Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يغير اتفاق السلام في السودان التركيبة السكانية في مناطق النزاع؟

شهدت ولايات دارفور منذ العام 2003 حرباً خلّفت أكثر من 300 ألف قتيل وأكثر من مليوني مشرد

سودانيون يرتدون ملابس تقليدية يستعدون في الخرطوم لاستقبال فريق التفاوض الحكومي من جوبا حيث وقعت الحكومة والجماعات المسلحة اتفاق سلام (أ ف ب)

تشكل قضية التوطين في مناطق النزاع في عدد من ولايات السودان خصوصاً دارفور، إحدى القضايا الرئيسة التي ستواجه الحكومة السودانية بعد اتفاق السلام، الذي وقعته مع مكونات الجبهة الثورية التي تضم تسع حركات سياسية ومسلحة في البلاد، في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي في العاصمة جوبا، وذلك لما تتطلبه هذه القضية من جهود ومبالغ طائلة لإعادة إعمار القرى التي دمرتها الحرب. لكن هل عودة سكان تلك المناطق التي هجروها خلال الـ 17 عاماً الماضية ممكنة؟ في ظل المعطيات الماثلة، التي تتمثل في فقدان معظم القرى التي تعرضت للدمار لأبسط مقومات الحياة، من ناحية عدم توفر الخدمات والمرافق المختلفة، فضلاً عن عدم ارتباط الجيل الجديد بموطنه الأصلي، ما سيحدث تغييراً كبيراً في التركيبة السكانية للمناطق التي تأثرت بالحرب.

 في هذا السياق، يقول الرشيد محمد إبراهيم أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعات السودانية، لـ"اندبندنت عربية"، "في اعتقادي أنه على مستوى الأرض وما يسمى بالحواكير في دارفور، لن تكون هناك مشكلة في استرجاعها لأصحابها، وكذلك بالنسبة إلى قضية عودة النازحين واللاجئين لمناطقهم التي تركوها بسبب الحرب، لكن المشكلة هي أن قضية النزوح تم استخدامها سياسياً واستمالة المجتمع الدولي أكثر مما هو واقع على الأرض. وبالتأكيد هناك عوامل عديدة ستغير في ديموغرافية المناطق التي تأثرت بالحرب، من ناحية أن هناك أجيالاً نشأت في دول مجاورة وفي معسكرات ومناطق أخرى، غير تلك التي نشأ فيها أباؤهم، فمثلاً نجد في شمال دارفور، يقع معسكر أبو شوك وهو من أكبر معسكرات النازحين تم تخطيطه ليصبح مدينة نموذجية تتوفر فيها كل الخدمات من تعليم وصحة ومرافق مختلفة، بالتالي من الصعب لهؤلاء العودة لقراهم التي تفتقر الآن لكل مقومات الحياة البسيطة بسبب ما حدث من دمار لها".

أضاف إبراهيم، "الحكومة السابقة خيرت سكان معسكرات النازحين بالرجوع إلى مناطقهم الأصلية، أو تخطيط معسكراتهم التي يسكنون فيها، وقد فضل جزء كبير منهم البقاء في المعسكرات، لا سيما وأن الغالبية منهم لا تعرف شيئاً عن موطنها الأصلي، فضلاً عن عدم توفر الأمن هناك، وعدم تجهيز تلك المناطق كسكن، لافتقارها لأبسط مقومات الحياة، ومن المشكلات التي تواجه الحكومة الانتقالية لإعادة الحياة إلى دارفور وعودة السكان لمناطقهم على ضوء اتفاق السلام الأخير، هي أن غالبية هذه المعسكرات تسيطر عليها حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي لم توقع على اتفاق جوبا، ما سيكوّن تياراً مناوئاً لترحيل هؤلاء النازحين لقراهم الأصلية التي تركوها بسبب الحرب، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً للحكومة السودانية خلال الفترة المقبلة".

ويرى إبراهيم أن الخيار الأنسب لمعالجة هذه القضية للحفاظ على التركيبة السكانية في هذا الإقليم، أن يحدث دمج في المجتمعات مبني على خيار العودة وليس بالإكراه، فتنمية المناطق التي تأثرت بالحرب مطلوبة، لكن ما تعانيه الحكومة الانتقالية في البلاد من أزمة اقتصادية متصاعدة، وكذلك ظروف الدول المانحة بسبب كورونا، قد يجعل من الصعب إقامة قرى مثالية مكتملة الخدمات والمرافق، لأن حجم الخراب الذي حدث كبير ويتطلب إصلاحه مبالغ هائلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استقطاب جهوي

في المقابل، قال الصادق علي حسن، الأمين العام لهيئة محامي دارفور، "في نظري أن ما تحقق من اتفاق سلام بين الحكومة السودانية ومكونات الجبهة الثورية على الرغم مما صاحبه من مآخذ، يمثل في حد ذاته خطوة في اتجاه وقف وسيلة الحرب للحصول على المطالب العامة، واعتماد لغة الحوار، لكن مضامين ما تم الاتفاق عليه قد لا تؤسس لحلول مستقرة، إذ أبقى الاتفاق الأوضاع الاستثنائية على ما هي عليه، بل زاد الاتفاق من حدة الاستقطاب الجهوي والمناطقي بين المكونات المجتمعية".

