت نفسه يمكن مراجعة سكونه بلهب شمعة، فلربما يرتعش في أعماقه نبض "ارقصي بلا توقف/ ارقصي/ الرياح رقصة الحزانى".

مركزية الأنوثة

بمجدافها التائه، تصارع الشاعرة الأمواج المتلاطمة، وتبحر في الدروب الملتوية بفم مفتوح وعينين زائغتين، ولا تكاد ترسو قليلاً إلا على ضفاف الأنوثة، إحدى المركزيات القليلة التي تستقطبها في نوبات انطلاقها وشتاتها. فهي امرأة العشق والنزق والشبق والخصوبة النارية وقتما تشاء، بمقدورها أن تقلب الفصول الأربعة على جمرها الناضج، وأن تلتبسها رعدات فرس تسبقها إلى الدرج: "إسطبلك في آخر الليل يتحول إلى جنة عشاق/ افتح سياجك إليه/ هي في انتظارك هناك، بلا عطر ولا أحمر شفاه/ رائحة التبن معدلة لمزاجي السيئ/ ومزاجك يرتفع كزئبق محرار/ كلما رأيت حصانك وأنثاه في ركنهما المعتم". لا يبدو الآخر حاضراً إلا في لحظات نادرة استثنائية، فهو الوجه الثاني للغياب بملحه ومرارته، ويشكل استدعاؤه الأسطوري بعثاً للذات من جديد. فالـ"هي" الضالة لم تكن في الأصل سوى جزء من الـ"هو"، ذلك الذي يعتليها صوته، ويملأ وهجه مسام حواسها، وتتمشى رائحته في دمها: "جسدي جسدك/ لا أصابع لي خارج يدك/ لا تعدها".

على امتداد صفحات "يا كلي الناقص... يا فداحتي الكاملة"، تلعب النصوص على تقنية المفارقة، وتوليد الدهشة من الثنائيات المتقابلة، في سرديات مشحونة بالشد والجذب، والأخذ والرد. فهناك الكل الناقص، والنقصان الكامل، وهناك الطهر الطفولي والفوران الحميمي، وهناك الأرواح الشفيفة الهائمة في مواجهة الجسدانية الحسية، وهناك الإيمان بالعمق الداخلي ورفض الفضاء الخارجي: "عمن تبحث خارجك؟ لا يقين خارجك سواك". وهناك علاقات التجاذب والتنافر، التي تشحن الدراما المشهدية التصاعدية: "بيني وبينه ما بين الموجب والسالب من تناقض مثمر/ أقفز إلى هاوية فيدفعني نحوها/ ليردني بأسرع مما دفعني/ كرة مطاطية على الحصى".

بورتريهات بالحروف

باهتمامها بما هو بصري، تعيد قصائد الديوان صياغة مفهوم البورتريه من خلال الرسم بالكلمات، فكثير من القصائد لقطات تشخيصية تصويرية، ذات أبعاد تشكيلية وسينمائية ومسرحية. وليس بالضرورة أن تنخرط الذات ظاهرياً في الحدث، فقد تذوب فيه وتختفي، وقد تختار مقعد المتفرج، أو الراوية الحيادي، الأمر الذي يكسر حدة المونولوغ الإفضائي الأحادي الدائم، ويخلخل رتابة ضمير الأنا: "متمدد على  التراب/ ظله ضوء متلاش على مرمى أنفه/ ساقاه الهزيلتان عكازان لراهب في صحراء/ عيناه الغائرتان زورقان في التيه".

تتعاطى نصوص الديوان مع الكلمات بوصفها قنوات توصيلية في الأساس، تؤدي الغرض بسلاسة وعفوية كوسيلة لنقل المعنى، من دون أن تتلون بيانياً أو تتورم كمجازات مراوغة. لكنها في الوقت نفسه مواد خام قابلة للانفجار، لأنها مشتعلة بذاتها، من دون معادلات كيميائية وتراكيب ملغزة، ما يجعلها غاية أيضاً لفرط سخونتها ونداوتها: "كلمات مبعثرة على طرف اللسان/ لغة، تجعلنا ودودين/ في لحظة، تشعلنا كلمة/ تعصف بنا، فنعصف بما تبقى فينا/ لغة، تطحن رحاها، هبات خريف".

 

المزيد من ثقافة