أضاف الأمين العام لهيئة محامي دارفور لـ "اندبندنت عربية"، "بخصوص اللاجئين والنازحين المنتشرين في المعسكرات، هناك ظروف كثيرة تغيرت، وقد أصبحت عودتهم إلى مناطقهم بعد الإطاحة بنظام البشير ممكنة، لكن تشجيع العودة يتطلب تحقيق إجراءات فعلية، مثل إزالة الموانع وعلى رأسها إبعاد المستوطنين من أماكن النازحين واللاجئين، وتوفير القدر المعقول من الأمن والخدمات الضرورية، وحيثما تحقق بعض من هذه الأشياء سيكون ذلك مشجعاً لعودة من يرغب، كما يجب عدم إغفال أن هناك أعداداً من النازحين تطبعوا على الحياة في تلك المعسكرات، خصوصاً الجيل الذي ولد ونشأ في هذه المعسكرات وارتبط بها، فهؤلاء قد يفضل بعضهم الإقامة في المعسكرات القريبة من المدن، نظراً لتوفر الكهرباء وبعض الخدمات الأخرى، لا سيما التعليم، ما يتطلب أيضاً ضرورة وضع الخطط والدراسات المتعلقة بكيفية التعامل مع أوضاع اللاجئين والنازحين، وإنهاء الحالتين، بما ينهي حالتي اللجوء والنزوح والتشرد الداخلي".

ولفت الصادق علي حسن إلى أن التركيبة السكانية في الإقليم تغيرت أصلاً بفعل الحرب، وما حدث من تهجير قسري وسياسة الإبدال والإحلال التي اتبعها النظام السابق في التهجير الممنهج، لكن إعادة الحال إلى ما كانت عليه تتطلب كثيراً من الجهود المشتركة حكومياً وشعبياً، منوهاً إلى أن أصحاب المصلحة الحقيقيين يتواجدون الآن في المعسكرات، وأن غالبيتهم لم يستشاروا في ما جرى من اتفاق للسلام، وبالتالي لا يثقون في ما تم الاتفاق عليه، بينما هناك أعداد مقدرة من النازحين رحبت بالاتفاق، ما يشير إلى ظهور حالات استقطاب بين المكون المجتمعي نفسه، وهو ما يكشف أن تنفيذ الاتفاق سيواجه تحديات كثيرة، من أبرزها قضايا التوطين، إذ أعلنت قيادات عدة في تلك المعسكرات أن الاتفاق لم يخاطب قضاياهم وعلى رأسها مسألة توطينهم.

وأوضح "صحيح أن اتفاق السلام يجد القبول المعقول في أوساط القواعد المجتمعية باعتباره اتجاهاً لتأسيس تعايش سلمي واستقرار أمني في الإقليم، لكن متى تحول ما تم الاتفاق عليه لتقاسم للسلطة ومحاصصات ونسب مئوية وصراع على مراكز القرار والنفوذ، فستتعمق عندها حالة الأوضاع الاستثنائية، وتكون كل الخيارات واردة بما فيها الثورة على الحكومة الحالية واتفاق جوبا".

جرائم ضد الإنسانية

وشهدت ولايات دارفور منذ عام 2003، حرباً بين القوات الحكومية والقوات الموالية لها وحركات مسلحة، واختلفت أسباب الحرب ما بين الصراع على المرعى والماء وأماكن الإقامة، وأسباب سياسية، وأخرى تتعلق بالإهمال التنموي للإقليم، وخلفت أكثر من 300 ألف قتيل، وحوالي 2.5 مليون مشرد من أصل حوالي سبعة ملايين نسمة في الإقليم، وفق الأمم المتحدة.

وفي عام 2005، أحال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أزمة دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في أعقاب تحقيق أجرته لجنة التحقيق الدولية لدارفور التابعة للأمم المتحدة، التي تبين لها ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق أربعة مسؤولين في الحكومة السودانية، بينهم الرئيس السابق عمر البشير.

ووُجهت إلى البشير خمس تهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية تشمل القتل والإبادة، والنقل القسري، والتعذيب والاغتصاب، وتهمتين بارتكاب جرائم حرب وتعمُّد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين، أو ضد أشخاص مدنيين لا يشاركون في القتال، والسلب والنهب، وثلاث تهم بارتكاب الإبادة الجماعية من طريق القتل، والتسبب بأذى جسدي أو أذى عقلي جسيم، وقيل إن هذه الجرائم ارتُكبت بين عامي 2003 و2008.

وتعد دارفور من أكبر ولايات السودان، إذ تبلغ مساحتها 493 ألف و180 كيلومتراً مربعاً، وتحدها أربع دول هي ليبيا من ناحية الشمال الغربي، وتشاد غرباً، وجنوب السودان من الناحية الجنوبية، وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي، وأسهم هذا الموقع في إطالة أمد الصراع في الإقليم، في ضوء التداخل مع الدول المجاورة، والصراعات التي شهدتها هذه الدول، وتضم تركيبتها السكانية قبائل أفريقية وأخرى عربية، بعضها مستقر، وأخرى من البدو الرحل الذين يمتهنون الرعي.